الفصل الخامس

السروال كولف والحداء ذو الكعب العالي

زهور تقفز حفيدها أمين و تغني له:

سيدي والله سيدو, كل من في الدار عبيدو, حتى لاله وبا سيدو.

تحضنه إلى صدرها, يفتح العقاد, تتسلل يده إلى ثديها و يخفق قلبه فرحا. الجدة تحب أمين أكثر من باقي أحفادها وذلك لأنها هي التي سمته برغبة منها أمين. تذكر أن أخاها حمل معه من القاهرة, بعد أن أدى مناسك الحج, كتابا أحدث زوبعة عند طلبة القرويين الذين كانوا يرجون استنساخه. هي تتعجب لرواجه بينهم. يقول لها أخوها:

هذا كتاب لقاسم أمين.

يعلمها حروفا على غلاف الكتاب. ترسخ بذاكرتها الحروف ت ,ح ,ر, ي , ر. تبتسم وهي تذكر ضحك الطلبة على أمها للا فضول التي كانت تخرج من المطبخ عندما يعلوا صوتهم وهم يتنازعون حول كتاب قاسم أمين. تسمع كلمة امرأة, تقول لهم:

كفا من المرقة [1].

يضحكون لخلط المرقة بالمرأة. تذكر أنها كانت ترغب في أن تسمي ولدها أمين و زوجها يمانع رغبتها . ظل الاسم عالقا بذاكرتها, تتزوج ابنتها, لا يمانع صهرها في التسمية سمت حفيدها أمين.

كانت منى تتأخر في النوم خلال عطلة الصيف, وعندما تستيقظ تشاهد جدتها تقفز أخاها و ترغب في أن تقفز مثله. تسمع صوت نسوة يغنين بباب الدرب. تخرج فتشاهد حلقات النسوة يغنين و يزغردن فرحا. الزغرودة تعجبها, تسمع أصوات النساء تعلو الفضاء فتشتد دهشتها. النساء خارج البيوت. يستوي نظرها على السروال المدرج بالدم, النساء يزغردن بصوت عال و الرجال يسمحون لهن بالزغردة والرقص والغناء. سروال بلدي قندريسة أبيض مدرج بالدم, بداخل صينية نحاسية, فوق رأس امرأة تطوف به وسط الحي. النساء يزغردن ويرددن كلمات لا تفهم معناها الطفلة منى:

هكا يكونوا بنات الرجال المحظيات.

لا تفقه شيئا, لكن الرحالة الفرنسي جان موكي يفقه كل شيء. يعرف أن النسوة ببلد المغرب يطفن بالسروال منذ زمن قديم. يقول:

في عام 1601 شاهدت النساء يحملن سروالا مضرجا بالدم و يطفن شوارع المدينة, ليعرف الجميع أنها عذراء.

أصوات النسوة يزغردن و يرددن بأصوات متناغمة:

أللا بنت الحرة في يد الرجال محظية.

سيدة ترقص بالصينية فوق رأسها, تنزع يديها و تتمايل على رؤوس أصابع قدميها, تلتوي كالحية و لا تسقط الصينية. تشتد دهشة النساء. تحط الصينية أرضا. ترمي كل سيدة ورقة عشرين ريال. تندس الطفلة منى وسط النسوة تدفعها كافلهن فتتمسك بالأرض. تتمكن من مشاهدة سروال قندريسة مدرجا بالدم عندما تتقدم إلى الأمام . يشتد روعها, تخاف الدم. الدم عندها مرتبط بصراخ النساء وبساحة الهديم. تدخل البيت و تسأل والدتها عن سر هذا التناقض. الدم في ساحة الهديم مقترن بالحزن والألم, والدم في حي الدريبة مقترن بالفرح والمسرة, أي عجب هذا ؟. تعيد السؤال:

ما سر هذا السروال المضرج بالدم ؟.

تقول لها في عجلة وبصوت خافت:

خرجت الصبوحي.

