الفصل العاشر

من العبقرية إلى الجنون

بعد أن قرأت لطلبتها قطعا سردية قصيرة وضعت أوراقا على الطاولة والتفتت إليهم قائلة:

النص الروائي المعاصر تضيع فيه البنية السردية, يتلف شخوصه, يكثر فيه البياض, ولا توجد بداخله علامات الترقيم. تاريخ الرواية وإن ظل مادة أساسية في بعض المحاضرات التي أقرناكم إياها, لأنه ضروري, لكن استنساخه في سياق معاصر غباء منا لأن الرواية بشكلها التقليدي أصيبت بالوهن والضعف والابتذال. قولي هذا لا يعني أنني أتنكر للتاريخ, فهذا كذب لأننا مدينون لكل الحكايات السابقة كألف ليلة وليلة. أريد أن أشير إلى نقطة أساسية هي أن الشيء المهم عندما نتحدث عن الرواية العربية المعاصرة هو أنها ليست تقليدا للحداثة الغربية, مهما بدا من التشابه الظاهر في التقنيات. إن ما نشاهد من التشابه هو نوع من التقارب بين البشرية, التي توغل في أزمنة لا نعرف لها بداية, ولأن الإنسان يظل البطل المؤشر إليه في كل رواية تمرر في هذا العالم الذي مازال مبهما يكتنفه الضباب و العماء. إن هذه الحداثة الواضحة في الرواية العربية المعاصرة هي نتاج أزمنة مخاض. إننا نعيش دائما أزمة رواية غير مكتملة تجهض قبل الأوان. إدا كانت الرواية قد فقدت بكارتها, لعدم الحرص والمراقبة الشديدة على بنيتها التقليدية فمزقت وحدتها الجمالية, فإنها قد اكتملت بالمقابل وأصبحت تمتلك كثيرا من الوعي والتدبر والحكمة, فغدت محكمة البناء. كتابة رواية يحتاج إلى زمن طويل من النضج المعرفي, ولا يحصل هدا النضج المعرفي إلا عندما يرمي الطفل بحجارة فتلمع لمعا شبيها بثغر صبية فاتنة, لكن الحجارة لا تلمع في زمننا هذا.الصبايا لا يبتسمن, ينتظرن الرجال. يكبر أطفال الحجارة وتكبر الصبايا. ينتظرن أن تلمع الحجارة لمعا يشبه لمع ثغر حبيبة عنترة. الصبايا في فلسطين وفي كل العالم ينتظرن ليباركن اللمعان. انتبهوا معي, يجب التجسس على أنوثة الفعل لمعت في القطعة الشعرية ” لمعت كبارقة ثغرك المتبسم” مع الحذر من السقوط في الأنثوية. نصوص كثيرة تخرب ذاكرتنا لكن يجب تطهيرها قبل الكتابة.

تمتد يد الأستاذة فوق الطاولة, تبحث عن رسالة ترغب في قراءتها للطلبة. يسقط القلم على الأرض, ترغب أن يسقط في غور النهر ليتطهر. تقرأ رسالة من باريس إلى اتزر.

شقيقة نفسي… باريس … لا تخافي… مازلت أحتمي بحرارتك, ما زلت دافئا حتى وأنت بعيدة في قريتك الجميلة المغطاة بالثلج الناصع البياض. الثلج لا يفقدك الحرارة, فحرارتك تصل إلى باريس وأشعر بالدفء. ثلج قرية اتزر غير ثلج باريس, هنا الثلج لا يذوب, يظل جامدا ألمسه فأرتج. أرجو أن لا تخافي فأنا أعيش التجربة, وما استطاعت باريس, لا هي ولا غيرها من كبريات عواصم أوروبا, أن تفرق بيننا. حزامك الأخضر بجواري الآن وأنا أكتب إليك. إنني ألمسه عند الخروج من غرفتي وعند الدخول إليها. سألني عنه كثير من الطلبة , سألوني عن سره و تركتهم يعمهون في كثير من الشكوك.

أظن أن كل رواية حديثة تنطلق من خرق البناء السردي المتفق على بنيته في زمن ما, و أن أي رواية في نظري تتسم بميسم الحداثة يجب أن تراقص الكلمات لحد الجنون, وتغازل الحروف لحد الدهشة, لتستوي في جمالية تطمئن لها النفوس. يحصل ذلك عندما تتحرر من مختلف القيود السردية وتكسر الدائرة الشط حية الصوفية: ‘ حي الله … حي … حي ‘.

تمسك برواية تعود تقرأ قطعة سردية أخرى ‘ شيئا فشيئا تبتعد عن الأرض’ . تقول لهم الأستاذة :

فريدة ترقص وتؤرخ لبداية حركة الطالبات المغربيات بالجامعة الفرنسية. ترقص رقصة المتصوفة, ‘اهتزازات’ ترتفع عن الأرض وتبغي الوصول إلى النور الرباني. تشطح, تجن و تعرف بعض أسرار العالم. ترتفع ‘ شيئا فشيئا تبتعد عن الأرض’ لكنها لم تعتقل لأنها تقيم في باريس. لمياء ترقص وتؤرخ لبداية حركة الطالبات بالجامعة المغربية. تنام في المقابر خوفا من الشرطة. ترقص على أنغام أمازيغية و تعتقل.

