الفصل الرابع

الطلاق…. شبيه بالحمام

للا زهور تعبر الدهليز, لتودع ابنتها ليلة زفافها غاضبة والألم يعصر قلبها. تقول لزوجها:

أقسم بالله العلي العظيم, أن ابنتك إن شاء الله ستطلق من هذا الشيخ المتزوج وستزف إلى شاب صغير عزب, شريف ولد النبي, يلبس الكوستيم[1] , وشعره ب الفريزي [2] , وله أموال عريضة ينعم علينا بسخاء وكرم شديدين.

أم منى تشتكي لوالدتها كعادتها عن بعض مشاكلها الزوجية. زهور لا تفتأ تعنفها بقسوة, تأديبا لها على حماقاتها, مستنكرة مواجعها. تقول لها:

لقد تزوجت مرة ثانية شابا عزبا, يلبس الكوستيم , وشعره ب الفريزي و له أموال عريضة. كل ما تطلبين من حلي وملابس يشتريهما دون تردد. لقد اشترى إليك في صباحك الأول * مضمة* [3] مرصعة بالياقوت والألماس , لم تحلم بامتلاكها أي عروس في ذاك الزمان . احمدي الله واشكريه. إذا سافر لقضاء شغله فهو رجل وإذا عاد رجل. الرجل معدن الذهب لا شيء فيه يتغير. هل تريدين أن تشفي فينا الأعداء ؟ تطلبين الطلاق مرة أخرى؟. سيشمت فينا طليقك, إنه مازال ينتظر عودتك إليه. لقد اعتدت الشكوى, فعند زواجك الأول من الحاج كنت تشتكي وتحتجين بأنه كبير السن, و أن ضرتك في مثل سن جدتك…

تشعر أم منى بألم من جراء تعنيف والدتها و تدخل إلى المطبخ. تصمت الأم لحظة ثم تعيد شريط زواج ابنتها بالحاج.

حقيقة كانت تؤلمني وحدتك وأنت تعبرين جوانب الرياض الموحش خائفة, عندما كنت تزوريننا رفقة الحاج. تختفين في إحدى الغرف ولا تقبلين صحبته. تقيمين في بيت والدك شهرا, شهرين, ثلاثة. يظل يتردد على دارنا, يحمل إليك الهدايا النادرة, منصورية من نوع مرشال وقفطان لابيسين . كنت أستعطفه عندما تتكرر زياراتك إلى دار والدك و أقول له: “ الوحم صعب. طول النهار وهي تتقيأ, لا يستقر الطعام ببطنها, الدوخة تقتلها.” ألاحقه إلى الممر الأسطواني, أصل باب الدار والدموع محتبسة في عيني, ينصرف غاضبا.

لما ولدت للا نائلة المباركة المسعودة , أقام لها العقيقة في مستوى وجهاء المدينة وأغدق عليك هدايا ثمينة , منها أقراط من الذهب المرصع بالماس الحر, و’ طانكي ‘[4] من الذهب المرصع بالياقوت, و’ خيط الريح ‘[5] مخرم بنقوش .

الحق يقال أنه رجل شهم لم يأخذ من لباسك الفاخر وذهبك الثمين أي شيء بعد طلاقك. كان كريما ودودا هادئا طيبا معك أنت وحدك. لكنه مع ذلك طالبنا بالخلع حين أراد والدك تطليقك منه. طلب منه مائة ألف ريال, وكانت غايته تعجيز قدراته المالية, خصوصا بعدما علم أن تجارته آلت إلى الإفلاس, مما دفعه إلى بيع قطعة من الأرض في مزرعته بمائة ألف ريال بسيدي سعيد. كانت المزرعة محط نزهاته في فصل الربيع وقريبة من قيسارية بريمة مكان تجارته . عندما قدم له المائة ألف ريال قال له:” زوجتي لن أطلقها.” عاد الأب المسكين باكيا والدموع حجر لا يتحرك من عينيه. استنجد بأبناء عمه, حماد والمفضل و الخليفة امحمد, وبعد أخذ وعطاء في الكلام قال له ولد عمه الخليفة:

إذا كنت عازما على طلاق ابنتك فيجب أن نستعمل معه الحيلة. ابحث على شي مانرة [6] ولا شي خنطقرة [7] .الشهر القادم رمضان المبارك, في هذا الشهر لا يستعمل ‘ السبسي ‘[8] , ولا ‘ التنفيحة ‘[9] فيفسد مزاجه, في ذلك الوقت يمكن التحايل عليه ومراوغته لتطليق ابنتك.

وهكذا حصل طلاقك في شهر رمضان المبارك, وفي العيد الصغير قدم شاب عزب يطلب خطبتك. كان يلبس الكوستيم , وشعره بالفريزي , ولد النبي , له أموال عريضة ورثها عن أجداده الشرفاء. وعقد قران زواجك في عيد الأضحى.

أم منى بداخل المطبخ تتذكر. كان الحاج يلاطفها, يحنو عليها و يرصع أذنيها بأقراط من الذهب الناصع المنمق بالألماس الحر. ينظر إليها الساعات الطوال هياما وعشقا, يقول لها:

– فاتنتي, أنا خادم تحت قدميك. ابعدي عنك خرافة الضرة. أنت لي وحدي. ضرتك خار عظمها ويبس جلدها, وقل نظرها. كل همها منصب على زواج بناتها التسع قبل أن يعنسن. أصبحت مشغولة بأولادها و لا تفكر إلا في الطبخ لأحفادها .عروس ابنها البكر تزيدها نكدا وغما. لا يهدأ روعها ولا يستنير وجهها إلا عندما تتردد الخطابات على دارها , أو عندما يملأ خزين عولتها [10] , فتسهر على تنظيمه وإغلاق خوابيه [11] بخرق مبللة بعجين تدقة . قولي لي فاتنتي, ماذا تطلبين, أنا خادم بين يديك. لا أريدك أن تبرحي سكني, أنا محتاج إليك اليوم أكثر. ماذا تطلبين ؟

بصوت خافت ولسان متلعثم تقول:

أريد أن أخرج إلى حمرية [12] , لأشاهد أناقة الفرنسيات , سافرات شعرهن مقصوص و يمسكن بيد أصحابهن.

