الفصل الثالث

هو يلعب وسط الستائر وهي تفرك اللوز

تجلس القرفصاء ثابتة مثل المسمار, لا تتحرك من مكانها, تفرك اللوز. لا حق لها أن تلعب وسط الستائر, قرب عتبة الغرفة الكبيرة, وإذا سهت ثانية وحفزتها أحلام اليقظة على تغيير مكانها بجوار جدتها, إلى عتبة الغرفة الكبيرة, لتلتف مثل أخيها وسط الستائر, تقرصها معنفة قائلة:

أين أنت ساهية أيتها الغزالة الفاتنة. افركي اللوز بسرعة, يجب أن نطوي ألف بريوة, ومن بعد ألف كعب الغزال مفند في السكر, وألف بلا سكر, و عشرة محنشات. هذا الشغل هو الذي تحمله معها العروس إلى بيت صاحبها, لتعد له كل ما يشتهيه. يجب أن تكون يدك مثل الذهب.

يدخل الحاج اللبدة الحمراء تحت إبطه, في باطنها ربطة من النعناع. يرمق باب المطبخ, فتبادر داد الياسمين لتمسك ربطة النعناع من يده. تخاطبه صاحبته زهور متعبة:

سيد الحاج, ادخل مد يدك و ساعدنا بشيء من البركة. إننا غارقات في إعداد الحلويات منذ الفجر.

يلتفت إليها متذمرا قلقا:

إياك أن تقولي اللوز. أقسم بالله العلي العظيم, إذا طلبت اللوز مرة أخرى لتكونين طالقا. علي بالحرام اللوز لن يدخل بيتي.

تنظر إليه للا زهور نظرة ود ورحمة وإغراء قائلة:

سيدي عبد الكريم, الله يزيد في رزقك, ويعطيك حجة أخرى ويطيل لنا عمرك. مازلت في حاجة إلى ثلاثين كيلو من اللوز لنطوي عشرة محنشات للصبوحي.

يرد في عجلة هادئا:

يكون خير إن شاء الله .

تتابع كلامها, وقد لمست في صوت صاحبها قبولا وحبا وسلاما.

إذا سمحت, اطلب لنا ذاك الشقي المحجوب خادمك في الدكان, لينزل معك غدا ويطحن لنا قوالب السكر. دادا الياسمين يدها مفكوكة.

يرد بصوت منخفض, متبرم, متجها إلى البرطال .

أعود بالله من الشيطان الرجيم. حتى الخادم الذي يساعدني في طي قطع الثوب تطلبه لمساعدتها في زفاف ابنها أحمد, والله والله إن هذا منكر.

يحضر المحجوب, تطيب القعدة وتطول الجلسة. تقترب للا زهور منه و تحدثه بلطف وحنان مفرط, تقول له :

أي أخبار تحمل أيها الشقي العفريت؟

يحدثها عن البدويات وحضورهن للتبرك بموسم سيد الهادي بن عيسى. يتسللن من ضريح الشيخ الكامل ويدخلن إلى قيسارية البزازين. يقول لها :

سيدتي تعرفين الحاج صاحب الهري الكبير بالبزازين. هذه الأيام وقعت عينه على إحدى البدويات ففتن بجمالها واقسم أن يتزوج بها الشهر القادم.

حركت الجدة رأسها حركات دائرية بسرعة البرق, ملتفتة إلى حفيدتها منى, لتقول لها بصوت بطيء:

نعم, اسمعي أيتها الغزالة هذه الأخبار, اسمعيها جيدا وضعيها حلقا في أذنيك. هذا هو درس التاريخ, لا توجد لا داهية ولا دامية.

منى تتمسح بجنبات جدتها. تقول لها والدموع تنهمر من عينيها:

جدتي أريد أن ألعب وسط الستائر, بجوار أخي أمين.

لا, لا تلعبي, أنت بنت. يجب أن تمعني النظر إلى طريقة طي البريوات وأن تمسكي جوانبها بماء البيض, حتى لا تنفتح عند القلي. لا تشغلي عقلك بالتاريخ إنه صناعة القوي إزاء الضعيف. مثل ألف ليلة وليلة, جدتي تحفظ الكثير منها. أنا أحكي بعضها في الظلام, لي رغبة أن أحكيها في النور. التاريخ قوتان قوة الظلام وقوة النور.

