الفصل الثامن

إحسان

شقت الباخرة عباب البحر الأبيض المتوسط, وانطلق وفود الحجاج من جبل طارق. السيدة رقوشة تحكي لحفيدتها إحسان:

– أحرمنا من القدس …

أي لثغة حلوة رقيقة عندما تنطق السيدة رقوشة باللكنة التطوانية, القاف ناعمة والدال خافتة تكاد تختفي مع السين , تؤكد أن الإحرام كان من القدس.داخل الباخرة كانت السيدة رقوشة تظهر بزي أنيق شبيه بلباس الإسبانيات. ترتدي الفلدة التي اشتراها لها صاحبها من غرناطة, وتخفي جوانبها بالحائك الذي يسترها من الرأس إلى القدمين. تتغلف كالمومياء, وتضع تحت عينيها قطعة قماش بيضاء صغيرة مطرزة تستر الجزء الأسفل من وجهها. في بعض الخرجات المهمة تلبس سروالا ينتهي بثنايا تصل إلى الأعقاب, تلك الثنايا تسمى ‘الطوازن’ وهي من قماش أبيض. دادا امباركة ساهرة على الاعتناء بلباسها أثناء الرحلة. رقوشة مشغولة بالرضيع حفيظة التي سفرتها معها وهي في الأربعين يوما من ميلادها.

الحاج التطواني يتحدث مع صديقه سيد العباس:

الآن بعد أن ودعنا الحج نستطيع أن نتمتع بالسياحة في مصر.

يقترب من زوجته وهي تحضن صبيتها, ويمسك بيدها برفق لتنزل من الباخرة, أما دادا امباركة فإنها تحمل بعض الأغراض الخفيفة تنزل متثاقلة . عبروا من بر الجزيرة إلى مصر, بعد أن رحلوا من القدس إلى المدينة ثم إلى مكة و جدة. هاهم يحطون الرحال بالقاهرة, بعد سفرة قصيرة من مدينة السويس. لم تكن وسائل الاتصال قد انتشرت لتنقل إلى جهات العالم ما يجري في القاهرة من أحداث, وما يتطور فيها من فن وثقافة وغناء ورقص, لكن كانت هناك وسائل أخرى, كالكتب والصحافة المصرية التي نشأت قبل العشرينات بكثير. كانت الأخبار وإن قلت تصل إلى مدينة تطوان وسائر مدن المغرب. الحاج التطواني كان يحلو له وهو يشتري بعض الكتب في القاهرة أن يحمل لصاحبته مجلة لملئ فراغها . هو يعلم أنها لا تحسن القراءة ولا الكتابة, ورغم ذلك حمل لها إلى الفندق مجلة ‘فتاة الشرق’.

صاحبة الحاج التطواني آثرت أن تلبس البلوزة دون الحائك, على شاكلة نساء القاهرة. عزم الحاج على مصاحبتها إلى المسرح لمشاهدة إحدى المغنيات. سبق أن شاهد في حجه السابق منيرة المهدية وسعاد محاسن, والآن يسمع عن مغنية اسمها أم كلثوم. يدخل إلى كازينو برفقة سيد العباس و صاحبته التي كانت تجلس على كرسي ذهبي الإطار, وتمسك بيده خوفا وانبهارا. تشاهد شابة أنيقة, جالسة تنقر على آلة موسيقية ‘العود’, ترتدي البانطون والكوفية وتضع العقال فوق رأسها , تظهر بمظهر الفتيان. إنها المطربة أم كلثوم . الحاج التطواني عندما حج مرة أخرى منفردا دون صاحبته شاهد أم كلثوم وقد استبدلت ‘العود’ بمنديل, ونزعت البانطون والكوفية والعقال, ولبست زيا جديدا ‘غوب’ مذيلة لونها وردي, عارية الأطراف والظهر, المطربة صدرها بارز, واقفة تمسك بمنديل يبعد خجلها ويسعفها على الغناء. رقوشة بكازينو البوسفور, وأم كثوم تصدح بصوتها العذب. سيد العباس منتشيا, يردد بصوت خافت :