منى تعلم من خلال خفوت صوت أمها أنها لا تريد تفسيرا, وأن السؤال فيه قلة الحياء. تعلم ابنتها أنها لو عاودت السؤال لكان يوما عصيا على الذكر, ولرسمت على فخذ ها قرصة زرقاء تظل قائمة مدى الدهر. منى تلحق ببنات خالها وخالتها لتلعب في الممر الأسطواني

بنت خالها تمسك بكرة صغيرة. تضربها على الأرض, ترتفع, تمسها بكفها و تعود أرضا. تردد:

أن كنار سيتويو سي زن لوكوان

تسمع لغط البنات وسط الحي. تندس بينهن و يلحق أخوها أمين وسطهن. منى تذكر أن المعلمة حفظتهن القاعدة النحوية. قالت:

نخاطب جماعة الإناث بلفظ الجمع المؤنث, وإذا لحق بجمع المؤنث ذكر يتحول جمع المؤنث إلى جمع المذكر.

منى تحفظ القاعدة النحوية, لكنها لا تعرف ذكر أنثى. هي في صحبة دائمة تلعب مع الذكور والإناث. يتشابكان الأيدي و يمر باقي الأطفال ذكورا وإناثا, يرددون:

PASSE PASSE PASSERA LA DERNIERE LA DERNIERE

PASSE PASSE PASSERA LA DERNIERE RESTERA

في حلقة أخرى يرددن:

Napoleon- ET MOI LA SAINTE HELELENE

LA SAINTE HELENE ET MOI NAPOLEON

SI TU VEUX FAIRE MON BONHEUR

SI TU VEUX FAIRE MON BONHE MONA DONNE MOI TON COEUR DANS UN POT DE BEURRE

TOUT CHAUD TOUT FROID

LA SEMELLE DE MON SOULIER TOUTE TROUEE.…

. تمسك بحبل المطاط وتنط:

OH MAMAN J’AI MAL AU COEUR

UN PETIT VERGER EN FLEUR

C’EST MA SOEUR QUI M’A FAIT PEUR

يشتد لعب منى بالحبل المطاط فتلحقها والدتها وتنزع الحبل من يدها. تقول لها:

سينزل صباحك؟

تدخل باكية إلى المطبخ, تمص ليمون حامض. تنزعه منها وتقول:

سينزل صباحك أبيض إذا مصصت الليمون.

تشدها و تسمرها بجنبها. نادية بالقرب من أم منى, الحديث يروج بينهما عن الموضة والألوان. يزاوجان الألوان لإيلاف الثوب بثوب آخر في تناسق جميل مدهش. يفسد عليهما هذا التوهج الجمالي للألوان صوت النسوة بباب الحي. تقول لها نادية:

أبعد الله من الحي أهل البادية. عجبا منذ الصباح الباكر وهن يغنين بالسروال المدرج بالدم؟. عندما كنت صغيرة لم يكن يسكن بجوارنا أهل البادية؟. الآن يتجمعن مثل النمل؟. السروال مدرج بالدم هذا عيب؟.

أجابت أم منى قائلة:

هذه طقوس الزواج في البادية, الشيء الذي له قيمة هو الدم. ألم تسمعيهن يرددن أخرجت السروال, أطالت الرقبة و حمرت الوجه.

تنبه أم منى زوجة أخيها إلى أنها أحضرت المقص والسنتيمتر كي يكون المقاس دقيقا عند التفصيلة. تخبرها أن جاكلين, جارتها الفرنسية, علمتها كتابة الأرقام, وأنها تكتب من آن إلى سواسنت. اندهشت نادية عندما أمسكت قطعة القماش وقالت لها:

هذه كاتر متر مع زيادة, لا تقولي ثمان أذرع. أنت يا زوجة أخي لست طويلة القامة مثلي, سأفصل من هذه القطعة قميصا وسروالا. القميص على حد طولك والسروال كولف قصير حد الركبة.

