الفصل التاسع

السياسة فيها الفلوس

حمدة رجل من أهل فاس, مشبع بالثقافة الفاسية, وكل حديثه عن فاس وأحيائها وشيوخها. مرة يتحدث عن مولاي أحمد الكتاني, ومرة عن فلان وفلان من علماء الدين أو المتصوفة. كان هؤلاء ترد أسماؤهم على لسانه بمناسبة حكاية أو حادثة , ومن ذلك حديثه عن الفقيه ابن هشومة. كان هذا الفقيه من علماء القرويين, وكان هيابا للموت لا يريد أن يذكر أمامه, وإذا ذكر ينتفض الفقيه ويحل فيه شخص آخر أرعن متفرعن, ينتفض على الذاكر, ويخنقه ويلطمه و يدوسه و يركله حتى ينال منه ما يشفي غليله. ذلك ما أصابه من حمدة, إذ علم قصته فتعرض له في بعض الأزقة , وكان شابا والفقيه كهلا, فلما ذكر له الموت,انقلب الفقيه إلى وحش ثائر وطارد حمدة في أزقة مدينة فاس ولم يفلت منه إلا بالجهد الجهيد.

كان حمدة يحمل في شيخوخته آثار جمال رجالي بارز, وكان يحكي للكبار من أحفاده قصصا تمثل درجة التسامح التي كان يتحلى بها. كان ينزل إلى رتبتهم, فيكشف لهم دخائل نفسه في شبابه, وحوادث مما وفر في ذهنه عن أخلاق العهد القديم. لم يكن يمتنع عن حكاية قصصه الشخصية العاطفية, كقصته مع الشابة التي حجزته في أسطوان بيتها, وعرضت عليه أن يتقدم لوالدها طالبا الزواج منها , بمال قدمته له, فوعدها خيرا, وفر هاربا. كان يجاوز ذلك إلى حكاية ما تحول الحواجز الأخلاقية السائدة دون ذكره, وكان لا يرى بأسا في حكيه لتنوير أحفاده. لم يكن لذلك يمتنع عن ذم العهد القديم بمقارنته بالعهد الجديد. قال يوما لأحفاده:

كان الشذوذ منتشرا في الزمن القديم لكن الأبواب كانت مغلقة. لا تلوموا أنفسكم أنتم خير حالا من القدماء.

ثم يمضي في تفصيل القول عن حالات عرفها, يستوي فيها رفيع الشأن بوضيعه في ارتكاب الذنب. كان حمدة منفحا وكانت مطوية التنفيحة الفضية لا تفارقه, وكذلك المنديل الأحمر الذي يصاحب كل المنفحين. حكى يوما كيف انتقل من النشوة, التي كانت منتشرة في المغرب بين الناس جميعا شبانا وشيوخا, إلى التنفيحة. كان معظم المنتشين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, الحقبة التي شهدت شباب حمدة, ينتشون بالعفيون. كان حمدة كحال أقرانه يحمل في جيبه قطعة عفيون, كانت قطعة سوداء, وكانت العادة أن المنتشين يقضمون بعضا منها. حكى حمدة أن أمه كانت كلمتها لا تنزل, حلفت عليه أن يترك العفيون, وخيرته بين سخطها ورضاها فاختار رضاها وترك العفيون إلى التنفيحة. كان حمدة إذن لا يفارق المطوي الفضي العامر بالتنفيحة, وكان لا يفارق أيضا عمامته البيضاء. رغم زواج ابنته بالفقيه الشريف ذي العمامة المزركشة بالأصفر, فإنه لم يتبعه في ذلك, وإن كانت ثقافته الفاسية الدينية الشعبية العميقة تفرض عليه تنزيله من نفسه منزلة سامية. احتفظ بعمامته البيضاء ولم يتأثر في كثير ولا قليل بصهره بل ظل مخلصا بما تلقفه من المتصوفة الدرقاويين, ومن علماء القرويين الذين كان يغشى مجالسهم في المسجد . طبعه المتسامح لا يعترف إلا بالقليل من المحرمات الكلامية فكان لا يرى حرجا في أن يحكي لأحفاده قصصا عن الجسد وأفعاله وأحواله. من ذلك قصته عن ليلة الدخول وما ينبغي أن يراعيه الرجل في الملامسة, وما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن لا يفعله بجسد المرأة. وقصته عن الرجل الذي دخل بامرأته ثم فر هاربا, فلما سألته أمه تبين لها الأمر, فجاءته بالعسل وأمرته أن يمرر فيه سبابته ففعل, فلما رأى العسل يعود كما كان تبين له أن المرأة كذلك, فعاد إلى زوجته فرحا مبتهجا.