مرتبكة, قلقة تتابع قولها :

النص الروائي الحديث تباغتك فيه الصور, تفتت فيه الكلمات, و تتناص داخله الرسائل والمسرحيات, حتى المذكرات. لنقرأ رواية مرقونة قيد النشر لسيدة ‘متلن ش’, وهي امرأة هولندية عاشت بالمغرب في القرن الثامن عشر بحاضرة مكناس. انتبهوا عند قراءتكم لمذكراتها , يجب أن تتجسسوا على بعض القطع السردية المضمرة وتكاشفوا الأنوثة في شهوتها, وتقتحمون خلوتها. أصيخوا السمع لتسمعوا نغنغتها, و تتساءلوا عن أشياء خفية استعصى على المرأة الإفرنجية كشفها أثناء الرقص مع أحد أعيان حاضرة مكناس الذي أغرم بجمالها لأنها إفرنجية. فاجأته خلاعتها, عندما كشفت عن ساقيها, وشهرت أنوثتها. رقصت عارية . انحني أمامها إكبارا وتلهفا وقبل يدها . انحلت العقدة من لسانه فقه قولها.

وضعت الأستاذة يدها على سطح الطاولة, فسقط قلم آخر على الأرض. تصفحت أوراقا أخرى, ثم فتحت كتابا وقالت لهم:

من الأحسن أن أتحدث لكم عن جنس الرسائل الذي يتناص داخل النص الروائي المعطوب. أجد أن المرأة توقع رسائلها بحرفين ‘ ف, ب ‘, أنا لا أهتم بالبحث عن الاسم الشخصي والعائلي فهذه مهمة الشرطي, أنا أهتم بالرقص, ربما تكون الراقصة جنت وتوفيت. سأقرأ الآن الرسالة:

عزيزي المهدي

أعود إلى باريس إذن وأنا مدركة أنها تغيرت عما كانت عليه سنة 1965 عندما وصلتها أول مرة. عشت بكل كياني فورة مايو 1968. أكتب إليك هذا الكلام وقد مرت سنتان على إشراقات مايو 1968 وبدأت الأحلام المتوهجة تخف . زميلاتي ينسجن سيناريو عن تحرير المرأة وقد انغمرن وسط دوامة التبر جز محاولات نقده في الوقت نفسه, مثل ما تفعلون وأنا معكم بالتبشير بمجتمع آخر أنا لا أقرأ كثيرا كما كنت من قبل. أعيش متنقلة بين الوجوه والأجساد وعلب الرقص, أرقص حتى الانتهاك على طريقتي.

تلتفت إلى الطلبة مكتظة :

أنبهكم مرة أخرى إلى أن الشيء المهم والذي له قيمة في هذه القطعة هو تيمة الرقص, أرقص.

سجلت الكلمتين على السبورة, ثم التفتت, والطبشورة ما زالت بين السبابة والإبهام, مشدودة و قالت في عجلة:

تيمه الرقص تتوزع في هذا المتن الروائي وليس فقط في هذه القطعة السردية.

سجلت على الفور وفي عجلة أكثر من السابق: ص 15 ترقص, ص 98 ترقص, ص 99 رقصها, ص 99 يرقص, ص 100 ترقص, ص 100 ترقص, ص 100 الرقص, ص 114 ترقص, ص 130 للرقص, ص 133 الرقص, ص 145 رقصاتك, ص 145 رقصات, 145 رقصة, 145 رقصة, 148 سيرقص, ص 148 الرقص, ص 148 يرقصون.

تحمل من فوق الطاولة رواية نسائية تقول لهم:

انتبهوا معي إلى أن تيمة الرقص, ليست مقتصرة على هذه الرواية فقط بل إنها تتكرر كذلك في قلب الجنس الروائي النسائي منذ بداية القرن العشرين. مثلا رواية بديعة وفؤاد, صفحة 39 الرقص, صفحة 40 الرقص, صفحة 262 رقصا,… رقصي , يرد في هذا البيت الشعري و تقول صاحبة الرواية عفيفة كرم:

لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا فالحمام يرقص مذبوحا من الألم.

في المتن الشعري يتكرر لفظ الرقص, في ديوان الفروسية مثلا: ص 27 يرقصون, ص 33 الرقص, ص 63 أرقص, ص 98 ترقص, ص 101 الرقص, ص 106 يرقص.

وفي بعض الكتب السوسيولوجيا يتناص اللفظ. مثلا : كتاب ‘ السلطانات المنسيات ‘: ص 308 رقص, ص 309 يرقص, 311 الرقص….