تلتفت الجدة في اهتمام بالغ إلى المحجوب. تلح عليه أن يحكي لها فضائح البزازين. تمده بحفنتين من اللوز. يقول لها :

سيدتي للا زهور, سيدي ينتظر آذان المغرب ليهرول مسرعا إلى الزاوية, والسبحة لا تفارق يده, واللبدة تحت إبطه.

جلسات المحجوب مع للا زهور اشتدت الأيام الأخيرة, و بدأ يفضي لها بفضائح البزازين. الحاج سمح للمحجوب بولوج فضاء الحريم المغلق. يدخل المطبخ و تمده سيدته بقطع اللحم ملفوفة في الخبز. منى تحفظ التاريخ وتفرك اللوز.

المحجوب أصبح شبيها بمويط, الأسير الفرنسي الذي خرج من باريس عام 1670 وبيع في سوق النخاسة بالرباط بباب القناط. كان من حظه أن اشتراه رجل من سلا وأخذه إلى منزله فعمل مع الحريم سنتين خادما. هذه الأحداث وقعت في عهد المولى رشيد, وعندما بويع المولى إسماعيل, انتقل في ركاب مولاه من فاس إلى مكناس. وأشرف على أشغال البناء زهاء تسعة أعوام, إلى أن أمر المولى إسماعيل بفك سراحه. فرجع إلى باريس سنة 1681 وكتب رحلته عام 1683 . لكن الغريب في الأمر أن المحجوب ليس بأسير.

يحكي مويط عن رحلته و يقول :

… وضعوني بين يدي رجل اسمه محمد اليبوسي, فأخذني معه إلى منزله حيث وجدت حماته وزوجته اللتين كانتا أندلسيتين. أخذتا ترثيان لتعاستي وأطعمتاني جيدا, ثم أعطتني سيدة البيت كيس قمح أطحنه في طاحونة يدوية كانت في مطبخها. سيدتي هذه كانت شابة جميلة جدا, تتكلم اللغة الإسبانية بطلاقة. كانت تمتعني بخبز السميد الأبيض والزبد الممزوج بالعسل والفواكه. أشفقت علي وأزاحت عني سلسلة تزن خمسة وعشرين رطلا, كان زوجها قد أغلني بها , وكانت تناديني أن أتحمل أسري بصبر.

المحجوب يساعد للا زهور لكنه لا يلج غرف الحريم مثل الأسير مويط . يصل باب الدار. يحمل لسيده القفة يدخلها إلى المطبخ و يساعد دادا الياسمين في بعض أشغال البيت الشاقة.

الجدة منهكة في طي المحنشات . الطفل أمين يدور وسط الستائر و منى حزينة تضرب على فخد جدتها منبهة إلى أن أخاها أمين سينزع الستائر بكثرة الدوران. لا تعير التفاتها أي أهمية و تجبرها على فرك اللوز, ونزع قشرته, و تنبهها إلى كيفية طي المحنشات . توصيها مرات عديدة بأن صنع الحلويات من الأشغال المهمة التي تجدها المرأة في ذراعها يوم زواجها. منى ترغب في نزع الستائر و تلح على الالتحاق بأخيها. تقرصها جدتها قرصة زرقاء. الدوران وسط الستائر يتلف عقلها و يغريها باللعب. لعبة الستائر تهواها. أمين يلتف وسط الستائر و يدور. الستائر أربعة, الأولى تسمى الخريب [1], والثانية وبر الحديقة [2] , والثالثة جوهرة الحرة [3] , والرابعة الشبكة [4].