كشفت عن ساقيها, ملفتة نظرها إلى مقاس الموضة الجديد و مستهينة بقلة معرفتها للموضة قائلة:

يا زوجة أخي أنا لا أحب سروال قندريسة [2] , إنه ليس موضة, يذكرني بفضيحة للا الشريفة زوجة أخ صاحبي. عندما كنا في الأسبوع الأول من زواجنا, كان من عادة وجهاء القرية أن يحتفلوا بضيوفهم فهيئ لنا حفل بدار القاضي. كانت الشريفة تضع على شفتيها عكار شديد الحمرة, وتلبس قفطان الدنيا جات [3], و سروال قندريسة. لما أقبلت, وضعت رجلها اليمنى على عتبة غرفة الضيوف فسقط لها سروال القندريسة, لأن التكة لم تكن ممسكة على خصرها جيدا. انطلق النسوة يتغامزن ويتضاحكن. أنا بخلاف للا الشريفة يا زوجة أخي, كنت قد وضعت العكار خفيفا , وضفرت شعري ضفيرة واحدة إلى الأمام وأمسكتها بقطعة ستان يحاكي لونها لون قفطان لابيسين المطرز بخيوط موبر أبيض ملفوف بسبائك من الفضة, ومنصورية مارشال لونها سبطي , وقميص جوهرة أبيض.

تقطع كلامها نادية, وقد استبدت بها الغيرة لشدة تباهيها بجمالها الفتان وأناقتها الباهرة:

– أنا جئت هذا الصباح لأفصل معك السروال كولف لا لسماع حكايات للا الشريفة.

تصر أم منى على إنهاء حديثها و تقول لها:

عند قدومنا كانت سجادة الحج الرقيقة من الحرير اللامع قد وضعت في وسط الغرفة الكبيرة احتفاء بقدومنا. الشريفة متغطرسة و لا تسعها السماء, في أتم زينتها. الأمازيغيات يرتدين لباسا بسيطا . ينزعن الحنديرة من فوق أكتافهن يضعنها جانبا تظل المزونات الفضية تلمع . يبدو لباسهن شفافا رقيقا أشد بياضا من نوع الثليجة, منسوجة من الحرير الحر , تسمى الشقة. يزين الخصر بحزام موزون من الفضة. كنت كثيرة الحركة في مكاني فيظهر سروال الكولف الذي ينحسر عند الركبتين و تنكشف ساقي. أشعر أني أكثر جمالا من باقي النسوة. أذكر كلمات النكافة عندما كانت تصرخ بصوت عال و تشهر بجمالي الفتان الحقيقي:

– هذا قضيب الخيزران

هذا الياقوت والمرجان

هذه الألماس الحرة .

تبدو نادية ساخطة ومتبرمة من غرورها بجمالها. تلتفت إليها أم منى و تقول:

نادية اسمعي لي الله يحفظك. ما أجمل السنة الأولى من الزواج.

تنشغل نادية بمقاس القميص والسروان بينما تنصرف أم منى إلى هلوستها تتدكر عندما عادت مع صاحبها في منتصف الليل إلى الدار الكبيرة, حيث كانت غرفة نومنا تقع بالمنزه الذي يطل على الحديقة, نزعت منصورية مارشال وقفطان لابيسين لتظل بقميص جوهرة وبسروال كولف. رفعت القميص و كشفت عن ساقيها. سروال الكولف ينحصر عند الركبتين و يبدو ساقها الوردي اللامع فاتنا وشهيا. تعرف ذلك من نظرات صاحبي. يبتسم, لا ينبس بكلمة, لكن صمته فيه ألف كلمة وكلمة. تزداد انشراحا لالتفاتات صاحبها وتغتر بجمالها كلما كشفت عن ساقها تلمع عينا ه. تتمايل على الفراش و تحمد الله على أنه لا ضرة لها, وأن صاحبها يلبس الكوستيم وشعره بالفريزي, وأمواله عريضة ورثها عن شرفاء القرية. عندما كانت تتمايل على الفراش سألته عن سيدة حضرت الحفل, تتحدث بالفرنسية والأمازيغية, ولباسها فرنسي تضع فوقه حنديرة, حظيت باهتمام أهل البيت. أجابها بسرعة كأنه يعرفها: “إنها مدام لوبوا, زوجة الفرنسي جاك, أول من ملك منشار الخشب في القرية. أغرم ببنت الكابران الذي كان يدير معه المنشار. توفي الكابران وتسلمت البنت مهام والدها فظهرت مهاراتها مبكرة وأعجب بجمالها صاحب المعمل فتزوجها.”