ركبت سيارته الفخمة المجنحة. كانت السيارة الوحيدة التي تعبر ذاك الزمان ساحة الهديم لتخرق حي الروامزين في اتجاه حي حمرية. يسوق الشيخ سيارته وهو في كامل أناقته بجلبابه البزيوي [13] وبلغته المدفونة. كان يبدو عليه الشباب المتوهج من خلال قوة حركاته وكبر جسمه. يحدثها مفاخرا بما جمع من مال وفير, يقول:

أنا أول رجل تعلم أن يسوق السيارة في مدينتي. اشتريتها من أجلك فاتنتي. أنا يهاب أمري تجار قيسارية بريمة. أنا ذهبت إلى الحج تسع مرات و حرمت من بيت المقدس. سأحج معك السنة القادمة إن شاء الله, وأعرج بك على القاهرة لمشاهدة أم كلثوم تغني بكازينو الزقازيق.

يغني لها:

وحقك أنت المنى والطرب.

تنشرح, تبتسم. يبدو على وجهها قنوط غريب يقول لها:

أنا قلق على أخي الصغير جليل, إنه مشاغب دخل في خلايا وطنية سرية, لقد قبض عليه الفرنسيون أمس.

تحققت دعوات السيدة زهور. طلقت ابنتها, وزفت إلى شاب عزب, ولد النبي, يلبس الكوستيم, شعره بالفريزي, و له أموال عريضة ورثها عن أجداده الشرفاء. ينعم على أسرة زوجته بسخاء وكرم شديدين. الحاج عبد الكريم يشعر بغربة ابنته. يقترب منها وهي تحفظ صغارها سور القرآن الكريم, وتخط حروفا … التاء ... الحاء … الراء … الياء. يشعر بقسوة الزمن عليها و يبادر بعودته من الزاوية لمجالستها. يقول لها:

الصبر, الصبر يا ابنتي يكسر الحجر. رزق صاحبك في”اتزر” , هذا قدرك.

تغني بصوت خافت قربه:

مكتوبي انصرفو باللازم علي .

رددي معي يا بنتي.” حسبي الله ونعم الوكيل “

يمسك بيدها مواسيا, يقول لها:

رددي معي هذه الأدعية

” الله يا مجيب الدعوات, ويا مفرج الكر بات من فوق سبع سماوات, ويا فاتح خزائن الكرامات, ويا قاضي حوائج السائلين, ويا سامع الأصوات, ويا غافر الزلات, ويا مقيل العثرات, ويا منزل البركات, ويا من أحاط بكل شيء, أسألك أن تصلي على سيدنا محمد, وأن تقضي حاجتي وأن تنجيني من الغم والغباء والغفلة. سبحان المفرج عن كل محزون, سبحان المنفس عن كل مديون, سبحان الميسر لكل معصور, سبحان العالم بكل مكنون, سبحان من جعل خزائنه بين الكاف والنون, سبحان الذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. “

أم منى تنهض متثاقلة بالقرب من والدها, تستأذنه الدخول إلى المطبخ لتعد وجبة العشاء. تقلب قميص جوهرة المذيل على قفطان الملف و تمسك بمذيلته في حزام خصرها. يلتفت إليها والدها مؤنبا:

هذا حرام يا ابنتي لقد ظهر سروالك الكولف. إن الإمام الغزالي يقول: للمرأة عشر عورات, إذا تزوجت ستر الله عورة واحدة, وإذا ماتت ستر القبر باقي العورات.

الحاج عبد الكريم قلق على ابنته. للا زهور آمنة مطمئنة عليها , تتردد على سكنها بحي الدريبة. تنتعش وتسر لصحبة ابنتها لشاب عزب يلبس الكوستيم وشعره بالفريزي. يقضي معها ليالي دافئة مليئة بالحب والاطمئنان. تردد في نفسها:

ا بنتي أحسن مني بكثير. أنا لما فتحت عيني وجدت شيخا هرما قفة من العظام , وأبناء الخادم يكبرونني بسنين. كسدت تجارته, عندما بدأت أزوج أولادي قل ماله وخار عظمه. عجز وما زال حماد في الباك الأول وحبيب في البروفي. أبكر في الصباح لأخيط القفطان والمنصورية والقميص والسروال بآلة الخياطة سانجير وأشتري لهما الكتب .

للا زهور استجاب الله دعاءها. نال المغرب استقلاله, زغردت النساء من أعلى السطوح, و وراء الأبواب. توفيت للا البتول أخت زوجها بالضغينة وغصة الألم تحرقها, لأن زوج ابنتها الوزير فقد سلطته الإدارية بذهاب السلطان محمد, و عودة محمد الخامس من منفاه إلى المغرب. كانت السيدة زهور عندما تغيظها أخت زوجها, تصعد إلى السطح وتشهد عليها الجيران, تنزع المنديل من فوق رأسها, تعري شعرها وترفع عينيها إلى السماء متضرعة ومتوسلة إلى الله. تصرخ بأعلى صوتها:

سينال المغرب استقلاله إن شاء الله وسنشمت بوزير السلطان محمد.

تحققت دعوات للا زهور .شهد ت لها الجارات بالبركة وشمتت ببنت للا البتول التي زوجت بوزير السلطان محمد.

توفي الحاج عبد الكريم, وترك زوجته زهور في بداية شيخوختها, تحلم بالمراكز السلطوية و مواقع القرار. الخليفة ابن عم زوجها والوزير زوج ابنة للا البتول كانا يمارسان السلطة. زهور لا تمارس السلطة, تحلم , تكثر دعواتها قبل صلاة المغرب. تتحقق دعواتها و تغير اسمها بعد الاستقلال, تخرج ولدها حبيب ضمن أول الأفواج من مدرسة تكوين الأطر, أصبحت أم القائد. ابتهجت بهذا الاسم, رغم أنها لا تفرق بين سلطة الاستعمار وسلطة ما بعد الاستعمار. الشيء المهم عندها أن تمارس السلطة. أن تعنف بعض الرعية الوفية.