كان حمدة غلاما عند وفاة السلطان مولاي الحسن بن محمد بن عبد الرحمن. كان يذكر تلك الوفاة ليؤرخ بها ميلاده, فقد سمع الناس يتناقلون الخبر في أزقة فاس, فهرع إلى أمه في الحمام وأخبرها, واستدل من دخوله إليها في الحمام أنه لم يكن بلغ الحلم.

لم يكن حمدة كثير الكلام عن أحد غير أمه التي كان بها اثر كبير عليه. لم يكن يأتي على ذكر أبيه إلا لماما وبصورة أساسية, وربما كان السبب أن أباه لم يعمر ومات شابا وتركه لأمه.

لم تتحسن حاله المالية بعد السرقة التي تعرضت لها تجارته في الجديدة, ولم تسؤ كذلك حاله النفسية, والسر في ذلك ذكره الدائم لله, واعتقاده الخير فيه, ورضاه بالقضاء والقدر خيره وشره. حين زوج بناته الثلاث, تنازل لهن عن داره واكتفى ببيت واحد في أعالي داره. لم يكن حزينا لذلك, وكان يخفف من حزنه أن فاس في ذلك الوقت كانت تضم أشتاتا من الناس ذوي المصائر المشابهة لمصيره. كان يرى في أزقتها كثيرا من الكهول والشيوخ بجلابيبهم وسبحتهم, وكان يرى عليهم أمارات الكآبة والحزن الشديد لا يفهم معنى لها إلا بتقدم العمر وما يحمله إلى الناظر من تفاسير. كانوا جميعا فرائس أزمات, بين مسروق كحمدة وبين ذي تجارة خاسرة أو مال مضاع أو متورط في بيعة.

فلة, ابنة حمدة, صبية جميلة,عيناها بلون السماء, صافية بصفاء بحر الأبيض المتوسط. لا تتوانى في مد نسبها من جدها لأمها إلى أهل تلمسان الذين حطوا بفاس فارين من الاستعمار الفرنسي, ولا تفتأ تفاخر بأن أهلها أكثر أناقة وتحضرا من أهل فاس. تستيقظ فجر كل يوم مشرق جميل, تصعد إلى السطح تسقي غرس الحبق , يتطاول إليها نظر شاب فقيه عالم, يرمقها بغمزة حب و يقول لها:

– للا زينت الحبق وترشو, لله عدلي شحال من ورقة في طرفه.

ترد عليه:

سيد لفقي يا عالم, يا قاري كتاب الله, اشحال من نجمة في السما, واشحال من حوتة في الما, واشحال من مرة اقرتي كتاب الله؟.

يتحابان ولا يتزوجان, تتزوج عالما حقيقيا ومناضلا وجيها في حركة استقلال المغرب, يترك لها البنين والبنات ويزج في الزنزانة. الجد حمدة يلعن السياسة وما جاء منها, لأن صهره الطاهر غيب من أجل الوطن في السجون. تجن فلة, وينتهي الحب. لم تعد تسقي الحبق. اختل عقلها لأنها كانت تنتظر الجواب عن سؤالها:

اشحال من نجمة في السما واشحال من حوتة في الما واشحال من مرة اقرتي كتاب الله؟

الفقيه, العالم الحقيقي صاحب فلة, لا تجرأ أن تسأله كم مرة قرأ كتاب الله؟. كان يزهو بقوة منكبيه وشموخ جسده, وتبجيل سكان فاس لغيرته على وطنه, وفصاحة بيانه وقصائده التي تهز همم الرجال للدفاع عن الوطن. لم يكن له من الوقت ما يجعله يختلي بصاحبته, ويجلس الساعات الطوال يسأل عن همومها النفسية. هم الوطن يستولي عليه بالليل والنهار.