مالي فتنت بلحظك الفتان…

سيد العباس يلتفت إلى السيدة رقوشة منبهرا بجمالها وأناقتها, فترتعش وتزداد تمسحا بجوانب صاحبها. سيد العباس يحدق فيها شبقا, وصديقه الحاج التطواني مشدوه إلى أم كلثوم, يصفق بحرارة. يطارده شبح السيدة فضول. يذكر أنه باغتها وهي في ‘البرطال’ تنقر على’العود’ الذي ورثته عن جدة جدتها من غرناطة. كانت تحافظ عليه, تعتز بقدمه وتحمله برفق وحنان. سيد العباس لا يعرف كيف تعلمت النقر على العود. بمجرد أن يباغتها تنقر على’العود’, تهرول إلى المطبخ حافية القدمين, يلاحقها صوته الأجش, ترتبك وتحرك التنور بقضيب الفضة, تزيح الرماد وتحتفظ بالجمرات, ثم تدس الرماد في قعر التنور, وتضيف الفحم, فتشتعل النار بسرعة البرق. تضع قضبان الكباب فوق التنور لتستوي على النار جيدا, وتمد سيد العباس بقضبان الفضة المليئة بلحم الكباب. سيد العباس يحنو على العود, يخاف أن تمتد يده إليه. العود فوق السجاد, مرة مرة يحاول أن يلمسه, يرغب أن ينقر نقرات خفيفة عليه لكنه يخاف أن ينقص العود من شموخه , يخاف أن ترمقه للا فضول بغتة فتخجله نظراتها ويضيع كبره.

سيد العباس لا يوجد ببقعة البرطال, سيد العباس ببقعة كازينو البوسفور و للا فضول في البرطال تنقر على العود بهدوء وطمأنينة. صاحبها يؤدي مناسك الحج, وهي تتألم ويخفق قلبها عندما تتذكر أن سيد العباس كان مختليا في المصرية يسمع خرافات دادا الياقوت, إنها مسنة عفنة لا قدرة لها على أن تبرح مكانها, لكنه يحبها يحن إليها وهي في سنيها الأخيرة. تحكي له حكايات ألف ليلة وليلة, وتسمع للا فضول ضحكاته الحلوة الرائقة, فتغتاظ وتتألم, وتكتوي بشحم الكباب وهي بقرب التنور الذي يتوهج ببريق الجمر الملتهب. تضع قضبان الكباب في الصحن, تخاف عليهم من الاحتراق, وبين لحظة وأخرى ترش التنور بقطرات من الماء, فيخمد اللهب. سيد العباس يحب شي الكباب على درجة من الحرارة مضبوطة , للا فضول أصبحت ماهرة ومقتدرة في الشواء . اللهب يتصاعد من فوهات التنور, فتمسك بيدها قضيب الفضة مخلوعا, وتدفع من قعر التنور الرماد, لتغطي الجمرات كي لا يحترق الكباب, وتعود إلى البرطال تحمل صحن الكباب فيقول لها:

-أحضري الزبد الطري وضعيه فوق الكباب. بادري كوني ذكية, وافطني إلى رغباتي بسرعة البرق. أنت غبية وحركاتك بطيئة.

سيد العباس يشاهد أم كلثوم و يطارده شبح للا فضول. ترتبك, تتعثر خطواتها بين البرطال والمطبخ, وتخاف. العود فوق السجاد, ترغب في أن تحمله لتنقر نقرات شاعرية مليئة بالحب. سيد العباس يشتد وقاحة وغلظة وقسوة, يحذرها. تبادر وتخفيه في ركن بعيد. بصدق سيد العباس لا يقدر على أن يصيب آلة العود بمكروه, يعلم أنه أعز ما تملك للا فضول في عالمها الحزين. يقسو عليها, لكن يخاف أن تموت غما وكمدا. يحبها بعمق البحر.