للا زهور تتذكر, كلما عصر الألم قلبها, تتذكر عندما كانت بمانشستر تماثل قطعة ألماس تتحرك فتنة وجمالا, نار تتحرك توقظ شهوة كل الرجال. مغرمة بالوقفات الطويلة وهي تطل على المارة من شرفة غرفتها. بلدها لا شرف فيه, توجد فقط ثقب عالية محاذية لسقف البيت تسمى بشماشية, يدخل منها بصيص من النور ولا تطل منها النساء. زهور يعجبها أن تقف الساعات الطوال أمام المرآة لتتزين ثم تخرج إلى الشرفة بسكنها بمانشستر مبكرة تذكر:

اسعد صباحك يا ضوء الله …

يواجهها الضباب. لا شمس في مانشستر مثل شمس فاس؟ لكنها لا تشعر بالغربة, مبتهجة و سعيدة لأنها تحلم بمشاهدة النور يشرق في بيت الله.

تتردد السيدة زهور على سكن ابنتها في المساء. تعبر الطريق راجلة من حي قاع وردة إلى حي الدريبة و تعرج على حديقة الحبول. يحلو لها أن تطيل النظر على الأشجار الباسقة المورقة الشبيهة بحدائق مانشستر. تسمع زقزقة العصافير, تنعشها الشمس و تحمد الله وتشكره لأنها لم تعد تسكن بدرب الخواجة فهي الآن على مقربة من أرياض المدينة. تقترب من باب كناوة, تواصل المسيرة, تقطع شارع الروامزين, تمرق السيارات الفاخرة بجانبها, توهم السائق الفرنسي أنها تعبر الطريق, لكنها تمشي على مهل و تتعثر. تسمع صوت صاحب السيارة يقول لها مبتسما:

– في أطانسيو مدام.

تبتسم تسوي اللثام وهي تمعن النظر في السائق الفرنسي. ترتبك , ينزل اللثام قليلا تعيده بسرعة ليجرح عينيها. السائق يعجبه غنجها, تبتسم, السيارات تواصل سرعتها تمرق تخطف الأبصار هي غير آبهة للسرعة. تقف طويلا لمشاهدة واجهات الدكاكين الزجاجية في حي الروامزين والتي تستورد سلعا فرنسية تغري للا زهور بشرائها . السلع المعروضة هي نقيض ما تعرفه في دكاكين حي قبة السوق. تدقق النظر على واجهات الدكاكين, الملابس الداخلية مغرية , * كومبينيزو *[14] من الموسلين بالدانتيل الأسود, سوتيان [15] … كل هذه السلع المعروضة تحيلها على الليل والحب والاطمئنان. تواصل النظر مليا على واجهات بقية الدكاكين. تغمرها السعادة . مشاهدة الملابس الداخلية تفرحها. تعبر حي الروامزين لتصل إلى الدرج المفضي لحي الدريبة حيث سكن ابنتها وصغارها. تتلمس بشرة يدها الجافة , ثم تعجل السير, تريد أن تطمئن على أحفادها. تلمس يديها مرة أخرى و تعجب لجفافهما, تواصل هلوستها:

سأعود إلى البيت وأذيب الشحم مع الشمع وأجعلهما مرطبا ليدي. بالأمس استعملت خليط الحلبة والبيض والعسل وزيت أركان مرطبا لوجهي, وغسلته بعصير العنب البارد ومسحته بماء الورد.

تفاجئها عند نهاية الدرج وقرب درب الشرفاء للا العزيزة الصحراوية, تقول لها:

هكذا أحسن, أخرجي مرة مرة أللا زهور لقضاء حوائجك. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ‘ أذن لكن أن تخرجن لحاجاتكن ‘. ورد هذا في صحيح مسلم. أقرأتنا إياه العالمة الفقيهة في مدغرة قبل رحيلنا إلى مكناس. اخرجي مرة مرة لتبعدي عنك القلق …

للا زهور كثيرة القلق على أبنائها وبناته, تخاف أن يصيبهم مكروه. الله يحفظ, تخرج اللطيف ألف مرة, عندما تصاب بوساوس تقول أعود بالله من الشيطان الرجيم…..

للا زهور شديدة القلق و دائمة الصراخ في وجه صاحبها. هي قوية و صلبة في نهاية شبابها, وهو ضعيف و واهن في نهاية شيخوخته. يقول لها وقد نفد صبره:

أقسم بالحرام ثلاث أنت ط…

تقطع كلامه ساخرة:

الحمار … ليس الحرام. لقد جاوزت ثلاث طلقات هل نسيت ….

تذكره بليالي شبابه الزاهية . كلمة طلاق لم تعد تؤدي وظيفتها شاخت بشيخوخته . زهور لا يخيفها الطلاق تحكي لحفيدتها منى, تقول لها:

النساء هن بدورهن يطلقن الرجال. سمعت مرة جدتي تحكي, تقول : كانت جدة جدة جدتي بغرناطة تطلق زوجها. يعلم بطلاقه عندما تحول باب دارها, فإن كانت يمينا جعلتها شمالا, فإذا شاهد صاحبها ذلك عرف أن صاحبته طلقته.

منى تتساءل ما علاقة الباب بالطلاق؟ تتذكر قراءتها لمسرحية ” لعبة دمية ”. المرأة النرويجية تطلق زوجها. حصل ذلك عندما صفقت نورا بطلة المسرحية الباب وراءها وانصرفت. أم منى ترغب مرة ثانية في الطلاق, تصفق الباب وراءها, تخرج إلى الحمام وتطلق زوجها ثلاث ساعات, تدخل ثلاث غرف. الحاج عبد الكريم عندما تتأخر ابنته في الحمام يعرف أن القلق استبد بجسدها وطلقت زوجها. كان شديد العطف عليها و يشعر بقلقها إزاء غربتها القاسية. يخاف من الأبواب لأنه كان فقيها و على علم بحفيدة سيدتنا حواء التي غلقت الأبواب ولم تطلق صاحبها. أم منى لا علم لها بخبر من غلقت الأبواب و خرجت إلى الحمام .