منى تتساءل هل الزواج المبكر اغتصاب؟. وهل زواج الصبية الجميلة برجل ابنه الأكبر في مثل سنها جريمة؟. بكت فلة يوم زواجها وذبلت أوراق الحبق.

يطيب لمنى أن تقرأ مذكرات حميها, تدهشها بعض الأخبار التاريخية. صاحبها يحدثها عن بعض منها, عندما يراها تقرأ ها يقول لها:

اعتقلوه, اعتقله الفرنسيون فرموا به في جب عميق وكانت سنه تتجاوز الثلاثين, السبب أنهم اتهموه بتحريض قبائل الأطلس على رفض قوانين ‘إزرف’. لما ألقي في الجب, صار يقرأ القرآن العظيم, إذ كان يحفظه عن ظهر قلب, فسمع المراقب الفرنسي صوته وهو يقرأ القرآن في الليل, واستدعى كبير حراسه وسأله:

ألم أقل لكم أن تنزعوا منه أوراقه وكتبه وكل شيء, ما عدا ما يستر به جسمه؟. فقال الحارس:

إن هذا الرجل عندنا يمثل صنفا من الناس يدعون بالعلماء, وإنه لا كتاب بيده ولا أوراق في جيبه, يحفظ القرآن داخل قلبه.

كتب المعتقل في مذكراته أنه حين خرج من الجب, بعد ستة أشهر, خرج بأظافر اكبر من براثن الأسد, وبلحية وشارب لم يعهد لهما مثيل. ذكر أنهم كانوا يقذفون إليه في الجب بخبز يابس, وكان لا يعرف ليله من نهاره, ربما عرف المساء. كان المراقب يأمر بتدويش الجب حتى يزداد بردا ويلقى حتفه ويموت, لكنه كان قوي البنية شديد المراس. خرج من السجن, وطردوه من مدينة خنيفرة, فالتحق بقرية الحاجب, واستدعاه مراقبها المدني وقال:

لا يقيم في بلدنا من طرده جيراننا.

عاد إلى أمه بمدينة مكناس, فكان فيما حكاه يمر بالشارع والزقاق, ويرى في أقصى الطريق بعض أصحابه ومعارفه فيلوون وجوههم, وينقلبون إلى طريق آخر خوفا من أن يراهم الفرنسيون معه لأنه وطني. وقد كسب من هذا العمل الوطني مرض الروماتيزم. قال له أحد أبنائه يوما:

لماذا لم تعتزل السياسة وتهتم بشؤونك الخاصة كحال جدي؟.

طرده من الدار وقال له:

أتظن أني فعلت ذلك من أجل الخبز والشواء, فعلت ذلك لأني أومن بالسياسة .

منى لا تعرف الجد الذي ضرب به الصبي المثل, إنه حمدة. عاصر ما قبل الحضور الفرنسي في المغرب, وعاصر الحضور نفسه, وعاصر ما بعد الحضور. كانت هذه الحوادث التي تهم السياسيين والوطنيين لا تعنيه في قليل أو كثير, بل إنه أبى أن يزوج ابنته للطاهر, لا لكبر سنه, ولكن لأن فضوله السياسي لم يعجبه في غالب الظن. انقلب بعد ذلك حمدة إلى موقر كبير له, فكان يقبل يديه, وحين سأله حفيده يوما:

لم تقبل يديه ؟

قال:

أقبل يديه لا لأنه وطني ومناضل, أقبلها لقربه من النبي صلى الله عليه وسلم.

في مثل قوله هذا يتضح لنا أن حمدة كان بعيدا كل البعد عن السياسة, بل يكره ويلاتها وما خلفته من تعب لبنته فلة التي كان يتركها الطاهر على حين غرة ويزج به في السجن. حمدة يكره السياسة والفتن وكل ما له علاقة بالنضال والوطنية. مرة فاجأ أحفاده, والمعتقل الطاهر في السجن, فقال لهم:

أسرعوا إلى البندقيات. ‍‍‍

فقالوا له:

أي بندقيات؟.