تذكر أم منى أنها تعجبت من هذا الزواج لكن صاحبها قال لها ليست المرأة الأمازيغية الوحيدة التي تزوجت فرنسيا. مدام روز تزوجت صاحب ضيعة بالقرب من مريرت. كان زوجها يدير مهام الضيعة و توفي وهي دون العشرين سنة. ترك لها ثلاث أولاد فبادرت بإدارة مهام زوجها. كانت تمد الفرنسي بقصعات الكسكس الطري المفتول بيديها وتصب عليه الحليب فتزوجها حبا و إعجابا.

مازالت نادية تقلب قطعة الثوب التي انصرفت أم منى عن تفصيلها واسترسلت في هلوستها عن جمالها الفتان و أول سنة من زواجها بالشريف. تقترب الخادمة من أم منى, تحمل رسالة سميكة. تقول لزوجة أخيها:

هذه قائمة الهاتف

تفتح الظرف و تعد الأوراق الغليظة. تقرأ الأرقام:

كترفان ديزناف اتزر.

تضرب نادية على فخدها متعجبة. أم منى تقول لها:

لا تتعجبي يا زوجة أخي, حقا تعلمت قراءة وكتابة الأرقام بالفرنسية. صديقتي جاكلين علمتني الكتابة وصاحبي علمني الكلام بالفرنسية لأطلبه عبر الهاتف. عندما أحسن عد الأرقام ينتفض مهللا: “برافو شيري”. أنا تعجبني كلمة شيري , أشعر بالحب يسري في جسدي وأعرف أنه يعزني.

نادية تقف من مكانها غاضبة متعللة بان السروال لم يفصل بعد لحديثها الطويل. تطلب منها أن تصاحبها إلى دكان القباج لتختار معها قفطانا جديدا موضة. تقول لها:

نخرج لشراء قفطان ولمشاهدة ملصقات على حائط سينما مونديال. اسمهان صدرها عار وشعرها مقصوص.

أم منى تقول لها مفتخرة:

لقد شاهت اسمهان البارحة في فيلم ” غرام وانتقام “. دخلت مع سيدي محمد إلى السينما.

يدخل صاحبها و يطلب منها أن تعد الشاي. تسرع إلى المطبخ, تأمر الخادمة بذلك و تعود بسرعة البرق. تسمع صوت نادية خافتا:

ما أجمل لون بشرة سيدي محمد. إنها تشبه اللوز مقلي في الزبد الطري. الله يحفظ لنا الشريف ولد النبي.

أم منى تحترق, تخرق جيدها سكاكين حادة و تشتعل نارا بالغيرة. تعلم في هذه اللحظة أنها مغرورة, تعلم أن الجمال وحده لا يكفي, تعلم أن الرجل يحتاج إلى الغزل وأن تقول له المرأة أنت سيدنا السلطان. تستغرب لذكاء زوجة أخيها مع العلم أنه لا ذوق ولا جمال لها. تتعجب كيف تملك هذه الكلمة الأنيقة “اللوز مقلي “, كيف ربطت سمرته باللوز. تزداد غيرة و تشتعل نارا. تتعجب ؟ صاحبها تنفلت عيناه و تود الانقضاض على نادية. يرغب في الانحناء ليقبل يدها ويقول لها:” أنت زهر اللوز”. يغض بصره, يربط شهوته الحمقاء و يصرف عنه السوء والفحشاء. ينسل من مكانه و يجري إلى الباب, وهو يقول لصاحبته:

اسمحي لي بالخروج للبحث عن أخيك ليتناول وجبة الغداء معنا. سأحضر لكما قطعتين قميص جوهرة من دكان القباج.