رحلت للا زهور من فاس إلى مانشستر إلى الجديدة إلى مكناس إلى الدار البيضاء, و هي الآن بشقتها اللامعة النظيفة بحي مولاي يوسف بالدار البيضاء. الغرف أنيقة ومنظمة. في غرفة الضيوف, وعلى جانب المدفأة الرخامية الغير المشغلة, يوجد دليل الخيرات في محافظ الجلد الممزقة , و بالقرب منها توجد صحون وفناجين صغيرة كتب على ظهرها بخط مغربي مانشستر. شربت فيهم القهوة مرة واحدة عندما كانت عروسا . يضحك أحفادها عندما تنطق مانشستر. يلمسون الفناجين. تخاف أن تقع على الأرض وتتكسر, تقول لهم:

القهوة تشرب في الفناجين على الأرائك الناعمة بمانشستر.

يضحكون ويتعجبون عندما تنطق مانشستر ؟

السيدة زهور في نهاية شيخوختها تحدثها جارتها المراكشية, تقول لها:

لم يعد أولادك يزورونك كما عهدتهم من قبل. للا زهور يجب أن تطعميهم بيض الحمام. تضعيه ليلا في صدرك وفي الصباح يطبخ ويقدم لهم أكلة شهية. أنت بارعة في الشلاضة [16] بالجزر والخص والدرة والطماطم, افرمي عليهم بيض الحمام وسترين النتيجة قريبا. ستنتقل الحرارة التي شدت على البيض في صدرك إلى صدرهم ويشتعلون نحوك حبا.

السيدة زهور, في شقتها بشارع مولاي يوسف, تحدثها جارتها المراكشية عند الظهيرة تذكرها بالسهرة التي سيغني فيها اليوم محمد أغنية ” ودارت الأيام”. ينتظران السهرة .الشقيقتان منى و فدوى بشاطئ الصخرات يشتكيان من همومهما الزوجية. تقول فدوى:

زوج صديقتي الدكتورة فتيحة اغتصب خادمته, عمرها تسع سنوات, غطت عليه لأنها لا تريد الفضيحة.

تقول لها منى:

أنا الأخرى اغتصبت. انتزعت قبل أن أعرف موقعي في هذا العالم. الزواج المبكر اغتصاب. من المسئول؟. والدي كان متفتحا و لم يرغمنا يوما على الزواج لقد تزوجنا باختيارنا. لكن مع ذلك أنا أحسن من جدتي, التحقت بالجامعة و تزوجت وعمري تسع عشر سنة. جدتي كان عمرها ثلاث عشر سنة وسافرت إلى مانشستر, وأمي تزوجت وعمرها أربعة عشر سنة الزواج الأول, وستة عشر سنة الزواج الثاني, وسافرت إلى اتزر. كانا لا يعرفان المسافة القائمة بين البلدان و المدن, فقط يعرفان أنهما بعيدان عن أهلهما. أنا وأنت أفضل منهما بكثير.

كوارث مفجعة عندما تشتكي فدوى لأختها. تصرخ في وجها منى قائلة:

شجرة الزيتون الحرة هي التي تضرب بالسوط من أجل أولادها وتصبر. عليك بالصبر, إذا خرج زوجك فهو رجل, لاشيء فيه يتغير بعد عودته.

فدوى تقلقها مثل هذه التوصيات البالية, تغير الحديث و تقول لها:

الممارسات اللغوية منها يؤخذ المعجم لا العكس. عندما كان يحدث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدث ولسان العرب بين يديه, لأن المعاجم اللغوية لا تمثل كل الممارسات الكلامية, المعاجم تقوم على الاختيارية. المعاجم تشبه الكوارث التي نتحدث عنها.

تقول لها منى ساخرة :

يجب أن نهتم فقط بطبخ الحمام باللوز, لا غرض لنا بالمعاجم اللغوية. أوصتني جدتي أن أبرع في طبخه. أنا يأكل الضيوف بنان أصابعهم على طبخ القدر حمام باللوز عندما أقدمه لهم.

لا تجيبها تصمت, تصمت. تعرف أن الكلام يجعلها حمقاء و مجنونة. تقول لها:

رددي معي باسم الله الرحمن الرحيم. يا رب علمني أن أحب الناس كما أحب نفسي, وعلمني أن أحاسب نفسي كما أحاسب الناس, وعلمني أن التسامح هو أكبر مراتب القوة وأن الانتقام هو أول مظاهر الضعف. يا رب لا تجعلني أصاب بالغرور إذا نجحت, ولا باليأس إدا أخفقت, بل ذكرني دائما أن الإخفاق هو التجربة التي تسبق النجاح. اللهم إن أعطيتني مالا فلا تأخذ سعادتي, وإن أعطيتني نجاحا فلا تأخذ تواضعي وإن أعطيتني تواضعا فلا تأخذ اعتزازي بكرامتي. اللهم إذا أسأت إلى الناس فأعطني شجاعة الاعتذار, وإذا أساء الناس إلي فأعطني شجاعة العفو, وإذا نسيتك فلا تنساني.

تلتفت إلى أختها فدوى وقد بدت لها ساهية عنها :

فدوى أختي, سأحكي حكاية من أجمل الحكايات التي حكتها لي جدتي إنها حكاية صمت بنت السلطان’.

جدتي تهوي حكايات ألف ليلة وليلة ما هي بقارئة. لم تقرأ مورفولوجيا بروب, ولا موباصان كريماس, ولا المعاجم اللغوية. لكن كانت تحكي حكايات ألف ليلة وليلة. يلذ لها ألحكي, وتختفي أثناء حكيها كل أسلحة الدمار الشامل. و يوظف حاملو الشهادات, و يسقط الدم, ويتزوج الرجل الفقير بنت السلطان.