فقال:

لقد رأيت والدكم قبل اعتقاله بقليل يدفن بندقيتين. جاء يحملهما فحفرنا في وسط الممر الأسطواني مكانا لهما ودفناهما فيه.

أبو أسد يحكي لصاحبته :

حصل المغرب على استقلاله وانطلق قوم في فاس يطاردون أتباع طريقة دينية سموها طريقة الزيتوني. كان أتباع هذا الرجل ملتحين جميعا, وكان من سوء حظ حمدة أنه كان ذا لحية بيضاء, على أساس ما كان يظن أنه سنة نبوية, فلما علم بذلك أحفاده صاروا يخوفونه ويزعمون أنهم سيرشدون المطاردين إليه. صار في حيرة من أمره, أيحلق لحيته التي صاحبته سنينا أم يتركها ويتعرض لاعتداء المعتدين؟. وفي نهاية الأمر تركها وسلم أمره لله.

كان حمدة ورعا تقيا مواظبا على الصلاة. في شبابه كان من أتباع الطريقة الدرقاوية, وكان يتبرك بمساعدة شيخه الجليل على المضي في الطالعة الصغرى بفاس من عين علو إلى باب بوجلود. هذا الشيخ الجليل كان يحتاج إلى استراحات متتابعة في الطالعة الصغرى, ولهذا نصحه بعض العلماء الثقاة بالزواج. تزوج شابة حسناء, فصار لا يحتاج إلى مساعدة حمدة, وأصبح قادرا على مجابهة صعوبات الطريق المشهور في مدينة فاس.

أبو أسد اعتاد أن يحكي لصاحبته بعضا من زمن طفولته ويقول لها ضاحكا:

حدث يوما لحمدة وهو شيخ هرم, ما يصح أن يوضع في حظه التعس من المصائب في الدنيا, ذلك أنه كان يستعد في صبيحة كل يوم للصلاة, وكانت امرأته قد اعتادت أن تضع المرجل على التنور ليلا, حتى تقيم الشاي صباحا. استيقظت باكرا وضعت المرجل على الأرض ودخلت إلى المطبخ لتضيف قطع الفحم في التنور, و بينما كان حمدة في طريقه إلى بيت الماء ليتوضأ حمل المرجل, وذلك لأنه كان شغوفا بالاغتسال وحب الطهارة بأصولها, فقد أراد أن يطهر أعضاءه الخاصة وهو مقرفص, فلما صب الماء على عضوه الأوسط, قفز صارخا وهو شيخ كبير, فانطلق يغوت, فكنت لو سمعته تحسبه صراخ طفل قوي الصوت أوذي في أعز ما يملك. استيقظت بناته الثلاث المتزوجات, ضحكن بعد أن مر ألمه بسلام واطمأنن على سلامته, وفي استحياء أصبحن يحكين قصته تفكها.

للا فضول شيخة تجلس بباحة المولى إدريس, تحكي لها أم فلة عن صاحبها حمدة وفضيحته أمام بناته, يضحكان معا. للا فضول أشد تيقظا وانتباها, هي أيضا مبتلية بالطهارة لكنها حذرة, لا تصب الماء إلا بعد أن تتيقن من حرارته. تحترس تصب الماء قليلا على كف ظهر يدها اليسرى ثم تصب الماء بكثرة, فيغمر الماء كل جسدها. السيدة فضول تبالغ في طهارتها, وتغار النسوة منها. الفوطة المكررة أطرافها بالحرير الناصع, تأخذها من فوق كرسي خشبي, تلفها على جسدها, تنتعل قباقب الخشب, وترتدي ملابسها على مهل, تمشي على أطراف بنانها, تلامس الأرض حذرة, تخاف أن يستيقظ سيد العباس ويشتت رزمتها وتضيع حبات عقد القفطان. هادئة مطمئنة تقضي أغراضها في خفاء وصمت. أجمل لحظاتها مع بزوغ فجر يوم جديد, صاحبها يستسلم لنوم دافئ قرب دادا الياقوت ويحلم بعوالم ألف ليلة وليلة, هي تذكر و يسمع لها صوت ناعم:

انعم صباحك يا ضوء الله

يا الشارق في بيت الله

قل لحبيبي رسول الله

يقف على خروج روحي لله.