ينصرف بسرعة, تقطع نادية يدها بالمقص و يسيل الدم على السروال كولف. يفسد مزاج أم منى و تشتعل نارا. تنتبه في لحظة إلى غباوتها العرجاء, تعرف أنها ضالة بليدة. لم تستطع أن تغلق الأبواب يوما و تفرح صاحبها بكلمة منعشة, يشعر من خلالها أنه أجمل رجل في العالم. تتألم وجعا. تنصرف إلى وسط الغرفة الكبيرة, تستلقي على السجاد التركي و تمارس بعض التمارين. تجلس على الأرض, تفتح ساقيها أكثر قدر ممكن, تشد بأصابع يدها أصابع قدميها, يمس صدرها الأرض. ينقسم الجسد شقين و ينطوي الأعلى على الأسفل. عندما تقبل الأرض, تعرف منى أن أمها أنهت التمارين الرياضية.

تقترب نادية من أم منى, تهمس في أذنها, يبتسمان. تسمع منى كلمات, يستعص عليها الفهم , تفهم الليل و تعرف أن الليل مخيف فيه ظلمة حالكة. تلتفت الأم محرجة إلى موقع منى بجوارها و تقول لنادية:

الطيور تيلقطوا الزوان.

عندما تسمع منى هذه الكلمة, تعرف أنه يجب أن تفر للعب في الممر الأسطواني وتترك أمها وزوجة خالها يتكلمان عن الليل. تعود منى بجوار أمها, تريد أن تعرف أسرار الليل. تقول لها:

اذهبي عند جدتك وقولي لها اقلي الفول واقبطي المرسول.

تحفظ منى الجملة كاملة حتى لا تضيع من لسانها. تعبر الطريق وهي تردد كلمات, لا تفقه معناها وعندما تصل تضحك جدتها و تدخلها إلى الغرفة الكبيرة, لتلعب في خزانة كتب جدها المغبرة. تبحث منى داخل الكتب عن صور لتعطيها لابن خالها رضا يضعها في السينما. تغرق في البحث, لا تجد أي صورة, لا تجد إلا حروفا علمتها إياها أمها. تمسك بيدها مجلة, رسالة المغرب, السنة الأولى. تفتحها: الكاهنة داهية. قصة تصور حياة سيدة أمازيغية عاشت في المغرب قبل دخول الإسلام إليه. تمسك بمخطوط و تفتحه.

” جنبوها حبائل الإطراء امنعوها من كيد أهل الرياء

.

علموها أن المحاسن حسن ال عقل لا حسن منظر ورواء “

تفتح كتابا آخر.

” وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال”

يحلو لها أن تقلب صفحات الكتب لتنزع الصور. تعجبها الكتب المغلفة بالجلد والمكتوبة بالذهب, بعضها محفوظة في محافظ لها مجدول تعلق منه. تمسك بكتاب تتصفح أوراقه الصفراء “بهجة المحاسن وأنس المجالس وتحدي الذهن والهاجس” , تأليف ابن عمر بن يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر التمري القرطبي 368-463 . مازالت لاهية بالكتب. تفتح كتابا آخر ” من أراد النجابة فعليه بفتيات فارس, ومن أراد الخدمة عليه بفتيات الروم, ومن أراد الحب عليه بفتيات المغرب ….”. منى ما تزال عابثة بكتب جدها المغبرة, تبحث عن الصور. تفتح كتابا آخر مغبرا أكثر من الكتب السابقة. الخصائص الكبرى للسيوطي, الجزء الأول. تقلب صفحات الكتاب بسرعة , تقف عند صفحة 532 . …والله رأيت النساء يشددن على الجبل وقد بدت سيقانهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن؟” منى تفتح القرآن الكريم “ …كشفت عن ساقيها …”.