تقول جدتي :

كان حتى كان الله في كل مكان, حتى كان النبي صلى عليه والسلام. خرج شاب فقير يجوب أرجاء المدينة. كان همه منصبا على ما شاع من خبر صمت بنت السلطان وامتناعها عن الكلام, وعجز الفقهاء والحكام والسحرة والشعراء على شفائها. كانت تلوذ بصمت رهيب , الرعية الوفية والشعب العزيز يحملان لها حبا جما. شعر الشاب الفقير بتعب شديد واستلقى على جنب شجرة. الجوع يعصف بأحشائه وبنت السلطان تستولي على مخيلته بصمتها الرهيب. أصابته سنة خفيفة وسمع حوار حمامتين فوق الشجرة تحدث إحداهما الأخرى تقول: ”لو علم أحد بأمر سرنا لبادر بذبحنا, وجمع دمنا في قنينة من جعبة القصب, وهرول مسرعا إلى بنت السلطان.” التقط الشاب الفقير الخبر على عجل وانطلق مسرعا إلى قصر السلطان. لم يشعر بالجوع الذي كاد يمزق أحشائه ولا بالتعب الذي يشل رجليه. لم تسقط من الجعبة أي قطرة دم لأنه كان يحفظها بجوار شغاف قلبه حيث ظل الدم يحتفظ بمقدار حرارته الأولى أثناء الذبح. كانت سرعته تغلب سرعة البرق و لم تتعثر قدماه. الشاب الفقير لم يكن على علم بسرعة السكود الذي ضرب تل أبيب من بغداد, ولم يكن خبيرا من علماء تكنولوجيا الحرب. فتكلمت بنت السلطان: ”عجبا الدم ينزل من الشمعدان.” دقت الطبول, زغردت النساء وهلل فرحا سيدنا السلطان. تزوج الشاب الفقير, ابن الرعية الوفية والشعب العزيز بنت السلطان. لم يحمل لها اللؤلؤ والمرجان, حمل الدم.

فدوى تقول لأختها منى:

الشيء الذي له قيمة في هذه الخرافة هو الدم والمساعد هو الشجرة.

لا المساعد هو الحماتان. الحمام له انطولوجيا في الذاكرة البشرية. الحمام يذكرني بطوق الحمامة لابن حزم, الذي يسند فيه ثقافة المرأة إلى الكيد.

هل كان ابن حزم لا يحب النساء مثل شهريار. هل أقسم أن يقتل ألف امرأة وامرأة ؟

لا, الرجال يحبون النساء. الحب استواء نفسي للرجل , شهريار كان مريضا نفسيا.

منى تسمع والدها يغني وسط أدغال الغابة, لكن لا يطلب الناي مثل جبران خليل جبران. والدها أمازيغي أعماقه عربية, يغني بصوت شجي قرب شجر الأرز:

افرو حمام يوفرو

يوري قيم غوري

لافوت دوين

منى لا تفقه معنى هذه الكلمات لكنها تعرف أن والدها لا يقوى على فراق صاحبته. يعرف الحب يعرف السياسة . لا لا فضول تقضي أجمل لحظاتها في سطح سكنها بدرب اللبن, تطعم الحمام بقايا حب الزبيب. تلتفت منى إلى أختها فدوى تقول لها:

أنت أختي لا حب ولا سياسة . أنت لا تقوين على ذبح الحمام.

الدم, الدم بالصخرات ينزل , تختفي بنت السلطان ولا تتكلم. يسقط الدم والد منى يتوقف عن الغناء. الحمام قدر باللوز يحترق . الحمام عندما تتحدث الشقيقتان على شاطئ الصخرات يكون له معنى آخر. تقول لها منى:

عندما أشغل لفظ حمام, يكون للفظ معنى آخر غير ما ترمز له جدتي وما يقصد ه ابن حزم. إن اللفظ المستعمل يحتفظ بخصوصية المتكلم والحدث المزامن له.

زهور تملك ناصية القول, تعرف الحمام و تعرف حكاية الحمامتين. تحكي منى خرافة صمت بنت السلطان و تستسلم فدوى لسنة خفيفة. تحكي منى خرافة أخرى عن النجار والدمية. الرجل الورع المتصوف الذي صنع دمية من الخشب وكان يكثر من الصلوات ويتلو القرآن في منتصف الليل. حصل يوما أن طلب من الله سبحانه وتعالى أن يزرع الروح في الدمية لتتكلم. تكلمت الدمية, فتنه جمالها و تزوجها فغضب الله عليه ومسخه فأصبح قردا. استولى على منى النوم العميق واستسلمت لنوم غريب. تكلمت الدمية ولم تتكلم بنت السلطان. تستيقظ من النوم على صخب أمواج عنيفة. تقول لأختها وقد تبين لها عدم الاهتمام لخرافاتها:

أنت مشغولة بهمومك الزوجية. هيا غوصي في البحر , كوني مثل البطلة نورا, اطرقي الباب وراءك وانصرفي. نورا شجاعة, بعد أن أنجبت ثلاث أطفال تصفق الباب وتنصرف. سأعطيك المسرحية لقراءتها, إنها لكاتب نرويجي يناصر المرأة. ‘ بيت دمية ‘ نشرت عام 1879. و سأعطيك أول رواية نسائية نرويجية نشرت قبل هذا التاريخ بكثير, ‘ بنات الوالي ‘ نشرت عام 1854. هذه الرواية متقدمة على زمنها لهذا عمدت المؤلفة إلى توقيعها باسم رجالي مستعار, الكاتبة هي ‘ كاملية كوليت ‘.

فدوى :

لا أدري سر اهتمامك بنورا, كلما تحدثت إلا وورد في حديثك خبرا عن نورا ؟ تعلمين أن مسرحية ” لعبة دمية ” سيعرض هده السنة فيلما وأن الممثلة بوسي ستقوم بدور نورا.