صديق سيد العباس التطواني استغرب صمته, فلكزه بمرفقه حتى كاد يقع من مقعده وقال له:

أين أنت ساه يا سيد العباس, إياك أن تكون وصلت إلى مدينة فاس. للا فضول بخير.

يجيب بهدوء, وعلى غير عادته الشرسة:

أشعر بألم في رأسي.

رقوشة تسر في أذن صاحبها:

اسمع صوت ابنتي حفيظة تصرخ, أخاف عليها. دادا امباركة منشغلة بأغراضها الخاصة. أريد العودة سريعا إلى الفندق.

رقوشة عجوز مسنة جالسة في الشرفة تطل على البحر. تدخل منى سكن جارتها إحسان بمصطاف مرسى المضيق, فتجد السيدة رقوشة تحكي وعيناها تلمعان ذكاء, تتذكر شبابها وهي دون العشرين سنة. منى يعجبها أن تصغي إليها وهي وتمد النظر إلى البحر فتشاهد أضواء الجزيرة الخضراء متلألئة. عندما يكون البحر هادئا, تبدو لها شواطئ إسبانيا بأضوائها الخافتة كأحلامها اللامتناهية. تحلم أن تتمكن يوما من وضع نوع من المجامع العامة لموسوعات نسائية , تحفظ فيها جميع خصوصيات المرأة, منذ عهد فلاسفة الإغريق إلى يومنا هذا. تحلم بأن يتيسر لهذه المجامع النسائية النشر قريبا. تحلم أن تجمع أصناف التعذيب الذي تعرضت له البشرية منذ حقب موغلة في القدم إلى كوانتانامو. تحلم برحلة منظمة من مونتريال إلى كوبا رفقة ابنتها رهام. تحلم بتدوين أشياء كثير ة لم تكتب, مثل الأصوات التي تظل مبهمة, بكاء صوت رضيع صاحبة امرئ القيس, الذي لم يتيسر له يوما ناقدا مكاشفا يصل إلى حقيقة النص الشعري عنده , ودلك لأنه لا يقدر على سماع صوت الرضيع. ” لما بكى انصرفت له بشق…. ” البكاء صوت لا نرغب في سماعه . هل نسمع نحن الآن صوت بكاء آت من كوانتانامو؟. سميح القاسم يسمع أصوات المعتقلين بكوانتانامو.

منى يستوي نظرها على امتداد البحر, بصوت خافت تردد:

يجب أن نتستر على امرئ القيس, لا حق لنا في فضح الأموات. الشعراء لا رقيب عندهم. يكتبون قصيدة فاجرة ولا يقدمون للمحاكمة.

رقوشة بالكازنو لا تسمع صوت أم كلثوم, بل تسمع صوت الرضيع حفيظة, لا تعرف أحلام يقظة؟. رقوشة تسمع صوت الرضيع, وتتأهب للعودة إلى الفندق. لا تحب سهرات الكازينو بالقاهرة, ولا سهرات الفلامنكو بغرناطة, هذه الأشياء لا ترغب فيها . يقترب الحاج التطواني من سيد العباس وقد غرق في أحلام اليقظة, يقول له:

الله … الله لو شاهدت أسيد العباس رقصات الفلامنكو بغرناطة لطار عقلك وانصرفت عن خرافات دادا الياقوت.

رقوشة تشرف على البحر, أضواء شواطئ إسبانيا تلمع نورا وتوهجا, والبحر هادئ تنطلق بداخله قوارب الصيد. جدة إحسان تحكي:

أحرمنا من القدس, وضعنا حوائجنا في زاوية المغاربة, تعرفنا على بعض المغاربة المقيمين في القدس وصلينا صلاة الجمعة. مسجد القدس رفيع البناء, مسقف كله, فيه مكان معلوم صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب, في ركنه الشرقي مزار يقال له مهد عيسى عليه السلام, وله طاقات واسعة يشرف منها الناظر على الوادي الذي يسمى وادي جهنم. تحت المسجد الأقصى مسجد آخر واسع جدا بني على أساطين من حجارة منحوتة . طورزيتا الواقع بين المسجد والوادي الكبير جهنم … ويشرف طورزيتا على القدس كله وما حوله . جبل الزيتون, الواقع بين المسجد والوادي الكبير واد جهنم, يشرف على القدس كله وعلى ما حوله. في أعلاه مزار يقال أن منه وقع رفع سيدنا عيسى عليه السلام, ويوجد قبر رابعة العذرية في مغارة تحت الأرض, و قبر السيدة مريم يوجد بكنيسة. صلينا صلاة العصر بالمسجد الأقصى. أحرمنا من القدس .

منى لا تصدق كل ما تحكي رقوشة. تجد في كلامها ضربا من كلام اليهود الذين يزعمون بهيكل سليمان, ويزعمون كذبا أن سليمان منهم وما هو منهم. تتساءل عن كلمة طورزيتا؟. تجد أنها ليست عربية. تعلم أن رقوشة لا تحترس عندما تحكي عن التاريخ. تجد في حكيها خلط .

منى تتساءل عم تحكي رقوشة جدة صديقتها إحسان. هل تحكي بنظام لغوي؟, وهل هذا النظام ترجمة أم تأويل؟. هل تحكي بصدق عم شاهدته بغرناطة وبالقاهرة وبالقدس؟ أم أنها تصنع التاريخ مثلما يصنعه الحكام والطغاة و الزعماء؟. تذكر حديث صاحبها لها قبل مجيئها إلى شقة صديقتها إحسان “… إن النظام اللغوي هو طائفة من القوانين المتصلة القائمة بواسطة ظواهر ظاهرة وخفية , وإن اختلاف النظام من وقت إلى آخر يؤدي إلى تغير في التشكيلات… “

جدة إحسان تحكي متفاخرة ومتعاظمة:

تعلمين أن جدة جدتي هي الست الحرة التي حكمت تطوان . في السنوات التي حكمت تأسست الخصائص الكبرى التي هيمنت على مجمل تاريخ تطوان وجعلت منها كيانا مجتمعيا بقيت خصوصيته ثابتة لحد الآن. هذه الخصائص تحمل تناقضا غريبا حيث هي مزيج من العداء والحنين إزاء أوروبا القريبة التي لا يفصلها عنا إلا هذا البوغاز الذي تشاهدينه…

تحكي على مهل وفي وهن شبيهة بالموت.

تطوان مدينة أندلسية حقيقية تختلف عن فاس وسلا رغم الشبه الحاصل . تعرفين حي البلاد؟ هذا الحي له دلالته الرمزية وشحنته العاطفية, إنه تطور للأحياء المورسكية, سكن فيه جدي. جدي شارك في ثورات المعارضة التي عرفتها هذه المدينة المتمردة, حيث حوصرت برا وبحرا مدة ثمانية عشر شهرا. مما أزم وضعها الاقتصادي , وتعرضت المدينة لمرض الطاعون خلال ربع قرن, ومن بعدها ساءت الأوضاع بتطوان, وهذا ما ساعد على احتلالها من طرف إسبانيا سنة 1860. انظري منى إلى شواطئ إسبانيا إنها تتوهج نورا. يطيب لي أن أزور غرناطة وإن كنت عجوزا . يحلو لي أن أقضي شهورا برفقة ولدي بسكنه البحري بمربيا, أسمع رقصات الفلامنكو و يخفق قلبي فرحا .

تحكي وقد بدا عليها الوهن الشديد, لكن عينيها مفعمة بالحب والسياسة. تحكي في تألق مدهش وكأن عمرها أربعون سنة:

أحرمنا من القدس, لكن عندما دخلنا القدس لم نجد فيها أشجار النخيل.

منى تتساءل عن الرطب الذي تساقط. أين اختفت أشجار النخيل؟. قال تعالى*وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا*.