تلتفت منى لجدتها وهي تطوي الغسيل بقرب عتبة الغرفة الكبيرة. تصب ماء الورد على الغسيل, تفك ثناياه وتطويه. تنهض, تحنو على حفيدتها و تقبلها قبلة كبيرة. تمدها بقطعة غريبة مسوسة [4], تلتهمها الطفلة بنهم شديد, تقبل جدتها قبلة حارة و تتعلق بصدرها لتفتح عقد قفطانها. جدتها تتركها تلهو,لا تعنفها عندما تفتح الكتب. الجدة لا يهمها أن تضيع ورقة من كتاب, وعندما تشاهدها تمزق ورقة لا تبالي بذلك فالكتب لا تهمها. كتاب وحيد هو النظيف. تقدسه و تمسكه وهي مطهرة. تقبل غلافه و تفتحه.

تقلب منى النظر في أركان الغرفة. ترغب أن تمد يدها الصغيرة الفتية لتلمس فناجين وصحون القهوة. تقترب منها الجدة بسرعة البرق, تمسك بأحد الفناجين, تقلبها على ظهرها و تقول لها:

-اقرئي الحروف المخطوطة م ن ش س ت ر.

تخاف أن تسقط فناجين القهوة على الأرض. تقول لها:

سأعطيك الفناجين يوم صبوحك.

تخاف منى عندما تسمع صبوحك و تزهق هاربة صوب الباب . تصل سكنها بسرعة البرق و تسأل أمها:

الصبوحي؟

تحضنها أمها إلى صدرها وتنام نوما خفيفا , يشتد الحوار بين نادية ووالدة منى, الليل, العري, النار. منى نائمة . تغني نادية:

النار الحمرة أسيدي في الجوف كاديا.

يكثر حديث نادية عن الليل. تلتفت أم منى إلى أنوثة طفلتها المبكرة وإلى شغفها بسماع الحوار. تمسكها إلى صدرها, عندما تفتح العقد تعلم أنها استيقظت تسمع الحوار كاملا. تدفعها على الأرض قائلة:

اخرجي والعبي مع بنت خالك بالحبل المطاط.

تقول لزوجة أخيها نادية:

الطيور يلتقطن الزوان[5].

عندما تسمع منى هذه الكلمة تعلم أن الحوار اشتدت حرارته وبدأ يخرق المحرمات ويدخل في قلة الحياء. الكلمات توقظ أنوثتها مبكرا. تعلم منذ هذا السن أن العري حقيقة, القميص والقفطان والمنصورية كذب, الليل لا لباس فيه, الليل عري والنهار لباس. نادية حريصة على تفصيل قميصها. أم منى تفكر و تقول لها:

مائة تخميمة وتخميمة ولا ضربة بالمقص.

تستعد نادية للخروج رفقة أم منى, لشراء أثواب فاخرة من عند دكان القباج في حي الروامزين, الذي يستورد سلعا فرنسية متميزة. تقول لها:

– أيتها البلهاء ارفعي قب الجلابة قليلا, اتركي الحاجبين يظهران و انزلي اللثام أسفل لتظهر وجنتاك . أنا آسفة لهذا الجمال الفتان المغطى باللثام .

ترد أم منى محتشمة:

– اخجلي من كلامك يا زوجة أخي. لا أريد أن أنزل اللثام قليلا. ألا تخافي أن نصادف والدي عائدا من الزاوية فيشتمنا لهذا الفجور.