للا فضول تتوضأ للصلاة, قطرات الماء تتساقط من أطرافها, لا تنشف الماء بمنشفة, تعرف أنه سنة. تفقهت على يد والدها, تحب الماء أن يغمر جسدها.

يقول أبو أسد لصاحبته:

روى لي جدي أن أول إنسان حط في أمريكا من المغرب يدعى ‘الزموري’. روى له الخبر أحد أصدقائه من التجار, وذلك عندما كان يتاجر في الجديدة. علم عنه أنه في زمن بعيد جدا, يعود إلى موجات العبيد التي كانت تؤخذ بالقوة من السواحل الإفريقية إلى أمريكا, وصل جد جده الزموري مع العبيد عام 1528 إلى أمريكا.

منى لا تتعجب لمثل هذه الأخبار التي يحكيها لها صاحبها, لأنها تعرف أن التواصل البشري عرف بين القارات مند زمن بعيد. سبق أن أخبرها والدها متفكها بأن الرسام بيكسو من جبال الأطلس المتوسط واسمه الأصلي بوقسو. لحق بالاسم تغيير من جراء نقله من الأمازيغية إلى الإسبانية , جد جد بيكسو أمازيغي قدم مع طارق بن زياد فاتحا جزيرة الأندلس.

منى تحكي لصاحبها باستمرار عن الظلم الذي تعرضت له البشرية, تقول له أن الله سبحانه وتعالى يسلط على كل ظالم ظالما أقوى منه مثل ما فعل بصدام. تخبره أن صديقتها الكندية الجزائرية قالت لها:

ولاة العثمانيين الطغاة ارتكبوا ما حرم الله في بلدي الجزائر. فقد امتد طغيانهم إلى رضيع امرأة ألقي في طنجرة ماء يغلي حتى تحلل لحمه, فاشتكى أبو الطفل أمام قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة, فرأى الأب النبي ص في المنام وهو يقرر استيلاء الكفار على أرض الظلم, فكان من ثم الاحتلال الفرنسي للجزائر. الاستعمار الفرنسي هو نتيجة منطقية للاستبداد وطغيان ولاة العثمانيين .

يحكي لها صاحبها عن طفولته وتردده على حي الرميلة لزيارة جده الملتحي, الذي لا يفقه في علم السياسة. منى تتابع على قناة الجزيرة ما حصل للعراقيين في الرميلة, تجد نفس الحي يوجد في فاس و مراكش, وبغداد. تتعجب و تتساءل عن المشترك اللفظي؟. تسمع عن المذبحة التي أثبتها تحقيق الصحفي الأمريكي ‘سيمون هيرش’, والتي ذكر فيها أن وحدة عسكرية أمريكية فتحت النار على فلاحين عراقيين رفعوا الراية البيضاء, وتم قتل عشرين شخصا من بينهم. ورد في تحقيق أن أحد الجنود الأمريكيين ذكر أن الفلاحين قد استسلموا, ولكن القيادة الأمريكية أمرت بقتلهم. بالرغم من التناقض والتعتيم الذي ورد في التحقيق بهذه القضية, فقد جاء في التحقيقات أن الجنرال ‘ماكافري’ أمر بقتل الأسرى والمستسلمين العراقيين في الرميلة, واستشهدت التحقيقات بما حصل من قتل في قاعدة جالبية الجوية. الجنرال ‘ماكافري’ شن انتقادات عنيفة على الوثائق التي فضحت أفعاله التدميرية للإنسان في العراق, والتي قد تكون عن رغبة شخصية أو عن إخلاص لتنفيذ أوامر الإدارة الأمريكية. لقد حصل الجنرال ‘ماكافري’ على وسام رفيع لبطولته في تلك المذبحة قبل أن يصبح مؤهلا لموقع المستشار للرئيس الأمريكي كلينتون الذي خلف الرئيس جورج بوش المدبر الرئيسي لمحرقة حرب الخليج.