أخيرا يجب البحث عن مقال كتبه إدوارد سعيد واهتم فيه بالراقصتين بديعة المصابني وتحية كريوكا. ستستفيدون من المقال كثيرا. أجد أنه كان واضح الرؤية, كتب بأناقة وغواية ماهرة عن تيمة الرقص, وقربنا من الهوامش الثقافية الفنية الأنثوية. كان الغرض عنده هو أن ينتشل النص الحقيقي من براثن الجهل وغياهب النسيان, وأعلن عن تفتحه الجنسي وهو في سن السادسة عشرة. يعتبر إدوارد في هذا المقال مناصرا لحركة المرأة في اهتزازاتها. إن النصوص التي كتبها عن الراقصة ‘ تحية كريوكا’ كان يهدف منها هز العالم العربي ليتفتح ويتفجر ويخرج من العماء عندما يشاهد أجمل امرأة ترقص. العالم العربي يحتاج إلى اهتزازات تحية كريوكا.

الرقص من التيمات الأساسية في المنظومة السوسيو ثقافية عند البشر, منذ أزمنة توغل في القدم. سأل زعيم هندي يدعى هاتوي رعيته:

هل تعلمون لماذا يريد الإسبانيون أن يقتلوننا؟ لأننا نملك الذهب.

كان بين يدي الزعيم الهندي سلة مملوءة بالذهب, فابتسم وقال لهم:

هذا ربهم! هيا نرقص له و نوصيه فلعله إذا سمع دعاءنا يأمرهم بأن لا يذبحونا.

ثم رقص الهنود الحمر حتى الإعياء. وبعدها قال هاتوي:

اسمعوني جيدا, سوف أرمي بهذا الذهب في النهر لأنهم سوف يقتلوننا بسببه.

وكذلك فعل ولما علم الإسبانيون بقصته شنقوه وقتلوا شعبه.

تنقر بسبابتها فوق خشب الطاولة وتذكر:

بسم الله الرحمن الرحيم.

تقلب صفحات بعض المراجع, مشتهية البحث عن تيمة الرقص. في صمت تقرأ بعض العناوين. الطلبة يوشوشون, تنقر مرة أخرى بسبابتها على الطاولة, فيعود الصمت, وتفتح كتابا, تقرأ:

ص 18 رقصهم, ص 180 يرقصون, ص… هذين الكلمتين من كتاب ‘رحلة ابن بطوطة’, دار التراث العربي, بيروت, طبعة 1968. يقول ابن بطوطة “…وطلب مني كبيرهم أن آتيه بالحطب ليوقدوه عند رقصهم, وأخذوا في السماع ومن ثم دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون.” ص 104 يرقص , ص 104.

تقرأ عنوانا آخر:

‘التنبيه المعرب’ السفر الأول, تأليف الحسن بن الطيب اليماني الخزرجى المكناسي ثم المراكشي, تقديم وتصحيح محمد لمنوني, الرباط, مطبعة المعارف الجديدة, ط 1, 1994, الباب الرابع, في أخبار الجزائر. السبب في وصولنا لها ما فيها من البهجة والرونق وكل ما تشتهي: “… ورقص يكون للرجال مع النساء, فكل رجل يرقص مع امرأة”. ص 92 الرقص, ص 92 رقصهم.

“تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة في الأعناق, وبعض الآداب اللائقة بالمكرمين بصحبة أهل حضرة الإطلاق بفضل الكريم الخلاق….. ويجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم ينكر عليهم وكان رقصهم بالوثبات والوجد … “. فتح الله ابن الشيخ سيدي أبي بكر البناني, مصر ( بشارع محمد علي ) , مطبعة التقدم بدون تاريخ.

أذكركم مرة أخرى بأن الشيء المهم والذي له قيمة عندنا في هذه المحاضرة هو الرقص. المرجع الأساسي هو كتاب ‘ مذكرات حكمت فهمي’ لأنها تكشف فيه عن أسرار العلاقة بين السادات والمخابرات الألمانية, إعداد حسين عبده, ط 1, 1990, كتاب الحرية 25, ص 5: “كانت الراقصة حكمت تتربع على عرش الرقص الشرقي جميلة فاتنة, وهي صورة للجمال العربي الأصيل . ذات جسد رائع, حركاتها متجانسة, ورقصها ممتاز’.

الكاتبة غادة السمان نشرت أخيرا كتابا يحمل عنوان ‘رقصة البوم’.

