زكية خيرهم

06/12/2007 النور

قراءات: 133

تسلمت هذه الرواية من المؤلفة شخصيا في اليوم الأول من رمضان المبارك الماضي، وودعتها وهي تستعد للعودة لوطننا المغرب في اليوم التالي . أخذت مكاني في القطار عائدة لمنزلي وبنهم وحب واستطلاع شديدين بدأت أقرأ الصفحة الأولى، وجدت نفسي خارج القطار وخارج أوسلو وخارج النرويج كلها ، إذ طارت روحي إلى وطني وكنت أرى في كل جملة أقرأها صورة منه أمامي، وكأنني أشاهد فيلما سينمائيا يقدم لي كيف كانت الحياة في موطني الذي كتبت عن بعض جوانب حياة المرأة فيه في روايتي الأولى ( نهاية سري الخطير ) . حياة النساء في مختلف أعمارهن و لقطات عديدة من مظاهر بؤسهن تشخصها صفحات رواية الدكتورة لطيفة حليم وتجعلني أتخيل كيف هي حياة المرأة المغربية وكيف تتصرف إزاء ما تتعرض له من مصادرة وإلغاء لغالبية مكوناتها البشرية ، فهي تسعى جاهدة لإرضاء الزوج الذي لا يبالي … الزوج الذي أمام عينيها من حقه أن يفعل ما يشاء ولو كان ذلك سيجرح شعورها ، بينما هي تخافه رغم قيامها بكل واجباتها المنزلية و الزوجية السريرية . تذكرت جدي وأنانيته التلقائية التي لا تجهد نفسها بالتفكير، بل تصرفاته التي كانت ” ذكورية” صرفة. هذا التصرف التسلطي الذي يحكمه الوعي الاجتماعي حتى اليوم ويقوده إلى ثنائية تناقضية حادة بين الفحولة والأنوثة.

الصفحات الأولى من الرواية تحيلنا على صورة كاملة للنمط الحياتي والتعسف ضد المرأة، فكل جملة تختفي وراءها معاناة تجعل القارئ يتفاعل مع ما يحسه من تلك المشاهد الكثيرة والمتلاحقة في السرد وما بين سطوره للواقع المر الذي مرت به المرأة ومازالت، لكن المؤثر أن القارئ يرى أيضا أن شخصيات “دنيا جات” النسائية رغم سلوكهن الأنثوي المتخفي تحت قناع التقاليد والتبعية للرجل الذي يغيبها أو يتيح لها فرصة الحضور، فهن يسعين جاهدات إلى تجاوز المحنة والوصول إلى التحرر والخروج من “عباءة” التبعية. جسدت الكاتبة مرارة الواقع ومفارفاته في المغرب بل أيضا في العالم العربي، مأساة المرأة ومأساة الشعب ….مأساة القمع التراتبي …

الرواية توقظ في نفسية القارئ صورة حقيقية لشعب يئن ويتجرع المأساة، شعب نصفه المرأة، العنصر الأساسي وقلب المجتمع بأحاسيسه المرهفة، لكنه محروم من حياة هانئة خالية من طعم المرارة والغصة الساكنة في الحلق. تجعلك الكاتبة تعيش وتحس أنواع الظلم والتعسف على المرأة وتصديرها للزواج سلعة غضة لرجل قد يكون في سن أبيها، ناهيك عن الضرب وسوء المعاملة وعدم احترام شعورها.