منى تصرخ :

للا, أللا, انتبهي خامية [5]جوهرة ستقلع من مكانها من شدة الدوران. ستسقط… سيسقط …

الجدة توجه النظر إلى خامية جوهرة المتوهجة, ذات الخطوط الصفراء من الحرير الناصع و الباهظة الثمن. تزداد الخامية لمعانا عند الظهر, حيث تنسل أشعة الشمس من ثقب الشماشية [6] متجهة نحوها فتزيدها وهجا و نورا. ترغب منى في الدوران وسطها. الجدة تشعر أن الزمن يلاحقها أكثر من أي وقت مضى, تعرف أنها تقترب من الخمسين سنة. تخاف أن تصاب الخامية بخدوش كما خدش جسدها وبدأ يترهل. تشتعل الحرارة في باطن رأسها, كأنه قدر الحمام باللوز يغلي. ينزل العرق من هامتها و تعلو وجنتاها حمرة. تعاود النظر إلى الستائر الأربعة, يبدو لها أنها بدأت تتمزق وخفت لمعانها, يعز عليها ذلك. تذكرها ببداية شبابها, فقد حملتها معها في شوارها . تعتني بنظافتها , تنزعها من باب الغرفة الكبيرة بين الفينة والأخرى, و تغسلها برفق ثم تعيدها إلى مكانها.

الجدة فطنة, تردد المثل المغربي :

امتولة غلبت خواجية.

تعني بامتولة إعادتها جديدة إلى أول يوم من صبوحها, وتعني بخواجية, الغنية, وهي المرأة الفرنسية التي كانت تبدو عليها مظاهر الثراء والنعمة. حين يدور حفيدها وسط الستائر تنشرح, تغدو كأنها حمامة تدور حول كوكب الأرض, وان هذا الكوكب نزع عنه السحر ولم تعد به حدود. تذكر رحلتها من فاس إلى مانشستر. تندب حظها, ليتها عاشت عمرها كله بمانشستر.

أمين يمارس اللعبة في خفاء حتى لا تلحق به أخته منى. ينتعش, الله, الله … الستائر الأربعة تسعفه على الدوران, لا يتعب و يلتف وسطها بسرعة. يغمض عينيه, يحب ظلمة الستائر. منى تقول لجدتها بصوت خافت يكاد لا يسمع :

للا . أللا لقد طويت ألف بريوا منذ الفجر إلى الظهيرة . تقولين عشر محنشات ؟ هذه أعمال شاقة , أنا ما زلت صغيرة , أرغب في اللعب وأريد أن ألحق بأخي وسط الستائر.

أمين وسط الستائر الأربعة . العتبة الرخامية الملساء ذات البياض الناصع يدور فوقها وهو ملفوف وسط الستائر كقضيب من الفضة . جسده مثبت ينتعش , يشعر بدوار في رأسه يصاب بالدوخة . منى تزداد غيظا وألما وتبرما , تحترق غيرة , تردد في غضب وبصوت مرتفع :

للا , أللا, ستسقط الخامية, خامية جوهرة …

ترد الجدة في هدوء وبصوت منخفض :

ليفعل سيدي أمين ما يحب ويشاء. ليلهو كما يحلو له. إنه قرة عين الأسرة . لا تفسدي عليه لعبته أيتها الحسودة. انشغلي باللوز لتكوني حاذقة في بيت زوجك…

منى تقتلها الغيرة وهي تجلس القرفصاء بجوار جدتها. تصاب بأحلام يقظة. تنسل كالشعرة من العجين و تلحق بجوار أخيها . تلتف معه وسط الستائر الأربعة, يلعبان معا فتشعر بدوار. تلصق قدميها بالعتبة الرخامية. تحذر السقوط. تسر أسارير وجهها و تبتهج. تنزعها جدتها من أحلام يقظتها بقرصة أعنف وأقوى ألما من سابقاتها وهي تقول :

أين أنت ساهية أيتها الغزالة, افركي اللوز,أنت بنت. البنات لا يلعبن مثل الأولاد. يجب عليك الاهتمام بشغل البيت. هذه الحلويات يشتهيها الرجال, مازالت عشر محنشات…