الأستاذة تؤكد على جميع الطلبة أن يتتبعوا كل الأخبار المتعلقة بالرقص. تقرأ عليهم خبرا نشر اليوم بصحيفة القدس 8 – 10 – 96, ‘الذعر يسود أوساط الراقصات المصريات بسبب حكم قضائي يمنع حضانتهن لأطفالهن…’

تقترب من الطاولة, تمسك ديوان ‘رقص مشتبه به’ وتدسه في المحفظة. تتأهب للخروج و تتساءل في صمت رهيب: جنت الطالبة ف- ب؟. الجنون غواية يشبه الرقص. تمسك بخشب جنب الطاولة و تقول متلعثمة:

يجب البحث عن الهامش الأنتروبولوجي في الثقافة العربية. يجب أن نفترض معنى داخل النص المغيب. يجب مساءلة هذا المعنى على أساس أنه حقيقة. مثلا تيمة الرقص في المتن الحكائي؟ الرقص في كل مكان؟ الرقص في الشقة المغلقة بالرباط؟ الرقص في باحة عرس تقليدي بدرب الحرة بمدينة فاس؟ الرقص في مسلسل الراقصة والطبال والحوار بين رجل سياسة وراقصة, عندما تقول نبيلة عبيد لرجل السياسة أنت ترقص بلسانك وأنا أرقص بكفلي؟.

يجب أن نسقط علامات الاستفهام ونكاشف الحروف في غليانها حتى نصاب بالدهشة ونصرخ. إياكم أن تخلطوا بين نبيلة عبيد الممثلة ونبيلة إبراهيم الناقدة .

تقول مازحة:

ربما شتمكم زوجها عز الدين إسماعيل.

يلذ لها الحوار مع الطلبة, لا تبرح مكانها وتقول لهم:

الرقص مهم وتقام له المهرجانات… ‘ رقصة المضلة’ بلندن ‘ بوبي أي’. الراقصة الأمريكية ‘سارة جيسيكا باركر’ أصبحت تؤدي تمريناتها على موسيقى الروك أندرول المسجلة من شعر جلال الدين الرومي.

يالتبس على الأستاذة الأمر وترغب بأن تعطي ملخصا للمحاضرة قبل أن تنصرف إلى قاعة الأساتذة. تتأخر في خروجها من قاعة المحاضرة, تذكرهم بأن الطالبة ‘ ف . ب ‘ المقيمة في باريس هي المحور الأساسي لهذه المحاضرة, وهي بداية الحركة النسائية الرائدة بالمغرب والمقيمة بفرنسا, ونعتمد فيها على الرقص. مرتبكة تقول:

انظروا معي ص 56 “سنة 1946 – أو 1947 لم يكن عمر الهادي قد تجاوز الثامنة, ذات صباح مشرق, ربما بداية الصيف امتلأت الأزقة والأسبله

استوقفتها كلمة أسبله, خفت صوتها وسجلت اللفظ على السبورة. التفتت قائلة:

الأسبله جمع, هل تعني السبل؟. إذا كان يعني المؤلف بالأسبله الأزقة فالجمع هو السبل, ومفردها السبيل. ومها جاء ” جنان سبيل ” , وإذا كان يعني السقاية حسب اللفظ بالدارجة المغربية وهي التي نسقي منها الماء فالجمع هو السبالات ومفردها السباله. إذا عدنا إلى كتب التاريخ نجد أن السلطان قايتباي أحد سلاطين المماليك في مصر قام ببناء السبيل عام 1498 ميلادية في مدينة القاهرة الفاطمية. يقدم السبيل الماء البارد للعابرين وأبناء المنطقة المحيطة بشارع الصليبية قرب شارع المعز, ويضم قسم من السبيل مكانا لتربية مجموعة من اليتامى الذين يقيمون فيه. يتكون السبيل من بئر ترفع مياهه إلى صهاريج بواسطة ناعورة, ويتم تبريد المياه عبر إغلاقها من علو مرتفع على رخامة تحمل منتصف غرفة السبيل فيندلع رذاذها عاليا في الهواء, فيتم تبريده ويجمع في حوض للشرب. يعتبر سبيل قايتباي أكبر سبيل في القاهرة , ويليها سبيل عبد الرحمن في شارع المعز, ثم سبيل محمد علي باشا… أسبة غير عربية. سبيل جمع سبل.

تتابع قراءة النص الروائي المقرر

“… اصطف الرجال والنساء والأطفال… في انتظار موكب المخازنية الذين يطوفون ‘الضب’ عبر مسالك المدينة كلها, تأديبا له على ما اقترفه في حق فتاة من عائلة معروفة كانت ضمن الفتيات الرائدات في الالتحاق بالمدرسة واللاتي خرجن سافرات…’

تقول لهم:

من المحتمل أن تكون فوزية هي زميلة البطلة ‘ ف . ب ‘ التي تعرضت إلى الاغتصاب عند انصرافهما من المدرسة. قادها عنوة إلى روض قريب حيث عذبها قبل افتض

اضه إياها بوحشية وفظاظة…. لقد كانت المرأة زمن الحماية يدافع عنها بغيرة من الحركة الوطنية, الآن أي حركة وطنية و أي علماء يقفون مع المدونة الجديدة.

يجب أن نؤرخ لبداية الحركة النسائية بالمغرب مع ‘ ف . ب ‘ سنة 1965 عندما حصلت على الباكلوريا وغادرت البيضاء إلى باريس. وننتبه إلى أن أختها أكبر منها اسمها مها رحلت قبلها, غادرت البيضاء إلى باريس 1958. المهم عندنا هو بداية إقامة الطالبة المغربية في البلد الآخر.