منى تغرق في صمتها المعتاد, تتساءل في دهشة وجنون عن تحاليل صاحبها. هل هو الذي أوحى للسيدة رقوشة بمثل هذه التفاسير؟ أو لعلها أقوى منه على البحث في غور التاريخ ؟. يجب البحث عن النخيل, لنقوم بمقابلة التعارض القائم بين لذة الرطب وألم الولادة.

يحكي صاحبها في تأويل بسيط عن قضايا الكون والعدم. منى عند قراءتها يزيغ منها النص المقروء. تحاول تفكيكه, فتجده يتكرر في مناورات مدهشة. تكشف غباءها لأن النص الحقيقي يتكرر بشكل مشوه. منى غير قادرة على التأويل. رقوشة تذكرها بمكاشفة صاحبها لبعض الأقوال. تسمع آذان العشاء, تقف وتصلي “الله أكبر”. تقرأ *وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا*.

الجدة تنبه حفيدتها إحسان إلى أنها تشم رائحة قدرها يحترق. تتساءل في دهشة:

كل بنات هذا الزمان يحرقن القدور, لماذا؟

كانت منى قد نصبت قدر الحمام باللوز لصديقتها إحسان, قبل ولوج الشرفة التي تجلس فيها السيدة رقوشة, وكانت إحسان تمسك بورقة وقلم, تكتب البهارات المستعملة وطريقة نصب القدر. إحسان لا تعلم أن رهام عندما دخلت إلى المطبخ باحثة عن أمها أمسكت بالورقة ورمتها في الزبالة. رهام كانت مشغولة بالنظافة, كلما رأت ورقة تظن أنها مسودة يجب أن تلقى في الزبالة.

الجدة تبدو متمردة تواصل حياتها عبر حكاية تاريخ منسي. تكاشف ذاتها المتشردة ما بين رقع متباينة حطت فيها, فتركت عندها جروحا ما بين القدس و غرناطة. عندما تتذكر تشعر أنها تقاوم الموت وتعيش الحياة , لا تعرف الحب ولا تعرف السياسة. تحفز كل نساء العالم على المكاشفة والدخول إلى القدس وغرناطة.

رقوشة تردد بصوت خافت دافئ:

القدس… غرناطة

منى تردد القدس بلثغة الجدة رقوشة, تسمعها صديقتها إحسان فتبتسم. تغرق النظر على امتداد البحر, فتشاهد أضواء طريفة. إحسان بالمطبخ, تغسل القدر وتحكه. ترغب في أن تكون الطن جرة تبرق وتلمع مثل ضوء القمر .

منى مازالت غارقة, في دهش تردد تساؤلات أبو أسد عندما يكتب نصا معطوبا :

لماذا كرهت السيدة مريم عند بلوغها الزواج؟. لعلها كرهت أن تنجب صبيا, لقد كره لها زكريا الولادة. كرهت السيدة مريم أن تلد هروبا من أن يلقى أولادها اليتم الذي عاشته عندما كفلها زكريا ولم ينشئها أبواها, فلعلهما توفيا وهي صبية. لكن أظن أنه بقي في نفسها شيء من مرارة اليتم إذ كرهت الزواج والإنجاب. فارقت أهلها واعتزلتهم, واتخذت من دونهم حجابا. كان الله تعالى ينظر إلى حالها وقصتها, فأراد أن يكذب ظنونها, وأرسل إليها الملك بغلام خلقه خلقا من تراب, وجعله في رحمها. حملته, و جاءها المخاض إلى جذع النخلة فولدت ونطق وهو صبي.

جدة صديقة منى, إحسان, تمد نظرها إلى شواطئ مرسى المضيق. القوارب الصغيرة بضوئها الخافت تخرق البحر الأبيض المتوسط. تعلم أنها خرقت هذا البحر لتحرم من القدس. تحكي والوهن باد على جسدها , لكن ذاكرتها قوية تسعفها على حكاية بعض من التاريخ , تقول:

وصنا القاهرة . سمعت أم كلثوم تغني:

مالي فتنت بلحظك الفتان وسلوت كل مليحة إياك .