تستهزئ منها نادية و تقول لها :

حمي شيخ هرم يجب أن يلتفت إلى سبحته وسجادته, يكفينا حكم أزواجنا. ألا ترين كيف يلبس زوجي وزوجك الكوستيم. يجب أن ننزل اللثام قليلا إلى أسفل حتى لا نجرح عيوننا . غيري هذا اللثام, إن السوسدي الطويل والمطرز بالرباطي وبالمرمة لم يعد موضة ,غيريه.

تلفت نظرها إلى أن لثامها من المسلين الناعم الشفاف, قصير يظهر الجيد, مطرز بطرز ماكنة سانجيسر [6] و رسوماته ورود مخرمة, عند الحركة يظهر الجيد كاملا لأنه قصير. تقول نادية ساخرة:

– لثامك كبير, نصف متر من المسلين يكفيك, وعند نهاية أطرافه امسكيه بحبل مطاط على قفاك, ستلاحظين أن القطعة على وجهك ناعمة. اسمعي لي جيدا, نخرج إلى حمرية وندخل مونوبري لنشاهد الفرنسيات في أناقتهن البالغة. أريد أن أشتري صباط طالو[7].

أم منى لا تسمع كلامها تلكزها بمرفقها قائلة:

– ألم تنتبهي يا زوجة أخي في حفل خطوبة أخي أحمد إلى اللباس الذي كانت ترتديه أخت العروس, قفطان لونه يحاكي شعر الجمال من نوع طافطا [8] حرير, رسوماته ورود مرصعة بخيوط الذهب وفوقها موزونات [9] كبار في حجم اللويز, وفوق القفطان ترتدي منصورية من نوع الفشوش [10] من المسلين الملون بألوان تحاكي الورود والزهور

تقاطع كلامها نادية قائلة:

– حذار أن تلبسي مرة أخرى قفطان لابيسين ومنصورية مارشال, لقد أصبحت معروفة بهما في كل الأفراح. غيري لباسك بلباس موضة جديد فزوجك أنعم الله عليه بالرزق الوفير.

أم منى تستهجن كلامها. تصمت تفكر ثم تقول لها:

– زوجة أخي ألم تنتبهي إلى شعر أخت العروس مقصوص كوب كارصا [11] . أنا سمح لي سيدي محمد بقص شعري وذلك عندما شاهد شعر صديقتي الفرنسية جاكلين مقصوصا. قال لي قصيه قصيرا أنا أحب أن أراك بلا ضفيرة.

نادية تقول:

– لنخرج لشراء الصباط طالو قبل أن تقفل الدكاكين في حمرية.

تصمت أم منى لحظة لا تسمع كلامها , تعود نادية إلى الاسترسال في الكلام بصوت خافت متناغم:

– آه لو علم خالي سيد الهادي بأمر خروجي إلى حمرية لشتمني. لقد كان يحكي لنا أشياء غريبة عن فرنسا عندما كان مختفيا عندنا في بيتنا بالمولى إدريس زرهون. لو علم بأمر خروجي, لقلت له: أحب الموضة لهذا أخرج إلى حمرية, وأنبهه إلى أنني كذلك أخرج إلى ساحة الهديم, أصرخ أزغرد وأردد الأناشيد الوطنية التي كنا نرددها معه

“يا ملك المغرب يا بن عدنان الأبي

نحن جند للفدا نحمي هذا الملك”

نادية تتكلم مشجعة أم منى للصعود إلى حي حمرية, لكنها تظل غافلة عنها, لا تلتفت إليها, لا تفكر في السباط طالو , تعرف أنه مرتبط بطلاق أمها. تذكر حكاية حقيقية روتها لها والدتها, تقول لها:

يا زوجة أخي, قالت لي أمي: “مرة شاعت موضة صباط طالو بين نسوة أهل فاس, فطلبت من دادا الياسمين أن تخرج إلى دار دبيبغ [12] وتشتري لها حذاء بكعب عال.