أبو أسد يريد أن يؤِرخ معها لهذه البداية يصر على أن ‘ ف . ب ‘ بداية للحركة النسائية خارج الوطن. يحدثها عن زميلته في السور بون ‘ ف . ب ‘:

صادفتها في باحة جامعة محمد الخامس بكلية الآداب, الرباط شتاء 1970. بعد أن درست شهرين… عزمت على العودة إلى باريس… قالت لي: سأعود إلى باريس وأنا مدركة أنها تغيرت عما كانت عليه سنة 1965 عندما وصلتها أول مرة, واعية بما أحدثته إقامتي من تبديلات لدي. أخيرا تجن, تفقد مدركاتها العبقرية وتعود إلى المغرب لتحتمي وسط عائلتها بالبيضاء.

كان الطالب المجد في باريس كلما شعر بالبرد القارص يجتاح جسده يكتب رسالة إلى منى بالقرية الجميلة. الطالب المجد في أروقة السور بون يحكي عن ‘ ف . ب ‘:

كنت أشعر أنها أكبر مني سنا, ربما لأنها أكثر مني إشعاعا, ومع إشعاعها الفكري الثاقب والسابق لأوانه, انسحبت من زمالتها. لا أعرف لماذا, ربما أوعزت ذلك لكبر سنها المحتمل, ربما لأنها تدخن أكثر مني, ربما لأن وجهها شاحب ومخيف, ربما لان يديها باردتان ترتجفان, ربما لأن جسمها نحيف دون شحم دافئ, لا يغري بالليل, ربما لأنها تقرأ ألف كتاب وكتاب في كل ليلة, وربما لأنني عندما أقترب منها وألمس خدها برفق أشعر بالبرد يجتاح جسدي. بسرعة البرق ابتعدت عنها, دخلت مورقة و اشتريت أوراقا ورسائل لأكتب رسالة حب.

“من باريس إلى اتزر

فاثنتي …”

تلح الأستاذة على تذكير الطلبة بأن التيمة الأساسية هي الرقص والحركة النسائية و التغيير. أحد الطلبة يرفع أصبعه و يقول للأستاذة:

لماذا لم يتزوج المهدي ب ” ف_ب ” ؟ رقصا معا أيام الجمر لكن كانت وحدها ترقص على الجمر لم يحصل التغيير جنت بعبقريتها . ما أجمل أن يطلب رجل امرأة للزواج وهي ترقص على الجمر فتشغل بالأولاد, وتعجن لهم الخبز, وتعصر لهم البرتقال و… و لا تنتظر الكوطا. كان على المهدي أن يكرهها على الزواج…

ترد ‘ ف . ب ‘:

“أشياء كثيرة كانت مهيأة في أعماقي لأصير المرأة العانس المغامرة الظمآنة المتحدية للحدود و المواضعات…

يقول الهادي:

” امرأة لا تعترف بغير ما يستجيب للرغبة. تتكلم بصوت مرتفع لتفهم ذاتها, وتنفذ إلى ذوات الآخرين, تناقض رموز التسلط, والوصاية في مجتمعنا وفي كل المجتمعات, تحلم بأن تجسد نموذجا آخر مغايرا لنموذج المرأة – الدمية “

تقول ‘ ف . ب ‘:

” لغيري أن تراجع نفسها وأن تميل إلى نصائح الأهل, فترتد إلى طريق الصواب وتنجب البنين والبنات, أما أنا فلا مناص لي من متابعة التجربة مهما كان المآل.”

الأستاذة يرعبها ما آلت إليه صاحبة هذه الأفكار الجريئة, وتحمد الله وتشكره أن جدتها لم تكن تحفزها على الدراسة. جدتها زهور كانت صائبة ومحقة, تتهجى الحروف دون أن تفقه معنى للكتب الفلسفية ودون أن تغرق في التجريد والتحليل. كانت تبحث عن الصور عندما تمسك بكتاب و تقرأ الحروف تاء, حاء, راء, ياء, راء. ما هي بقارئة للكتب, لكن تقرأ الحروف. أخوها عبد العزيز حمل معه في حجته الأولى مع والده, عندما عرج على القاهرة, كتاب تحرير المرأة, ليهيج به زملاءه بالقرويين, وكل زملائه يترجون استنساخه على عجل. الأم للا فضول يقلقها اللفظ الذي أصبح يتكرر بين زملاء ولدها عبد العزيز و تقول له:

كفى من المرقة لقد تميصت .

كانت لا تفقه شيئا من مساجلات زملاء ولدها بالقرويين, تخلط بين المرقة والمرأة. سيد العباس هو الآخر بأحد أركان الغرفة يلعن صحبة ولده إلى الديار المقدسة, ويلعن مروره على القاهرة. يحدثه صديقه ويقول له:

هل قرأت يا سيد العباس حديث الشفا بنت عبد الله.