أبو أسد لا يفتأ يلعن دراسته التي درسها بالصدفة لا بمحض إرادته, فقد كان يحلم أن يكون خبيرا من خبراء علم التعذيب والحرب ليكاشف حقيقة البشرية. ازداد الحلم كبرا فعندما كان الطاهر يغيب في السجون كان ولده يحلم بالمغرب . إدوارد سعيد كذلك كان يحلم, فقد كان والده جنديا في الجيش الأمريكي يقاتل من أجل الولايات المتحدة الأمريكية وكان هو يحلم بفلسطين. ما أجمل أن يحلم الأطفال رغم التناقض القائم بين آبائهم ؟. ما أجمل أن يحلمون بركوب عربة مذهبة من خشب الأرز و يقطعون بالقوارب بوغاز جبل طارق.

منى لا تحلم بعربة ولا بقارب لأنها لا تفقه في علم السياسة , تدخل غرفة صاحبها و تقرأ مسوداته 7- 3- 1993 “… يتكلمون عن الخصوصيات بعد تأسيس الأوطان. ما كان يطوف ببالهم شيء عن الخصوصيات الوطنية التي يتحدث عنها فلاسفة ومجانين السياسة, يقول دوكول والفرنسيون عامة: إن فرنسا خالدة قديمة كانت مع كون الكون. يتكلمون كما لو لم يؤسسها أحد, وكما لو أن الفرنسية صفة ملتصقة بأرض ثابتة لا تتغير حدودها منذ أن كانت لها حدود, الحدود وهمية كاذبة”.

منى تحلم بوطن بلا حدود. يعود صاحبها إلى البيت متأخرا, تدخل إلى المطبخ, يلحق بها ويحكي لها عن أحداث طفولته, يرغمها على السمع, هي منشغلة بإعداد أكل شهي ‘القدر الحمام باللوز’, يلتصق بها ويقول:

… سنة 1958 كنت صغيرا يافعا وحدث أن سكن والدي بمدينة وجدة, فانتقلنا إليها وأقمنا في بيت أرضي بالمدينة الجديدة. في الشارع الخلفي كان يوجد منزل لأسرة لا تبدو عليها صفات خاصة, فكانوا كالمغاربة شكلا وحالا. تعرفت على أحد أبنائهم, وكلمني وكلمته بالعربية الدارجة, فوقع في ذهني أنه مسلم مثلي. كان لا يختلف عني في اللون والشكل, كان قصير القامة ودودا, وكان ينظر إلي كما كنت أنظر إليه, فلم يكن يبدو عليه أنه يعدني من جنس أو قوم آخرين. كنا نتجول في البقع الأرضية الخالية من الجهات المحاذية لمنازلنا, وكنت فرحا بمصاحبته, ولاسيما أني كنت على ألم لمفارقة خلاني بمدينة مراكش التي أقمنا فيها قبل انتقالنا إلى وجدة. وذات يوم قال لي:

هيا معي لنشتري الخمر.

فقلت له مندهشا:

ماذا؟ نشتري الخمر؟ الخمر حرام.

قال لي:

لا, ليس حراما, نشربه في منزلنا.

لم أصاحبه إلى ما أراد, وعدت إلى دارنا متسائلا قلقا. يشربون الخمر في بيوتهم ما هذا؟ أليسوا مثلنا يحرمون هذا الشراب الذي يدعى خمرا في بلدنا؟. علمت فيما بعد أن ما يسمى خمرا يختلف من بلد إلى بلد, ومن طائفة إلى أخرى. علمت أيضا من خليلي الوجدي أنه ينتمي إلى طائفة غير إسلامية, وعلمت أنه كان يظنني من طائفته, وكنت أنا أيضا أظن أنه من طائفة المسلمين. في علاقة الصداقة التي ربطتني معه قبل افتراقنا, كان المسيطر اعترافنا معا بانتمائنا إلى الطائفة البشرية.

انتقلتا إلى دار أخرى, ثم انتقل والدي ونحن معه إلى تازة و ثم إلى فاس. بقيت قصة هذا الصديق الصغير, الذي لم تجمعني معه إلا الصفة الإنسانية.