ترفع قدميها من فوق الرمل و تصوب النظر إلى البحر. يعجبها أن تمد النظر إلى مشاهدة غضب البحر في ارتفاع أمواجه. تحرك قدميها, تزيل الرمل ا لعالق بين مرتق أصابعها, تحرص على أن لا تصاب بالشامبينيو من جراء تعفن الرمل داخل الرتق, تغرق في هلوستها. تفرح عندما تعرف أنها متميزة في طهي الحمام قدر باللوز. تذكر طبخ أختها بالأمس وكيف أخرجت من الفرن السمك ملفوفا في رقائق الألمنيوم الفضية اللامعة. تعرف أنها هي الأخرى تريد أن تنفرد بطبخ السمك. جدتها كانت ماهرة في طبخ الحمام قدر باللوز. ترقبها وهي تصعد إلى السطح تطعم الحمام حب الزبيب. الحمام يلتف حول الحب و تغني بصوت شجي:

يا حبيبي وحبيب الناس

يا فضة ما فيك نحاس

يا الحمام أللي في الشبيك

منى تغني نفس الأغنية التي كانت تغنيها جدتها وبنفس النغمة, وبصوت خافت لا يسمع. تلتفت إلى أختها وهي تضع زيت أركان وعصير الجزر على جسدها ليتورد, وتلهو بحبات الرمل بين قدميها. تقول لها:

هل شاهدت البارحة على القناة الفضائية فيلم ”بنات حواء” إنه يناقش قضية دخول المرأة البرلمان.

فدوى متأففة و قلقة تقول:

أنا لا أهتم بالمرأة داخل البرلمان, ولا داخل الحكومة, ولا داخل قصر السلطان. أنا أريدها داخل الحمام, لكن بشرط أن لا تقتحم الشرطة الحمام وإذا حصل واقتحمته الشرطة يجب أن تكون فيه صاحبة الشرطي أو ابنته. أنا أرغب في أن تكتب المرأة داخل الحمام قصة لتصبح فيلما . أنا لا أهتم بالأفلام التي تخص المرأة أنا أحمل هموم الإنسان في كل مكان , يجب أن تشاهدي آخر فيلم ”الجنة الآن”, إنه للمخرج الفلسطيني هاني أبو اسعد, صوره في نابلس , الفيلم مرشح لجائزة أوسكار . إسرائيل قوية عسكريا و نحن أقوياء بالموت. انتبهي أنا الآن أقرأ رواية باللغة الإنجليزية ‘‘أهواء حواء الجديدة’‘. أنت شبيهة ببطلة هذه الرواية التي توجهت إلى كاليفورنيا, بعد أن عانت الويلات من الحرب الأهلية اللبنانية. التقت مع ‘ ليلي ‘ في مخيم اللاجئين و أخبرتها أن أمها قد توارت في كهف . ‘ حواء ‘ مع أمها المجنونة متظاهرة بأنها ستعود , حواء اتجهت إلى البيت وهي تعبر النهر تاركة وراءها أمها تغني.

تغلق الصفحة 174 , وترقم بعض أوراق صاحبها التي حملتها إلى شاطئ الصخرات. يقلقها أنه لا يرقمها. تقرأ لاختها فدوى بعضا منها:

‘ لا صلة قياسية توجد بين الحمام والحمام رغم الاتفاق في الحروف الأساسية. ظاهر الأمر أن الحمام بكسر الحاء يعني الموت والحمام بفتح الحاء يعني نوعا من الطيور. الصورتان منقلبتان عن أصلين لصوتين متميزين عن الحمام وأسرته الاشتقاقية. ثم إن الحمام والحمام بينهما تشابه. حاصل الأمر أن الحمام والحمام تنتمي لأسرة صوتية تاريخية متمايزة تطورت إلى هذه الصورة المتقاربة… ‘

منى تتذكر حمام الروامزين, تقول :

داخل الحمام توجد صاحبة الشرطي , سيدة صعبة المراس. عندما تلج الحمام يقطع النساء الزي [17] , يملأن القباب على مهل ولا يقع شجار ولا هجاء. ينسكب الماء على أطراف البرمة [18] صافيا والطيابة [19] تبادل النسوة الكلام المفرح , في هدوء تسقي النساء الماء و يسمع لهن كلام منعش شبيه بالحب والسياسة. الغسول [20] المعطر , تنبعث منه رائحة الورد والبابونج والقرنفل والخزامة. قلما تنعم النساء بمثل هذا الحمام , إلا إذا كانت بداخله صاحبة الشرطي. عري مصحوب بوشوشات الحب والسياسة. تدخل عروس يحفها الأهل بالشمع المضيء والزغاريد المفرحة.

تقول لها فدوى:

وعندما لا تكون صاحبة الشرطي بداخل الحمام كيف يكون ؟

النار تنبعث من كل الأركان. الحمام يكثر فيه الصراخ والعويل. ينقطع الماء من البرمة, تحلق عليها النسوة ليلحقن بأول دفعة ماء, قطرات الماء الحارة تصيب إحداهن فيرتفع العويل , صراخا جهنميا. تنزل ضربات القباب [21] على بعضهن. العويل يصم الآذان و سباب الطيابة شبيه بعري النساء. أياد طويلة تلحق البرمة, تتشابك الأيدي, يختل توازنها , اليد الطويلة تصل إلى البرمة تغرف الماء.

تعرفين لماذا لعن عبد الرحمن المجذوب النساء. لأنه دخل الحمام مع أمه وصبت عليه إحدى النساء الماء حارا فتعقد من العري المصحوب بالنار وزهد في النساء. العري ليس من الضروري أن يكون نافعا, قد يحصل العكس ويكون ضارا.

منى لا تلتفت إلى تحليل أختها فدوى. تغرق في هلوستها, تلتفت إلى سكون والدتها داخل الحمام. يخجلها تقاعسها لأنها لا تزدحم وسط النساء على البرمة ولا تلحق بأول دفعة ماء حار. يخجلها سكونها و يبدو لها ضعفها أمام قوة النساء. تعزو أمها ذلك إلى آدابها وتشبعها بالأخلاق الفاضلة. منى لا تصدق كلامها , تعلم أنه لا بيان ولا تبيين لها, لا تقدر على تعيير بعضهن قلما تسب إحداهن. مرة قالت لامرأة تسكن بحيها:

أيتها البدوية الشقية, فسد الحي بمجيئك إلى المدينة.