كانت قد شاهدت من قبل نساء مانشستر متبخترات في خيلاء, تسعفهن الطرقات المستوية الواسعة على المشي. لما شاهده والدي في قدمها طلقها بالثلاث وفر هاربا إلى أصدقائه يخبرهم بمغبة الأمر. كان أحد أصدقائه عالما من القرويين, قال له: “الحاج هذا حرام, تلعب الكارطة [13] مع أصحابك وتقسم بالحرام وتطلق زوجتك عندما تعرف أنها اشترت صباط طالو واستبدلته بالشربيل ؟. هذا كثير على نساء المغرب, نسيت أيام كنا طالبين بالقرويين ننسخ كتاب قاسم أمين مستحسنين أفكاره. نسيت أنك كنت تقول لي في مانشستر نسوتهن أنيقات, المرأة في بلد الوندريز فاتنة تتهافت على الموضة وتغيير لباسها. أنسيت ترديدك للحديث الشريف “المرأة أكثر شهوة من الرجل بتسع وتسعين مرة, لكن الله أوقع في قلبها الحياء”. الحمد لله أن أختي تزوجت بعد موت زوجها في مانشستر زوجا مصريا ولم تعد إلى بلد المغرب. عندما أؤدي مناسك الحج أعرج على القاهرة وأجدها سعيدة. الرجل المصري يلاطف زوجته. ألا تعرف أنك ظالم ومعتد وعنيف. كلمتك الأولى علي بالحرام. ينطقها لسانك بسهولة ويسر. والله إن هذا الظلم كثير عليها. تخيفها بالطلاق لأنك تعرف أنه لا عمل لها تكسب منه قوتها. ألا تعلم أن منهن من يستطعن أن يعلن أسرهن بعد موت أزواجهن. ألا تعرف أن صانعة الحلويات للا بنيسة اشترت سكنا بباب الخوخة.”

نادية تستهجن كلامها تعده خرافات تقول لها :

كفى من الخرافات, أسرعي لنفصل سروال كولف و لنخرج إلى حمرية.

أم منى ترفض الخروج إلى حي حمرية لشراء الحذاء ذي الكعب العالي. نادية تراودها و ترجوها للخروج.

أم منى لا تقرأ الكتب الضالة, ترغب في قراءة كتاب مقدس واحد. تديم القراءة علانية وسرا. لكن إذا حصل وقرأت كتابا ترغب في العثور على الصور لتعطيها لابن أختها رضا ليضعها في السينما. لا تغريها الكتب ما هي بقارئة, الحروف تتهجاها على مهل. القراءة لا ترغب فيها. نادية لا تعرف الابتكار. أم منى تجهد نفسها الساعات الطوال لتفصل سروال كولف و تزاوج الألوان في ذكاء حاد, لون الفوقية سماوي, والقفطان زواني والسروال سبطي. منى الطفلة بجوار والدتها وزوجة خالها لا حق لها أن تنبس بكلمة, ولا أن تبدي رأيها في التفصيلة وزواج الأوان. تصمت و تخرج لمشاهدة سروال قندريسة جلط بالدم.

يسمع صوت للا زهور في داخل الغرفة ما زالت تقفز أمين . تختلط الأصوات .


[1] – المرقة : الماء والزيت والتوابن الدي يطيب فيه اللحم

[2] – قندريسة :

[3] – دنيا جات :

[4] – غرييبة مسوسة : باللوز وأصفر بيض الدجاج

[5] – الزوان : نوع من الحبوب يأكله الطيور .

[6] – سانجير : آلة خياطة وطرز ظهرت أيام الاستعمار الفرنسي .

[7] – صبط طالو: حذا النساء ذو الكعب العالي

[8] – طافطا : نوع من الثوب النسوي قفطان ز

[9] – موزونات : موزون

[10] – الفشوش :

[11] – نوع من قص شعر النساء

[12] – دار البيبغ : حي يسكنه الفرنسيون بفاس أيام الاستعمار

[13] – الكارطة : لعبة الورق

Advertisements