يجيب سيد العباس على الفوز غاضبا:

هذا حديث يدل على الجواز.

يرد بصوت خافت:

لا تعلمهن حروفا ولا تسكنهن غروفا. الكتابة خاصة بحفصة رضي الله عنها.

في عجلة يقول:

هذا قول فاسد لوجوه منها: أن الأصل عدم الخصوصية, فلا بد لمن يدعي مثل هذا القول من دليل, وأين الدليل هنا؟.

للا فضول لا تقرأ حروفا. ‘ ف . ب ‘ غاوية قراءة وتنتظر من يهديها ألف كتاب وكتاب. الطالب المجد في باريس يزور زميلته رفقة صديقه, الشاعر الأسمر ذي اليدين الصغيرتين المكتنزتين الجميلتين, في شقتها بباريس. تمدهما بقطع من الحلوى التي أحضرتها معها من المعمل الذي تشتغل فيه, لا تتحرج في ذكر ذلك. تصف المعمل, تلعن تعب الأشغال اليدوية والحركة المستمرة, و تذكرهم أنها شبيهة بجدتها صانعة الحلويات المعلمة بنيسة. كعب الغزال عندما تعجنه لا يجف زبده. تبدأ مساجلاتها الفلسفية والأدبية والغاوية, مزهوة تبرز قوية منتصبة على عرش المعرفة, يخنقهما تميزها المنفرد و إشراقة فكرها المتوقد واتساع معرفتها. يحرجهما توقدها, يتقزمان, يغتاظان ويتبرمان من المساجلات. الشاعر يرجو رضاها يقترب منها يقرأ قصيدة و يذكرها بما صنع الطلبة أمس بالفيلسوف. كانت ضمن الطالبات المشاركات في ثورة مايو ‍1968 المنتفضات في وجه السلطة الثقافية. الطالب المجد يحكي عن أستاذ كان عميدا بكلية الآداب بنا نطر, وكان حجة في مسائل التأويل والفلسفة, هجم عليه الطلاب ودسوا رأسه في سطل. في لحظة ضحكت ‘ ف . ب ‘ ضحكة طويلة وقبلتهما معا قبلة حارة دون وجل.

التقت بالطالب المجد أول مرة قرب شارع سان جيرمان. اعتادت مجالسته كانت تحكي له كل أمورها حتى العاطفية, لا تتحرج. سألته ذات مرة عن أستاذ بالجامعة بالمغرب فقال لها:

إنه أستاذ وسيم وأديب ممتاز. نشرت له بعض النصوص في مجلة الآداب البيروتية فأصبح منذ ذلك الوقت أديبا مرموقا.

الأستاذة تقول للطلبة:

قد يأخذكم الظن إلى أن ‘ ف . ب ‘ شخصية وهمية من صناعة السارد وكذبة من الخلق المتعارف عليه في سجل التاريخ, لكن ‘ ف . ب ‘ غير ذلك. إنها تؤرخ لبداية الحركة النسائية للطالبات المغربيات خارج الوطن والمقيمات بفرنسا, إنها ليست من بلاد الشام مثل مي التي جنت وعلى إثر جنونها رحل والدها إلى أرض نائية بجبال الأطلس المتوسط مازالت تحمل اسم بوميه. ‘ ف . ب ‘, قبل أن تجن, تعرف عليها الطالب المجد الذي كان يعبر معها أروقة السور بون. تعرف عليها, دخل معها المطاعم الطلابية و رافقها بإرادتها اختيارا. يحكي عنها حكايات تفوق الهادي الذي حدثتكم عنه سابقا يقول:

نوع آخر من النساء يخرق كل المجالات الفلسفية والأدبية. ألحق إليها لأقرأ كتابا تحمله بيدها, فأزداد انبهارا. كانت تبدو عليها مظاهر النعمة, تعلم من حركاتها ولباسها أنها بنت عائلة كبيرة. تعرفت عليها خلال إقامتها في باريس ما بين سنة 1967 – 1970, وكانت ترغب في مجالستي. أنا كنت أشعر أنها تقتنص حداثة سني وقلة تجربتي مع النساء. عيناها عسل متعب, وجهها شاحب مكتظ, وفكرها حاد مخيف. كل شيء فيها غريب. أشعر بالبرد واكتب رسالة إلى القرية القريبة من بوميه, فأشعر بالدفء والحب يسري في عروقي, أطمئن.

منى تعلم بخبر معهد باستور بالدار البيضاء وشغب الدكتورة حنان. علمت من صاحبها أنها كانت صديقة ‘ ف . ب ‘ وأنهما شاركا معا في ثورة مايو 1968. منى معجبة بحنان لأنها تقف وتواجه الوزير, فلم يعد الوزير كوزير شهريار.