انقضت عليها البدوية و صبت سطلين من الماء البارد على جلبابها الأنيق. كانت قد سقتهما من السقاية. كان يوما عصيا على الذكر, لحقت المرأة بأم منى وهي تهرول إلى الممر الأسطواني, مفزعة مرتجفة. البدوية تشتمها بصوت عال تقول لها:

– أيتها الخوافة اليهودية, هيا أقبلي كوني شجاعة اقبلي علي لأجعلك فرجة لأهل الحي. اقتربي…

كانت المرأة في كامل الشجاعة والقوة. سليطة اللسان, ينزل الكلام من لسانها سما يقتل, تفجر اللغة في يسر وبلاغة أنيقة, وجمالية مفرطة. تجرح, تجرح ولا يسيل الدم. يتجمع حولها النسوة منبهرات لدقة قولها, وسلامة منطقها, وبراعة وصفها. تنهي المشهد بنزع سروالها لتعلن عن أعلى درجات التمرد و التنصل من الأخلاق. منى مندهشة لأنها تعرف أن الرجل وحده هو الذي ينزع سرواله للتبول قرب السقاية. صعقت هذه اللحظة عندما شاهدت المرأة هي الأخرى تنزع سروالها. تفرج النساء على قوة شجاعتها, يستحي النساء ويهرولن مسرعات إلى بيوتهن. تدخل أم منى إلى الدار مرتبكة خائفة تلف أولادها حولها و تطمئنهم قائلة :

المرأة البدوية سافلة, لا خلق لها. صوتها عال يزلزل الحي. الصوت عورة لا حق لها أن ترفعه. والدي أوصاني بذلك تأدبا وحشمة ووقارا.

منى تحب أمها و لكنها لا تعجبها, لأنها لا تستطيع أن تفجر اللغة , لغتها الصمت, الصمت لا يسعفها لا البيان والتبيين و مكاشفة اللغة في ألقها وتوهجها, تصمت. منى تغار من فصاحة البدوية, تريد أما مثلها تفجر اللغة لتنزل سما يقتل. تتذكر عندما كانت طفلة صغيرة, تخرج مساء إلى حي سيدي عمرو المجاور لحي سكنها بالدريبة , يعجبها مشاهدة شجار النسوة . تستفز إحداهن الأخرى , تعيرها وتسب أهلها ,تنقض عليها تنزع شعرها و تنتف وجهها و تطرحها أرضا و تسيل دمها. يعلو الصياح , و تقف السيدة المنتصرة كالمجنونة متبرئة منها قائلة:

ابتعدي مني, إياك أن تقربي أهلي بسوء…

ينتهي المساء, يحضر الرجال و تنتهي الخصومة بحفل شاي يقام بأحد دور المتنازعتين فيعلن السلام. يتبادلن القبلات, يلعن الشيطان و يقول الرجال ”النساء قليلات عقل ودين’‘.اعتادت منى مشاهدة مثل هذا الشجار بحي سيدي عمرو و قرب السقاية. لا السبالة كما كان يحلوا لأمها أن تقول. يسقي النساء الماء من السقاية, تخرق إحداهن صفوف النسوة فيعلوا الصياح, تخرج صاحبة الشرطي التي كانت تسكن ما بين السقاية والبقال, يسود الهدوء والصمت… الصمت… يسقي النساء الماء في حب وسياسة. يلذ لمنى مشاهدة السطول مملوءة بالماء, المرأة تحمل سطلين في توازن مدهش و لا تسقط منهما أي قطرة ماء. تشتد غيرتها , تحلم بأم تملأ سطلين من السقاية وتندس في زحمة النساء.

عندما تكون صاحبة الشرطي في الحمام, يهدأ روع النساء. الطيابات تغدين ويرحن كحمام الحب, يسلمن على النسوة بأدب جم ووقار كثير, يتحركن كالحرير والابتسامة لا تنقطع من شفاههن ,النساء يغرقن ماء. اعتادت أم منى عند دخولها إلى الحمام أن تمد الكلاسة [22] بقطعة من السكر والشاي ملفوفين في ورق أزرق, مقابل أن تلحق بسرعة إلى الداخل لتسحب منها آخر ملاءة تضعها على عورتها. أمها بحق كانت فاتنة و أنيقة. تفتن كل النسوة قي الحمام و تلفتهم إليها. السوار الذهبي الذي سك بمدينة الصويرة بمعصم يدها, وسلسلة الذهب المفتول التي صنعت بباريس على جيدها. الذهب يزداد لمعانا في الحمام. تمدها الطيابة بالقباب ممتلئة ماء من البرمة في المرحة الأولى, و تحك ظهرها في المرحلة الثانية ثم تسقيها ماءا وتنصرف إلى أخرى بجوارها. عندما تبدأ فقاقيع الصابون المعطر بيضاء تتشكل على جسدها, و تصب سطلا باردا , ليتصلب جسدها و تعصر جدائل شعرها , تبادر الطيابة بحمل فوطة وردية اللون, محبوكة بالحرير, تلفها عليها و تضع أخرى على رأسها. تنصرف لتستريح في الجلسة [23] و تنشف جسدها كثيرا. فضاء الجلسة تهواه ا فهو النهاية المستهدفة من الحمام . تلتفت بجوارها و تخاطب سيدة شابة وقد بدا الانتعاش على وجنتيها المحمرتين, تقول لها:

الحمام اليوم رائق وفي منتهى الهدوء والراحة. البرمة الحمد لله ينسكب الماء على أطرافها دافئا. بصحتك سيدتي.

ترد عليها بصوت خافت وقد بدا الحر عليها هالكا:

– هذا بفضل سيدتنا صاحبة الشرطي , الفرنتشي [24] بمجرد ما يعلم بوجودها في الحمام خيط الماء لا ينقطع. الطيابات خطواتهن كالحرير, لا صخب ولا تبرم.

أم منى تلبس كبوطها [25] التونسي الأخضر والمخطط بخطوط سوداء, وتضع فوقه قميص جوهرة المخطط بالأبيض. تكشف عن ساقيها الورديتين اللامعتين المكتنزتين و تشد السروال كولف [26]إلى أعلى. تحرص على أن يتجاوز الصرة. تلفت إليها باقي النسوة و تقول سيدة لأخرى:

– الجمال الحقيقي يظهر في الحمام تبارك الله عليها.