تشعر منى بدوار يشج رأسها. تعصف بجسدها مواجع الغيرة, يلسعها التمايز و ترفضه. لعبة الستائر تغريها. يسرع الزمن. يتوقف الزمن. تدوخ. تستيقظ في زحمة تختلط النساء بالرجال. لا تميز. الأكتاف تتداخل, الأيدي تتشابك والأجساد تتلاحم. منى تحط في أقدس مكان على كوكب الأرض, تسعى بين الصفا والمروة. تردد مبتهلة والدموع تنهمر من عينيها مثل شللات نياكارا:

ربي اغفر وارحم واعف وتكرم, وتجاوز عما تعلم إنك تعلم ما لا نعلم, إنك أنت الله الأعز الأكرم. ربي أريد أن ألعب بجوار أخي أمين وسط ستار واحد شفاف. أحب النور, أكره الظلمة. ربي ارحم, ارحم, أريد أن ألعب بجوار أخي وسط ستار واحد حتى يتم الدوران بسرعة حول العالم. أكره ظلام الستائر الأربعة وحدود العتبة. أحب العالم بلا حدود لأشاهد النور يشرق في بيت الله وأنا في الرستاق , وأنا في موريال …

منى تصرخ بصوت عال متبرم:

جدتي انتبهي. سقطت الستائر, سقطت خامية جوهرة.

يسقط أمين و تسقط ثلاث ستائر ويبقى ستار الشبكة ثابتا. العتبة الرخامية البيضاء يكسوها الدم . تصرخ الجدة :

الدم؟ أنت في حمى الله والنبي. هيا دادا الياسمين أحضري الفلفل الأحمرغبرة ومنديل حياتي أبيض. أسرعي قبل عودة ابنتي, ستندب حظها التعس. ليتها لم تخرج لتدفع قفطان البروكار[7] للخياط اليهودي.

تضع الفلفل الأحمر على جبينه وتشده بمنديل حياتي وهي تردد:

غدا تكبر وتنسى…

لكن منى لا تنسى. تتذكر بين الصفا و المروة, تهرول و تتذكر. تشتد زحمة الرجال و النساء, يندفعون. يسقط خمار أبيض من رأس سيدة, تلتقطه بسرعة البرق و تسوي أطرافه. يهرول الرجال, تهرول النساء و يشتد الحر. تلمح رجلا يضع بطاقة صغيرة في قب [8] جلابية أختها, لا تفقه شيئا. تذكر كل ما آلمها وهي تسعى بين الصفا والمروة. تراودها شكوك في أمر البطاقات تقول في نفسها :

-أعود بالله من الشيطان الرجيم.

تلتفت وهي تطوف حول الكعبة. يد طويلة تمتد لترفع رجلا من بين الزحمة إلى عنان السماء و يدخل في مروحية صغيرة شبيهة بالطائرة الجوية. يسمع بعد قليل صوت عال في الباحة خارج الكعبة:

بأمر من خادم الحرمين يجلد هذا الرجل ألف جلدة. يعاكس النساء.

تحكي منى الحدث لصاحبها يقول:

كثير عشرون جلدة تكفي.

تذكر كل الفواجع التي آلمتها منذ كانت صبية إلى أن أصبحت شابة يطرقها المخاض و تجهض قبل موعد الولادة, الشهر الخامس, يسقط توأمان. تتذكر كل ما آلمها وهي طفلة وهي شابة. تنبذ خرافات جدتها, تدوسها بقدميها. تطوف بأعلى البقع المقدسة من كوكب الأرض. تتذكر لهفتها ورغبتها وحرصها على تقديم أنواع مختلفة من الطعام الشهي لصاحبها وهو برفقة زملائه داخل غرفة الاستقبال. تذكر مرة عندما كانت تعد بعض المقدمات من الأطعمة الخفيفة, الورق من العجين معمر بالجمبري وبالجبن, وباللحم المفروم. تحرص على أن تقدم ما لذ وطاب من الطعام الشهي في أناقة مفرطة. تزين الصحن بورق الخص الناصع الخضرة. تذوق ما يلفت أكله قبل أن تدفع الصحن إلى صاحبها. عندما يشعر بأنها وصلت إلى باب الغرفة يهب مسرعا ويخطف الصحن قبل دخولها, شاكرا. تنصرف بخفة إلى المطبخ, تعد صحونا أخرى أشهى وألذ. تداوم على الدفعات, لا تتوقف حتى تنتهي المسامرة بين صاحبها وزملائه. تشتد الحوارات اللغوية والأدبية والفلسفية. يسمع صوت صاحبها أقوى الأصوات, يسيطر على الجلسات. تدفع الصحون الشهية, يلتهمون كل ما تدفع. يشتد الحوار و يطيب لها سماع المساجلات. تعلم أنهم سينتهون من الكتب إلى النساء. همها أمر النساء. تصيخ السمع. تتجسس. تقف وراء الباب فتسمع صوت صاحبها, خافتا متأدبا وكأنه صوت قاسم أمين. تتسمر في مكانها خوفا وحبا في المكاشفة. الصحن بين يديها, تلتهم ما يشتهى أكله. تلتصق بالباب فتسمع صوت صاحبها يقول لزميله:

اخجل وتمهل . صاحبتك أجمل. كيف تطارد طالبة سمرتها قاتمة.

منى تعرف أن الطالبة سمرتها عسلية مليحة. كانت زميلتها بالكلية و تحظى بإعجاب الأساتذة والطلبة. متميزة بذكائها ونضالها وأناقتها. سلمتها بالأمس بلطف بطاقة الانخراط في اتحاد طلبة المغرب. من ثقب مفتاح باب غرفة الضيوف, تنظر منى إلى أستاذ مادة الفنون الأدبية. يدعك يديه الصغيرتين الجميلتين غبطة وتهيجا, يرد بصوت شاعري مليح وكأنه يكتب قصيدة حب مثل نزار:

ما أجمل أن تدوخك وتقتلك امرأة عسلية. عليك أن تراود كل أصناف النساء و أن تطارد من نبشت شغاف قلبك رائحتها السم. تقتلني, تقتلني. أنا أحب من تقتلني وتدوخني و … يا سيدي بسطيلة كل يوم تسد شهوتي. اسمع لي جيدا, ما ألذ الأكلات حارة في يوم ممطر من ليالي مدينتنا فاس, عندما نصاب بصقيع من البرد القارص وترتجف شفتانا, ما ألذ حرارة السودانية. عندما ألتهم صحن العدس بالخليع به سودانية حارة, أنتعش و تسري بجسدي حرارة الحب. أحلم بأنني شهريار, أكتب ألف قصيدة وقصيدة. أكتبها بقصر غرناطة وأنا أشاهد حقيقة راقصات الفلامنكو يدعكن جسدي, ويداعبن خصلات شعري ,وأجملهن تقلم أظافري. تقترب مني ولادة تقرأ لي قصيدة حب . نحن الرجال نحب الغزل أكثر من النساء, ليتهن يعرفن ذلك. الطالبة عسل يلهب جسدي , يلمع جسدها و يحرقني. أعشقها. لا تستحي وهي ترمق لهفي, و تقول لي:

…. أستاذ.

منى تثبت في مكانها, لا تتحرك. تسمع أصوات الطبيعة, تخاف, يقصف الرعد و تصرخ.الفصل شتاء و البرد قارص, ترفض قراءة الكتب. إنها شابة غرة. الآن فقط في هذه اللحظة تنبذ خرافات جدتها. تلسعها أصوات الرجال , لا تقرا كتبا. يصيبها حزن كبير, تعرف أن كل ما يحكيه الرجال عن النساء هو الطبيعة وما تحكيه جدتها هو التمثال. ليتها تدخل مجامعهم. ليت صاحبها يفضي لها بكل خلجاته. ليتها تعلم ما يعلم. جدتها غبية, لا تعلم, لا تستطيع مكاشفة الطبيعة. كان يجب عليها أن تصرخ عندما كانت تقرصها, القرصة الزرقاء ظلت وشما بفخذها. هي الآن تتألم. ألم هذه المرة مضاعف لأنه يجنح بها إلى الغابة برفقة والدها, تسمع أصوات الطبيعة. تنزع من مكانها و تلحق بأخيها أمين. صوت جدتها يلاحقها:

أسرعي افركي اللوز …

تهرول بين الصفا والمروة. تتعثر, تختلط الأزمنة, يزداد الرعد قصفا و تسقط حقيقة بباب عتبة غرفة الضيوف. يفلت من بين يديها صحن ممتلئ بالبريوات محشوة بالجمبري, تصرخ, تتعثر. يقول صاحبها لزميله:

منى تخاف من الرعد. أجهدت جسدها اليوم بشغل البيت. غدا ستختبر في مادة المغني, لا تستطيع حفظه. الليل بطوله والرضيع أسد يبكي بجانبها, لعل ببطنه ألما. أشعر أنها مرهقة. تعلم أن الطلبة يرغبون في دروس سوسير أكثرمن المغني . تحفظ سوسير ولا تحفظ ابن هشام.

منى حصل لها ثقل برأسها, تخاف الكتابة. تسعفها البسطيلة[9] و تدخل المطبخ. تشاهد نور غرفة مكتب صديقتها العراقية من نافذة المطبخ. تشاهد هي الأخرى نور مطبخها تعلم أنها ما زالت تطهو البسطيلة بأوراق العجين الشفاف. منى تحل الأوراق بالزبد حتى لا يخلط بعضها بعضا. تتعجب صديقتها العراقية عندما تعلم أنها ماهرة في أكلة البسطيلة, تهاتفها :

ألو … يمكنك أن تطهي البسطيلة عارية بلا أوراق, إي والله بلا أوراق ألذ طعما وأنفع للحمية. لا تبددي زمانك في المطبخ.

ترد منى على استعجال:

أنا لا زمن لي. زمني صاحبي ومكاني المطبخ.

جدتها تفرح. تقول لها عندما تزورها:

الله يخلي ليك زمانك. الرجل همة وشأن في الدار ولو كان قفة من العظام

صديقتها العراقية تداوم على الصراخ في وجهها مؤنبة عاتبة ومتبرمة:

أنت تافهة تفاهة البسطيلة. لا تفكرين في الأشياء الأساسية والمهمة والجوهرية التي تهم المرأة. الطلاق, مثلا أصعب طلاق عندما يكون طلاقا ليست فيه ورقة رسمية, إذ يمارس الطلاق على المرأة دون فسخ لعقد الزواج. هذا يمثل أعلى درجات العنف على المرأة, وقد يمارس الطلاق بفسخ العقد وهذا أخف درجة. لكن مع ذلك تظل الأوراق الإدارية مهمة, إنها تخفي الحقيقة, إنها أوراق شبيهة بالأوراق التي خصفها حواء وآدم لتغطية العري وكساء الجسد. تعلمين أن الأرض يبست بها أوراق شجر الجنة التي كست جسد حواء وآدم أول مرة لقد تحولت الأوراق اليابسة فيما بعد إلى عطر, هو هذا الذي نستنشقه في الزهور والياسمين. ألا تستعملي أن الأوراق في البسطيلة سافلة مدنسة لا عطر فيها. أوراق الجنة عالية مقدسة بها عطر لا ينتهي.

منى استعصى عليها فهم ما تقول صديقتها العراقية. الطلاق, الأوراق… تتابع صديقتها حديثها :

يجب إعادة تشكيلة البسطيلة بلا أوراق ... تسمعين بلا أوراق. يجب أن تكون كتابتك عطرا لا ينتهي. يجب أن تستفيدي من قراءتك لأدب ما بعد الحداثة, وما بعد جبران, أن تخلقي بسطيلة جديدة, و أن تقتربي من بطن الرجل. البطن يقع في العماء. المهم أن يلتفت إليك العلماء ليغيرون المدونة, لقد أحيلت على النسيان… أين مقالتك التي حدثني عنها : العماء والعلماء ؟ منى صديقتي إننا اعتدنا الكذب. نكذب على الواقع بالخيال. الخيال هو تمثال من الوهم ضد الطبيعة. الطبيعة هي بسطيلة بلا أوراق, بلا أوراق. إننا نعيش باستمرار تواريخ كاذبة من صنع بعض رجال السلطة , يخلقون من الكذب مشاريع ضخمة. أنتن النساء يوهمونكن بتغيير المدونة. يجب عليكن أن تغيرن المدونة بوعي وتبصر…