صاحبها يلذ له أن يحكي عن طفولته. منى ترغب أن يجيبها عن بعض تساؤلاتها, تقول له:

لماذا فضلت أم جندب شعر رجل آخر على شعر صاحبها. هل هي ناقدة؟. لماذا طلقها؟.

يجيب متبرما:

هذا كلام يحتاج إلى قراءة طويلة لمكاشفته ….

تسأله مستفسرة:

هل تقبل الموت؟.

يجيبها:

هذا سؤال جاهلة, ألا تعلمي أن الله خلقني قابلا للموت؟.

كنت لا أعلم.

إذن فاعلمي ذلك الآن ولا تطرحي أسئلة الجهال.

منى يعجبها أن تطرح الأسئلة العصية على صاحبها. غالبا يلوي ظهره وينصرف. لا يجيب إلا عن الأسئلة التي يرغب في أن تدمغ في ذاكرتها والتي يستحسنها. تعرف أنه يحيط الشعر العربي القديم بهالة من القداسة ويحفظ غالبه. يبدو منتشيا عندما يردد بعض الأبيات بقافية منغمة جميلة.

منى معجبة بصاحبها و تداوم على قراءة مسوداته, لأن بعض هذه المسودات تفصح لها عن الكتابات الرجولية غير المدونة. يشتد إعجابها عندما تقرأ نصا يكاشف الحقيقة. تقرأ المسودات وتتذكر أحاديث خالتها, فهي الأخرى كانت معجبة بصاحبها رغم شدة بخله عليها واستهزائه برحلاتها المستمرة إلى مستحم ‘مولاى يعقوب’. تفخر في حفل النساء ببنتها من الرضاعة عايدة التي تحبها أكثر من بناتها, و تحكي عن نضال أخ بنتها من الرضاعة فتاح, منوهة بشجاعته:

اعتقلوا فتاح.

كان شابا وسيما, دخل السجن بالقنيطرة, وهرب راجلا إلى حدود تطوان, ثم عاد إلى الرباط متخفيا بزي نسائي. مرة عرج على باب سكن والده فوجد بالباب أخته عايدة, لم تعرفه, أعطاها ريالا وانصرف. ظلت عايدة تذكر دائما الريال والمرأة الملثمة بلثام أسٍود. عندما كبرت زارته يوما بمنفاه في باريس وقال لها:

تذكرين امرأة أعطتك ريالا وأنت واقفة بباب الدار, إنه أنا أخوك فتاح.

عايدة يعز عليها فراق أخيها, تزوره صيف كل سنة, غربته قاسية, وتنتظر عودته إلى وطنه. منى تتذكر أحاديث خالتها التي كانت تزور مدينة الرباط بكثرة. أبناء أختها كانوا ينتظرون عودتها إلى مكناس لتحكي لهم بإعجاب عن ابنتها من الرضاعة وجمالها الفاتن:

كنت عند ابنتي عايدة, إنها قطرة عسل في قلبي. منذ اليوم الذي وضعتها أمها في حجري, عندما كنت جالسة على حافة صهريج مولاي يعقوب, وأنا أزداد يوما بعد يوم حبا لها. أحن دوما إلى زيارتها. إنها نجمة تتللا وتفتن جمالا, سواد شعرها واتساع عينيها يعجبني, إنها شبهي. أذكر أول يوم أمسكت فيه حلمة ثدي بسهولة و فرحت, لقد كانت جائعة. أمها غاصت داخل الصهريج منتشية مبتهجة, تزغرد و تصلي على النبي, أرضعتها وكان بجواري ولدي رضا يمسك بيدها.