الطالب المجد يعرض عن مجالستها مرة أخرى. هي معجبة به, تراوده فيبتعد أكثر. يشعر بالبرد, البرد قارص , فيعبر جبال الأطلس المكسوة ثلجا, ينتعش ويكتب رسالة حب. يحلم, يكتب من باريس إلى قرية قريبة من قرية بوميه 10 – 3 – 1968

فاثنتي …

منى بخلاف ‘ ف . ب ‘ لا قدرة لها علي ارتياد الحلقات النسائية بجامعة فنسين. تقلقها لغة ‘هيلين سيكسو’, لا تفهم شيئا. صديقتها إيرين تجهد نفسها لتفسر لها ما معنى الأنثوية, تقول لها يجب التمييز بين أنثى أنوثة أنثوية. لا تفهم شيئا, لا شيء يفهم من كلام سيكسو. تحضر مرة أخرى صحبة صديقتها الفرنسية حلقات علم النفس النسائي, لا تفهم. تطلب منها أن تصطحبها إلى كوليج دوفراس لمشاهدة رولان بارث, لا تمانع. صباحا يوم الأربعاء الساعة العاشرة, ودعت صغارها أسد و آية بالمدرسة ثم التحقتا على عجل, كانت القاعة غاصة بالحضور قبل دخول الأستاذ رولان بارث وكان الصحفيون والطلبة يتزاحمون على قاعة المحاضرة. قالت لها صديقتها إيرين:

باقي القاعات غير مزدحمة و توجد بداخلها أجهزة الميكروفون لمن يريد سماع المحاضرة في هدوء.

أجابتها منى على الفور :

لا, أجلس أرضا وأستمع وأشاهد رولان بارث. أنا لا أريد المحاضرة, أريد مشاهدة رولان بارث.

كان رجلا نحيفا شاحبا, لكن المهم عند منى أنها تراه حقيقة ولا تقرا كتبه. لا ترغب في فهم ما عصي فك حروفه, فصديقتها إرين كانت تستجيب لرغباتها. كانت تحكي لها عن المساجلات الفكرية التي كانت تقام في شقة عم أبو أسد حتى منتصف الليل ببورت إيطالي, و أنها كانت تسمعهم يرددون عناوين لكتب في نظرهم مهمة لرولان بارث, وبعضهم يحملها متباهيا مفتخرا. كانت منى رفقة أسد وآية تحضر المساجلات الفكرية ثم تعود آية نائمة على كتفيها و أسد يجره والده شبه نائم. في مرات كثيرة لا تصاحبه وتظل تنتظر عودته متأخرا. كان يجالسهم في مسامرتهم طالب نحيل الجسم وطويل القامة, لم يعد يختفي مرة واحدة لأنه يدرس في باريس آمنا مطمئنا. هدأ روعه في الغربة, وبدأ ينتقل بين أرجاء دار المغرب, يتكلم في السياسة ولا يعتقل.

منى داخل القاعة تسمع رولان بارث ولا تفهم شيئا مما يقوله. تنظر إلى جسمه النحيل المخيف, هو بخلاف الجسم الذي شاهدته رفقة صديقتها الإيرانية. الرجل العجوز كان أكبر سنا من بارث لكنه كان يبدو قوي البنية. انتظروا خروجه, كانت منى رفقة أسد وآية وصاحبها, صلوا صلاة الظهر, وشربوا الشاي مصحوبا بأكلة إيرانية خفيفة, ثم عاد الشيخ إلى سكنه , فصرخ النساء وبكين, ترجين لقاءه وهن يرددن:

– درخواست ديدار .. الله أكبر .. الله أكبر

فهمت منى من كلامهن أنهن يطلبن مقابلته. وافق على ذلك, فنزعن الأحذية, وضعوها جنبا, و وتدفقن في شغف يقبلن يده بكل حب وإكبار. انفتحت أسارير وجهها وهي تنظر إليه حقيقة. كان يجلس على سجاد إيراني من الحرير اللامع, المصحف والأدوية بجانبه. بدأ بعض النسوة يطرحن عليه أسئلة باللغة الفارسية. ظل العجوز يجيب وقد وهنت قواه والأسئلة تنصب عليه دون توقف إلى أن حضرت سيدة, يبدو عليها أنها زوج ابنه, فطلبت منهن أن يعجلن بالخروج. وقفت عند الباب وكان يبدو عليها عدم الانشراح لهذه المقابلة.

بعد انتهاء رولان بارت من محاضرته حكت منى لصديقتها إيرين عن أمر زيارتها لآية الله الخميني . كانت بيدها صحيفة لومند الفرنسية وبدأت تقرأ عليها:

للغرب أن يخاف صعود نجم أية الله الخميني؟.