فتاح لا يعرف سيد العباس , كان هو الآخر يتردد على سماع أم كلثوم مثل سيد العباس وصديقه التطواني. فتاح لم يلج كازينو الزقازيق ولا البوسفور, جاء إلى القاهرة متأخرا . لا نعرف أين كان يسمعها تغني في القاهرة, وأين استقر عندما كان منفيا؟ كان يشرب خمرا كثيرا, وكان مهموما بالقضايا السياسية. هرب من وطنه إلى القاهرة خوفا. كان ينتظر الاستقلال, حصل المغرب على الاستقلال, وعاد مرة أخرى لاجئا سياسيا ليس في القاهرة ولكن في باريس.

جدة إحسان لا تعرف السياسة, لكنها تحكي التاريخ . يقولون لها السياسة فيها الفلوس. منى تتساءل والدهشة تعتور أطراف جسدها, السياسة فيها الفلوس؟. هي الأخرى كانت في باريس, لكن لم تخض غمار السياسة, لم تكن تظن أنها تدر أموالا وافرة. في هذا الزمن الوزير الأول يحتفظ براتبه الشهري المرتفع وإن لم يعد وزيرا, السياسة فيها الفلوس, منى تجهل هذه الامتيازات. عندما دخلت مع زميلاتها الطالبات كالنعاج في الفركونيت من الحي الجامعي بظهر المهراز لم يخطر في بالها أن السياسة فيها لفلوس. لم تخض غمار السياسة, خاضت غمار الطن جرة بداخلها حمام القدر باللوز. كان همها أن تقدم أطباقا شهية لصاحبها وزملائه, وأن تنعم بشغب أسد وآية ورهام. وتقول لصاحبها “اغضب كما تشاء, إنك كالأطفال نحبهم مهما لنا أساؤوا … اغضب …. وابق معي إن سألتك الرحيل…”

فتاح في أحد كابرييات باريس يستمع إلى المطربة وردة تغني في منتصف الخمسينات في كابري والدها. يغني في نفس الكابري الذي تغني فيه وردة حسين السلاوي و محمد افويتح. هذا الخبر لا تعرفه منى, سمعته عندما كانت تتجسس على السجال الأدبي بين صاحبها وزملائه. زميله اللغوي المشهور بنظرياته الوظيفية يعجبه أن يلتقط الأخبار الفنية ويخزنها في ذاكرته ليفاجئهم بتفوقه عليهم في فن الغناء . التقطت الخبر يوما ضمن السجال اللغوي عندما كان يحكي وهي تمد صاحبها بأطباق شهية قرب باب غرفة الضيوف كان يقول :

… إن انطلاقة وردة السينمائية لم يكتب لها فيها النجاح مبكرا. لكن شهرتها بدأت مع منافستها لفايزة أحمد وليلى مراد وهدى سلطان ونجاح سلام وغيرهن. وبعد زواجها من الملحن بليغ حمدي تألق نجمها وأصبحت منافسة لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم.

كانت منى عندما تسمع هذه الأخبار الفنية تتساءل: “كيف لا يعرف المغنية بريكة, ولا يعرف للا فضول؟ ولا يعرف المغنية سليمة مراد بالعراق ولا يعرف أن أغاني أم كلثوم تدرس في إسرائيل. أخباره الفنية ناقصة.”

الشقة الصغيرة بمصطاف مرسى مضيق يعبقها دخان حريق قدر الحمام باللوز. صديقتها إحسان متألمة على ضياع الورقة التي سجلت عليها وصفة طبخ قدر الحمام باللوز. تحك الطنجرة تريدها لامعة مثل القمر . منى تسمع السيدة الرقوشة تحكي:

أحرمنا من القدس.

تدخل المطبخ والدة إحسان السيدة حفيظة وتفتح النوافذ فيخرج دخان الحريق. تدخل رهام تغني:

سنرجع يوما إلى حينا…

Advertisements