خالة منى مسكونة بماء مولاي يعقوب وتعتقد فيه البركة و الشفاء, بخلاف أم عايدة التي تعتقد بكرامات سيدي احمد بن إدريس, وتقسم أنه يبعد الشر والعين ويطيل العشرة بين الزوجين. خالة منى لا تعرف شيئا عن كرامات سيدي أحمد بن إدريس, أم عايدة تحكي لكن لا تغريها الحكايات بالزيارة, إنها تحب الماء أن يكون مصحوبا بالعري داخل صهريج مولاي يعقوب. الماء عندها يشفي عندما تستحم المرأة و تغوص في عمقه. للا زهور تعنف ابنتها لكثرة ترددها على صهريج مولاي يعقوب وتقول لها:

أنت تشبهين عمتك البتول, هي كذلك شديدة الاعتقاد بكرامات مولاي يعقوب. تعتقد فيه الشفاء و تغرف الماء وتصبه عليها .

يلتقيان في الصهريج. العمة تحدث ابنة أخيها في ود وحنان, تقول لها:

كيف حالك مع زوجك؟.

أللا عمتي يقتلني بخله, عشرة ريال آخذها بالسيف لأذهب إلى الحمام, أما مولاي يعقوب فيقع عليه الطلاق والفراق. يردد دائما أنني أتلف ماله وأضيع له رزقه وهو رجل لا ثروة له.

أللا بنتي أبوكم الذي رباكم في الخير كان لا يعرف الاقتصاد, أنشأكن في بسط ورغد من العيش. اسمعي يا بنتي هذه الحكاية التي كنت أحكيها لأخي خوفا عليكن من عسر الزمن, خصوصا عندما كنت أرى إسرافه عليكن وما تتمتعن فيه من رزق وفير. إن قنطرة بن طاطو بفاس بناها رجل من هذه المدينة اسمه بن طاطو وجعل عجينها من تراب وبيض, ولم يدخل في بنائها ماء ليبرهن على كرمه وغناه.

ولما سألتها عن السبب أجابت:

أولا أسرة بن طاطو كانت قبل انقراض نسلها من أغنى أسر مدينة فاس. ابن طاطو هذا حصل أن دخل يوما على بنته فوجدها قد أشعلت قضيبا من الوقود, وكانت العادة أن يجزأ القضيب في ذلك العهد فيشعل أجزاؤه واحدا بعد آخر عند الحاجة إليها, ولم يكن الوقود كحاله اليوم قضبانا رقيقة. غايته أن ابن طاطو انزعج حين رأى من ابنته أنها لا تبالي بالاقتصاد في استهلاك الوقود فنهرها وأدبها بالضرب وثار لذلك ثورة عمياء. انتقل الحدث من فم إلى أذن حتى وصل إلى علم وجهاء البلد, وكانوا أصدقاء له, وكانوا يعزون المرأة فعابوا عليه أن يضرب ابنته ضربا مبرحا. كانت العادة أن أهل فاس يبالغون في الإحسان إلى المرأة, واعتبر عمله منكرا واتهموه بالبخل والتقتير. كان رد بن طاطو أنه ما اشتد عقابه لابنته بخلا ولكن تربية واحتراسا من الزمن, فقد كان يخاف على بناته أن يتجه بهم القدر إلى عصمة رجل فقير فيكن وبالا عليه بما اعتدنه من تبذير. قد أراد بن طاطو أن يعلمها الاقتصاد, فضربها, وأقسم فيما بعد أن يبني قنطرة يكون عجينها من بيض الدجاج, تظل مثلا يضرب عن شدة الكرم والسخاء وحتى لا ينعت بالبخل من طرف أصحابه. وكان في ظاهر المدينة ممر ماء ليس عليه جسر فأمر البنائين فبنوه كما شاء له. الرجال يا بنتي قد يقل مالهم وقد يغيبون في السجون ويتركون صغارهم في حاجة إلى الأكل.

اعتقل الطاهر في السجون, وظل حمدة في شظف من العيش لا يستطيع أن يعول بنته وأولادها. يلعن حمدة العجوز السياسة التي لا ناقة له فيها ولا جمل. يشتد عسره ويزور صهره الطاهر بالسجن متذمرا. يقبل يديه لا لأنه وطني لكن تبركا منه لأنه ولد النبي.

منى تسأل صاحبها:

عجبا, حمدة متذمر من الطاهر المهووس بالسياسة والسجون. كيف يكره السياسة؟ السياسة فيها لفلوس.

Advertisements