يعودان إلى البيت, فتدخل منى إلى المطبخ وتعد شايا أخضر. أبو أسد بالبيت يحدث صديقتها إيرين, يقول لها:

إن العرب لم يقدموا بعد للغربيين كشف الحساب لكي يفهموهم بالأرقام وبشكل عقلاني تماما أن الحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن مدينة للعرب لا على الصعيد المالي فقط, ولكن على الصعيد العقائدي أيضا. العرب لا الإسرائيليين أو الأتراك أو الفرس هم الحاجز الحقيقي ضد تقدم الشيوعية. العرب هم الذين يمنحون الأمان والطمأنينة للبحر الأبيض المتوسط, لأنهم يسيطرون على شاطئه الجنوبي وشاطئه الشرقي والبحر الأحمر, لأنهم يملكونه بأكمله, إنهم ما يزالون أكبر المستهلكين وأقدرهم على الدفع…

عندما كان يتحدث أبو أسد مع إرين كانت منى تتذكر حديث الأمس رفقة سيدة ألمانية كانت جالسة على مقعد بحديقة ‘ اللكسبمبورغ ‘, وكان بالقرب منها أسد وآية يلعبان. السيدة الألمانية تقربها سنا, فصل ربيع, السائحة في عطلة, تنتعش تدفئها شمس باريس وتقول لها:

Ah. so ein some!

لم تفهم لغتها لكن علمت من قولها أن الربيع في باريس رائع ومنعش, والشمس دافئة. هي لا تعلم أن شمس المغرب أجمل. تحدثا طويلا عن الشمس و أغرتها منى بالزيارة إلى المغرب. علمت أنها غير متزوجة ولا مثقفة ولا تعنيها الأمور الفلسفية والأدبية ولا الدينية فقد تحدثا طويلا. كانت بسيطة بلا عبقرية ولا جنون. منى في المطبخ تبتسم وتتذكر. تبادلا العناوين وواعدتها بزيارة إلى المغرب الصيف المقبل. كانت تحمل بيدها حقيبة خضراء, تنظر إلى الشمس طويلا, تدهشها الشمس الدافئة, تنتعش, وتغرق في صمت شبيه بصمت للا فضول. علمت عنها أشياء كثيرة دون أن تفقه لغتها الألمانية, لأن القاسم المشترك الكوني بينهما أعظم من اللغة.

في عجلة تجمع الأستاذة أوراقها المبعثرة من الطاولة وتدسها في محفظتها المختلطة. تعلن عن نهاية المحاضرة وتقول لبعض الطلبة المحلقين حولها:

الحصة القادمة نقرأ الماء في الرواية العربية.

منى تستمع إلى محاضرة أستاذة مغربية تدرس بالجامعة الفرنسية, الموضوع ‘منطق الرياضيات’ 13 – 10 – 96 مساءا. كانت سيدة بجوارها تخط بقلم أحمر على أوراق غير منتظمة, تلتفت منى إليها وتسألها:

أنت فوزية.

تجيبها ضاحكة كالمجنونة:

لا, أنا درية شفيق. درست في السور بون ونلت شهادة الدكتوراه ثم عدت إلى القاهرة واقتحمت البرلمان. كما أصدرت بيانا لوكالة الأنباء الأجنبية هذا نصه: ‘ أمام الظروف القاسية التي تتعرض لها مصر قررت بحزم أكيد أن أقوم بالإضراب عن الطعام حتى الموت وذلك ابتداء من الأربعاء فبراير سنة 1957 بالسفارة الهندية بالقاهرة, من أجل استخلاص حريتي الخارجية والداخلية. بصفتي عربية مصرية, طلبت من السلطات الدولية العمل على انسحاب القوات الإسرائيلية فورا من الأراضي المصرية, والوصول إلى حل عادل ونهائي لمشكلة اللاجئين العرب. كما طلبت من السلطات المصرية رد الحرية التامة للمصريين جميعا رجالا ونساء, بانتهاء الحكم الدكتاتوري الذي يسير ببلادنا إلى الإفلاس والفوضى. إني إذ أقدم على التضحية بحياتي بتحرير بلادي أتحمل وحدي مسؤولية هذا العمل, وقد تركت زوجي الدكتور نور الدين رجائي وطفلتنا, فإذا مسهم سوء فإني أحمل الضمير العالمي مسؤولية ما قد يصيبهم’

وقعته باسمي درية شفيق.

تتكلم درية (ف. ب.) بعصبية مسرعة وتقول:

هل قرأت تعليق جريدة ‘ ديفلت ‘ الألمانية التي أعلنت عن قضيتي. جاء في هذه الصحيفة: ‘ رفعت امرأة من وادي النيل لواء المقاومة, إنها درية شفيق و هي في السابعة والثلاثين من عمرها وزعيمة المنظمة النسائية بنت النيل. ‘

جحظت عينا الشابة المجنونة وقالت مؤكدة:

أنا درية شفيق. أنا رغم كل شيء أحب جمال عبد الناصر. عبد الناصر رفع رؤوس المصريين بعد انكسار طويل.

انتهت المحاضرة من إلقاء محاضرتها, صفق لها الحضور ولم تفهم منى شيئا. انصرفت المحاضرة رفقة أختها ‘ ف . ب ‘ وهي شبه مجنونة, وانصرفت منى رفقة أختها فدوى. كانت الأمطار تسقط بغزارة وهي تفكر في الرقص.

.

Advertisements