الرواية جديدة في النوع والأسلوب. جمل متلاحقة تعبر عن كثافة الأحداث والصور والأحاسيس الداخلية بشكل متميز وجديد في أسلوب الرواية. جمل تعطي تصوراو انطباعا واضحا عن السلوك العنفي تارة والسلوك الهادئ تارة أخرى. ما أثارني في الرواية، جمل باللهجة المغربية والأمازيغية والفرنسية، سرد غني بين الرصد التصويري والتفصيلي، سرد ظاهري وآخر وراء الجمل، طريقة جديدة، غنية بأحداثها على المستوى الثراثي والثقافي و الإجتماعي . ودون التقليل من أهمية الرواية ورهافة أسلوبها ، إلا أن هذا الزج العفوي بالكلمات المغربية والأمازيغية والفرنسية من شأنه أن يحول دون تفاعل القارىء العربي في المشرق العربي، خاصة أن المرأة هناك تعاني من نفس المشاكل والأوضاع بنسبة من النسب، مما يعني أهمية أن تنتشر الرواية في المشرق العربي ليعرف القارىء هناك رجلا وإمرأة حجم العنف الأسري الذي نعيش ويحول بالتالي دون حياة كريمة لكافة مكونات المجتمع ، و إلا ما معنى أن نقول عن المرأة العربية أنها ( نصف المجتمع ) وهذا النصف ما زال مضطهدا مصادرا ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين. وهذا الزج العفوي بالكلمات والتعبيرات المحلية أو الأجنبية سائد في العديد من الروايات العربية، ويواجه غالبا بنفس الملاحظة التي أوردتها، كما قيل فيما يخص رواية ( بنات الرياض ) للكاتبة السعودية رجاء عبد الله الصانع ، إذ زجت بالعشرات من الجمل والتعبيرات باللغة الإنجليزية مكتوبة بالحروف العربية، وبالتالي كيف سيفهمها قارىء عربي لا يفهم الانجليزية ، عندما فجأة في سياق النص العربي يجد أمامه ( مي يو ريست إن بيس ) ص 12 من الرواية، أو ( ذا دمج إز دون ) ص 48 من الرواية، وغيرها عشرات المواقع بالإضافة للجمل باللهجة السعودية التي من الصعوبة أن أفهمها كمغربية، وأيضا بالنسبة لرواية ( بنات الرياض ) هذه الملاحظة لا تقلل من شأن هذه الرواية الجريئة ذات الطابع الانتحاري الاقتحامي لعالم سري معاش مسكوت عليه طالما هو لا يظهر للعلن ( وإن بليتم فاستتروا )!.

وعودة لرواية ( دنيا جات ) ف ( منى ) تتساءل ما علاقة الباب بالطلاق؟ تتذكر قراءتها لمسرحية ” لعبة دمية ”. المرأة النرويجية التي تطلق زوجها. حصل ذلك عندما صفقت نورا بطلة المسرحية الباب وراءها وانصرفت. هل ( منى ) ترغب مرة ثانية في الطلاق ؟ تصفق الباب وراءها، تخرج إلى الحمام وتطلق زوجها ثلاث ساعات. المرأة لا تستطيع ان تعبر عن نفسها و معاناتها بصراحة . أسلوب المصارحة الواضحة مع الزوج منعدم ، لذا تجد نفسها ملزمة بالتعويض عن ذلك بالهروب ولو لسويعات ، الطلاق لسويعات ثم تعود لسجنها الأبدي طالما العقلية الذكورية هي المتحكمة ، هذه العقلية التي يصفون من خلالها المرأة في المشرق العربي أنها خلقت ( للخلف والعلف ) أي السرير والمطبخ .

” أنت مشغولة بهمومك الزوجية. هيا غوصي في البحر ، كوني مثل البطلة نورا ،اطرقي الباب وراءك وانصرفي ” .رواية ” دنيا جات” رواية المجتمع ورسالة له، ليعيد النظر في التعامل مع المرأة التي تمثل نصفه وأن تشارك في كل ميادبن المجتمع كإنسان فاعل وليست مجرد كتلة لحم تثير الغرائز لدقائق ثم تركن في الزاوية المظلمة لحين اشتعال لحظات الغرائز مرة جديدة.

خلاصة القول، رواية ” دنيا جات” تتجه نحو مواجهة التعسف الذكوري في المجتمع العربي. رواية تدور في محيط الهواجس الذاتية والخواطر الوجدانية، مجسدة الانتكاسات الإجتماعية التي تحول دون المرأة وممارسة إنسانيتها.

“دنيا جات” رمز لإنسان جديد قد جاء، إنسان ينسلخ تدريجيا من ارتداء “جلباب” التعسف، رغم أن التغيير لا يحصل فجأة . المهم أن دنيا جديدة ستجيء مليئة إشراقا وتفاؤلا ، فقط نريد طرق الباب مثل نورا إبسن النرويجي ، فالمرأة الأوربية ناضلت طويلا وطرقت وأغلقت وكسّرت أبوابا عديدة قبل أن تصبح نصف المجتمع الحقيقي الموازي للرجل ومتفوقة عليه في أحيان كثيرة . هذه انطباعاتي عن الرواية كقارئة مهتمة بقراءة الرواية من مختلف الأداب العالمية ، أما النقد الأكاديمي فأتركه للمتخصصين فيه ، ألا يقول المثل العربي ( رحم الله إمرىء عرف قدر نفسه ).

Advertisements