منى تقول لأختها فدوى وهي تنشف جسدها من ماء البحر :

في عهد السلطان مولى إسماعيل وفي داخل الحمام, انتبهي أختي إن الحمام الذي سأحدثك عنه هو حمام مدينة سلا ليس حمام الروامزين بمكناس, كان في هذا الحمام نساء يتسلين بالحوار ويضحكن مع نساء أخريات. و حتى تكون التسلية على أحسن ما يرام يصحبن معهن ”السبور دولابلاش” متنكرا في زيي فتاة. فإذا اختلين في الحمام, بقي وسط النساء اللاتي يغتسلن أمامه عاريات تماما, وهو يعزف على قيثارة في انتظار أن تلحق بهم سيدته.

و إذا كان قد حدث شيء في مغازلته لهن فإنه لا يمكن البوح بالكلام الذي قيل داخل الحمام . الحمام . التاريخ لا يكتب كله. لابد من الإشارة إلى أن الأسرى الأوربيين يمكنهم الدخول إلى الحمام مع النساء والانسلال إلى مخادع سيداتهم, فقد سمح لهم بذلك حسب الأعراف المغربية . فهو غير محرم في شريعة البلاد ولا يغضب لذلك علماء الدين ولا السلطان, ولا أعيان البلد. النساء لا يتسترن ولا يحتشمن من الأسرى الأوربيين, لاعتقادهن أنه عميت بصائرهم كما عميت أبصارهم و لهذا تظل النساء عاريات في الحمام دون خجل.

فدوى لا تعير حكي منى اهتماما و تنصرف مرة أخرى لتغوص في أمواج البحر الغاضبة. تواجه الأمواج دون خوف و تغوص في عمقه .

منى تخاف عندما تلقفها موجة تتذكر هجوم الشرطة الذين لحقوا بالطالبات في دوشات [27]الحي الجامعي بظهر المهراز. الشرطة دخلت على الطالبات وهن يغتسلن. لم تصدر أي فتوى من طرف العلماء بحق الشرطة الذين اقتحموا الدوشات والطالبات عاريات, الجسد عورة. تلحقهن داخل الشاحنة الزميلة السورية و تعلن أنها شرقية لا علاقة لها بالإضراب. يقول لها الشرطي:

زيدي لمك في الفاركونيط [28]

يدفعها بقوة بقدميه وهو ينتعل حذاء من الحديد. زميلة أخرى يشدها من صدرها يدعك نهديها بغريزة وحشية ثم يوقعها في الفاركونيط. يطوح بأخريات, يتعثرن بين قدميه و لا تستقيم مشيتهن. يقد قميص إحداهن من دبر فتصرخ و يدفعها في عجلة إلى الفاركونيت التي تخرق بهم الطريق في سرعة البرق. تخاف منى, تتذكر صاحبة الشرطي, لو التحقت ابنتها بالجامعة وكانت زميلة لهن بكلية الآداب وسكنت في الحي الجامعي بظهر المهراز, لتغير التاريخ.

أم منى تخلط الحناء, تضعها على شعر صبيتها الطويل و تدعك الخليط بين أصابها حتى يتسرب إلى جذور الشعر مغذيا. العملية كانت صعبة و تعاني منها منى الصبية كثيرا. الأم في بداية شبابها تضغط على منكبيها تعصر الصبية ما بين ركبتيها, تشدها بقوة حتى لا تنفلت منها لا تعبأ بصراخها. تمعن في تصفيف شعرها, تسوي الخليط عليه, تفرقه خصلتين وتجعله ضفيرتين, كل ضفيرة تربطها بخيط وتشد الضفيرة إلى الأسفل. العملية صعبة وشاقة على صبية صغيرة تنتظرها نهاية كل أسبوع لتقذف في حمام الروامزين الشديد الحرارة. تصب الأم الماء الحار على رأسها وهي تقول لها:

صففي شعرك جيدا لأشققه بالغسول. أسرعي إلى البرمة إن الماء يفيض منها. اغطسي القباب في البرمة لتملأ. إن صاحبة الشرطي غير موجودة اليوم في الحمام.

حلقة من النساء يصرخن أمام البرمة. الحمام يرتبط في ذاكرة منى بالنساء عاريات مكتنزات جسدا. الحمام مرتبط بأحاديث جدها عن يوم القيامة والنار والحريق وجهنم. الطيابة تدفع الماء حسب الوجوه المكرمة والمنعمة. من جاءت بقالب السكر ملفوفا بورق أزرق تسقيها أكثر من التي جاءت بقطع السكر. الطيابات يقصصن للنساء قصصا عجيبة.

منى مستلقية على ظهرها بشاطئ الصخرات غارقة في هلوستها تتذكر وهي تحدث أختها فدوى. زهور في سكنها بحي مولي يوسف تنتظر مع جارتها المراكشية السهرة التي سيغني فيها محمد “ودارت الأيام”. محمد بالصخرات محرج يرفض أن يغني لسيدة الطرب إكبارا لها. السيدة زهور تنتظر. كارثة وقعت لم يغني محمد ” ودارت الأيام”.


[1] بذلة أوربية

[2] مقصوص على الطريقة الفرنسية

[3] – حزام من الذهب الخالص

[4] – طانكي : قطع من الذهب المخرم متلاحمة تملأ صدر المرأة ,

[5] – خيط الريح : قطعة من الذهب على شكل خيط طويل مرصع بالجواهر يوضع فوق الجبهة

[7] – خنطقرة : نوع من الحيل

[8] – السبسي : نوع من السجائر التقايدية

[9] – التنفيحة : غبرة تستنشق للانتعاش

[10] – العولة : مخزن الأكل في البيت

[11] – خوابيه : فخار يستوعب العسل والزيت والسمن والخليع

[12] – حمرية : حي سكنه الفرنسيون أيام الاستعمار

[13] – البزيوي : نوع من الجلابيب الباهظة الثمن تنسب إلى قرية لبزو

[14]

[15]

[17]

[18] – البرمة :

[19] – الطيابة :

[20] – الغاسول :

[21] – القباب :

[22] – الكلاسة : التي تحرس الملابس

[23] – الكلسة :

[24] – الفرنتشي :

[25] – الكبوط :

[26] – كولف :

[27] – الدوشات :

[28] – الفاركونيت :

Advertisements