جاسم الرصيف

من المعروف في عالم الثقافة العربية في المملكة المغربية أن د. لطيفة حليم، استاذة الأدب العربي في جامعة محمد الخامس الرباط ، ناشطة كبيرة في مجال توثيق الأدب النسوي العربي، خاصة الأدب المهجري، ويكاد لا يمر عام دون مشاركات كبيرة منها في الجامعات الأوربية والأمريكية والكندية، لتسليط الضوء على نشاط الأدب النسوي العربي بشكل عام والمهجري بشكل خاص، مستغورة عالم المرأة العربية بجرأة العالم الأكاديمي وحساسية الكينونة الإنسانية كامرأة تكتب عن النساء وتبحث أوضاعهن تحت وطء السياسة والحب ووظيفة المرأة في الحياة المعاصرة.

ولكن أستاذة الأدب العربي، وجدت نفسها، ربما، مع بقية النساء العربيات، في متن روايتها الأولى (دنيا جات) – واللفظة مغاربية دارجة تعني: جاءت الدنيا – فرسمت عبر المفردات المنتقاة بعناية شخوصا سلسة القرب للقارئ مؤطرة بين لغة عربية فصيحة جميلة ومرصعات مفردات مغربية دارجة أضفت على النص نكهة محلية لم تبعدها، قدر ما قرّبتها من معالم العالم العربي المعاصر ودور المرأة العربية الذي وضعته الكاتبة على طاولة النقد في عالم تراه ذكوريا همّش دور المرأة وظلمها.

د. لطيفة حليم دخلت الحدث، القصّ مباشرة، دون اللجوء إلى التلميح، ولا الضبابية التي قد تمنح القارئ فرصة الاستنتاج اللاحق لقراءة النص، وربما تعمدت ذلك بحرص امرأة تخشى عادة الرجل في استغلال حريته لتأويل العالم والمحيط وفق تعاليه الذكوري على النساء، وربما لتصدم عالم الذكور بعالم المرأة في قالب ساخر يعكس تسلط الرجل في مشاهد الضرب والطلاق والتهميش وتعدد الزوجات والحب، وغير ذلك مما يجمع ذكرا وأنثى في قوالب العادات والتقاليد العربية الا الرباط الإسلامية.

وكان من ابرز ضحايا سخرية د. لطيفة حليم في روايتها (دنيا جات) ابن المقفع على جريرة كرهه المعلن للنساء في قوله: (لا يتجاوزن الاعتناء بجمالهن، ولا تمتلك أي امرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، وإنما المرأة ريحانة وليست قهرمانة)، ومن ضحايا سخريتها ممن ظلموا المرأة كتاب القواميس والنحاة العرب الذين كرسوا سلطوية الذكور على الإناث منذ زمن التدوين البعيد حتى في اللغة وتوظيف المفردات العربية، وبذلك غطّت الكاتبة عمقي الماضي والحاضر السلطوي للرجل على المرأة ومن زوايا متعددة تاريخيا واجتماعيا.

بالمقابل ذكرت د. لطيفة حليم رجلا ناصر المرأة وحقوقها هو (قاسم أمين)، وناشطة في هذا المجال هي (درية شفيق)، من ناشطات خمسينيات القرن الماضي، وخلصت في مجمل روايتها الأولى، وعساها مستهلا لروايات أخرى، إلى تقديم نموذج حي، نابض بالحياة، يعيش في عالمنا مظلوما بجملة من القيود والعادات والتقاليد المحبطة لطاقاته الموازية لطاقات الرجل الذي يصادر وتحت ذرائع مختلفة إمكانيات إنسانية يمكن أن تخدم المجتمع بطرق أكثر فاعلية وأعمق في التأثير.

لم يفت د.لطيفة حليم، وهي تقدم لنا عالم النساء العربيات المهمّش في عالم الرجال أن تتناول البعد العربي الإسلامي في روايتها (دنيا جات)، فذكرت كثيراً من معالم العروبة والإسلام المضيئة في عالم اليوم من خلال موروثاتنا، وتركت لروايتها ومن خلال الشخصيات أن تستعيد، مثلا، (مولاي عبد القادر الجيلاني)، أو (عبد القادر الكيلاني) وفق اللفظة العراقية الدارجة، وما مرت به الأمة العربية من مآس، وبذلك تحوّلت روايتها الأولى إلى رسالة واضحة لمجتمعنا العربي الإسلامي تحثه على التغيير التطوعي والمعاصرة العقلانية من خلال توظيف المرأة عاملا مساعدا فعالا في الرقي ببنية المجتمع إلى ما هو أفضل.

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2008/04022008/fadaat22.htm
Jasim Arraseef
jarraseef@yahoo.com
http://2arraseef.blogspot.com

Advertisements