في غمرة الحديث عبر الهاتف مع صديقتها العراقية إلتلفتت إلى مرشح برلماني يخطب على شاشة التلفزيون . يشد انتباهها الخطاب, تدرك آخره يقول :

– يجب إعادة مراجعة قانون مدونة الأحوال الشخصية لصالح المرأة … يجب أن تشارك في صنع القرارات السياسية والحكومية. يجب … من حقها أن تصعد إلى… أن تغير المدونة. أن تفضح العتمة… كما فضحت مونيكا عتمة مكتب الرئيس. أغلب المكاتب الحكومية تتحول إلى غرفة غرام. يجب فضح العماء, ليفصح العلماء عن الكلام.

تستمر صديقتها العراقية في حديثها:

ستائر جدتك الأربعة أصبحت خرقا بالية, انزعيها من مكانها, لا تقلدي جدتك. غيري ستائر غرف بيتك. ستار واحد يكفي ويكون من نوع شانطو [10] ,الحرير فيه لامع بخياطة ليستور باطو [11]. أنت مغرمة بالموضة إذا كانت باهظة الثمن. اشتري الستائر من مدينة موريال و خففي وزن أغراضك المحمولة في المطار, ارمي بالكتب إنها ثقيلة. المواقع الإلكترونية مهمة تغنيك عن الكتب.

حق ما تقولين, لقد بعثت لي بالأمس كاتبة كندية من أصول هندية موقعها وكتبت لي رسالة إلكترونية,تقول فيها: أنا الأديبة دونا مارشال, وجدت أخيرا ملاذا وانتماءا من خلال رسالتي الفنية. أنا أعزف على الغيثار, أغني, أكتب الشعر, وأيضا مهنتي محامية أدافع عن حقوق الأطفال. شاركت في مهرجان المرأة العالمي, الذي أقامته المنظمات الكندية النسوية بالتعاون مع النساء المهاجرات في جامعة تورنتو, كما شاركت في احتفالات المنظمة المستقلة للمرأة العراقية والإيرانية, وأقوم بعدة نشاطات أخرى مجانا جودا وكرما. عندما اقرأ الشعر وأنا أعزف على الغيثار, يصفق لي الحضور المتعدد الجنسيات بحرارة وحب ويبكون , و أبكي معهم …

سافرت منى إلى موريال عند ولدها أسد و اشترت الستائر. أسدلت ستارا واحدا على النوافذ. لا عتبة بغرف بيتها. هدأ روعها وبدأت تكاشف الطبيعة. شدت بيد أخيها أمين وهي توجه نظره إلى حسن اختيارها لستار الشانتو من الحرير. ستار واحد يجعلها تطمئن وتشاهد النور يشرق في ببيت الله .


[1] – الخريب : نوع من القماش الفاخر التقليدي , وسمي بالخريب غليا لارتفاع ثمنه ولأن بهد شرائه يخرب مال صاحبته .

[2] – وبر الحديقة : يسمى عند نساء فاس باللهجة الدارجة المغربية * موبرة ديال الجردة * نسبة إلى ورود الحديقة ز وهي من السلع الفرنسية المستوردة . أيام الاستعمار الفرنسي .

[3] – جوهرة : قماش فاخر من الحرير الحقيقي . وهي كذلك من السلع الفرنسية المستوردة .

[4] – الشبكة : من الخيوط الرقيقة المتشابكة تظهر منها كل الستائر , وهي كذلك من السلع المستوردة .

[5] – خامية : هي الستار بالدارجة المغربية .

[6] – الشماشية : ثقب مزركشة بالألوان الزاعية من الجبس تقع في أعلى الجدار محاذية للسقف تنسل منها أشعة الشمس

[7] – البروكار : نوع من القفطان الفاخر .

[8] – قب : خاص بالجلباب يوضع على الرأس .

[9] – البسطيلة : أكلة مغربية فاخرة

[10] – شانتو :

[11] – ليستور :

Advertisements