الفصل الخامس

السروال كولف والحداء ذو الكعب العالي

زهور تقفز حفيدها أمين و تغني له:

سيدي والله سيدو, كل من في الدار عبيدو, حتى لاله وبا سيدو.

تحضنه إلى صدرها, يفتح العقاد, تتسلل يده إلى ثديها و يخفق قلبه فرحا. الجدة تحب أمين أكثر من باقي أحفادها وذلك لأنها هي التي سمته برغبة منها أمين. تذكر أن أخاها حمل معه من القاهرة, بعد أن أدى مناسك الحج, كتابا أحدث زوبعة عند طلبة القرويين الذين كانوا يرجون استنساخه. هي تتعجب لرواجه بينهم. يقول لها أخوها:

هذا كتاب لقاسم أمين.

يعلمها حروفا على غلاف الكتاب. ترسخ بذاكرتها الحروف ت ,ح ,ر, ي , ر. تبتسم وهي تذكر ضحك الطلبة على أمها للا فضول التي كانت تخرج من المطبخ عندما يعلوا صوتهم وهم يتنازعون حول كتاب قاسم أمين. تسمع كلمة امرأة, تقول لهم:

كفا من المرقة [1].

يضحكون لخلط المرقة بالمرأة. تذكر أنها كانت ترغب في أن تسمي ولدها أمين و زوجها يمانع رغبتها . ظل الاسم عالقا بذاكرتها, تتزوج ابنتها, لا يمانع صهرها في التسمية سمت حفيدها أمين.

كانت منى تتأخر في النوم خلال عطلة الصيف, وعندما تستيقظ تشاهد جدتها تقفز أخاها و ترغب في أن تقفز مثله. تسمع صوت نسوة يغنين بباب الدرب. تخرج فتشاهد حلقات النسوة يغنين و يزغردن فرحا. الزغرودة تعجبها, تسمع أصوات النساء تعلو الفضاء فتشتد دهشتها. النساء خارج البيوت. يستوي نظرها على السروال المدرج بالدم, النساء يزغردن بصوت عال و الرجال يسمحون لهن بالزغردة والرقص والغناء. سروال بلدي قندريسة أبيض مدرج بالدم, بداخل صينية نحاسية, فوق رأس امرأة تطوف به وسط الحي. النساء يزغردن ويرددن كلمات لا تفهم معناها الطفلة منى:

هكا يكونوا بنات الرجال المحظيات.

لا تفقه شيئا, لكن الرحالة الفرنسي جان موكي يفقه كل شيء. يعرف أن النسوة ببلد المغرب يطفن بالسروال منذ زمن قديم. يقول:

في عام 1601 شاهدت النساء يحملن سروالا مضرجا بالدم و يطفن شوارع المدينة, ليعرف الجميع أنها عذراء.

أصوات النسوة يزغردن و يرددن بأصوات متناغمة:

أللا بنت الحرة في يد الرجال محظية.

سيدة ترقص بالصينية فوق رأسها, تنزع يديها و تتمايل على رؤوس أصابع قدميها, تلتوي كالحية و لا تسقط الصينية. تشتد دهشة النساء. تحط الصينية أرضا. ترمي كل سيدة ورقة عشرين ريال. تندس الطفلة منى وسط النسوة تدفعها كافلهن فتتمسك بالأرض. تتمكن من مشاهدة سروال قندريسة مدرجا بالدم عندما تتقدم إلى الأمام . يشتد روعها, تخاف الدم. الدم عندها مرتبط بصراخ النساء وبساحة الهديم. تدخل البيت و تسأل والدتها عن سر هذا التناقض. الدم في ساحة الهديم مقترن بالحزن والألم, والدم في حي الدريبة مقترن بالفرح والمسرة, أي عجب هذا ؟. تعيد السؤال:

ما سر هذا السروال المضرج بالدم ؟.

تقول لها في عجلة وبصوت خافت:

خرجت الصبوحي.

منى تعلم من خلال خفوت صوت أمها أنها لا تريد تفسيرا, وأن السؤال فيه قلة الحياء. تعلم ابنتها أنها لو عاودت السؤال لكان يوما عصيا على الذكر, ولرسمت على فخذ ها قرصة زرقاء تظل قائمة مدى الدهر. منى تلحق ببنات خالها وخالتها لتلعب في الممر الأسطواني

بنت خالها تمسك بكرة صغيرة. تضربها على الأرض, ترتفع, تمسها بكفها و تعود أرضا. تردد:

أن كنار سيتويو سي زن لوكوان

تسمع لغط البنات وسط الحي. تندس بينهن و يلحق أخوها أمين وسطهن. منى تذكر أن المعلمة حفظتهن القاعدة النحوية. قالت:

نخاطب جماعة الإناث بلفظ الجمع المؤنث, وإذا لحق بجمع المؤنث ذكر يتحول جمع المؤنث إلى جمع المذكر.

منى تحفظ القاعدة النحوية, لكنها لا تعرف ذكر أنثى. هي في صحبة دائمة تلعب مع الذكور والإناث. يتشابكان الأيدي و يمر باقي الأطفال ذكورا وإناثا, يرددون:

PASSE PASSE PASSERA LA DERNIERE LA DERNIERE

PASSE PASSE PASSERA LA DERNIERE RESTERA

في حلقة أخرى يرددن:

Napoleon- ET MOI LA SAINTE HELELENE

LA SAINTE HELENE ET MOI NAPOLEON

SI TU VEUX FAIRE MON BONHEUR

SI TU VEUX FAIRE MON BONHE MONA DONNE MOI TON COEUR DANS UN POT DE BEURRE

TOUT CHAUD TOUT FROID

LA SEMELLE DE MON SOULIER TOUTE TROUEE.…

. تمسك بحبل المطاط وتنط:

OH MAMAN J’AI MAL AU COEUR

UN PETIT VERGER EN FLEUR

C’EST MA SOEUR QUI M’A FAIT PEUR

يشتد لعب منى بالحبل المطاط فتلحقها والدتها وتنزع الحبل من يدها. تقول لها:

سينزل صباحك؟

تدخل باكية إلى المطبخ, تمص ليمون حامض. تنزعه منها وتقول:

سينزل صباحك أبيض إذا مصصت الليمون.

تشدها و تسمرها بجنبها. نادية بالقرب من أم منى, الحديث يروج بينهما عن الموضة والألوان. يزاوجان الألوان لإيلاف الثوب بثوب آخر في تناسق جميل مدهش. يفسد عليهما هذا التوهج الجمالي للألوان صوت النسوة بباب الحي. تقول لها نادية:

أبعد الله من الحي أهل البادية. عجبا منذ الصباح الباكر وهن يغنين بالسروال المدرج بالدم؟. عندما كنت صغيرة لم يكن يسكن بجوارنا أهل البادية؟. الآن يتجمعن مثل النمل؟. السروال مدرج بالدم هذا عيب؟.

أجابت أم منى قائلة:

هذه طقوس الزواج في البادية, الشيء الذي له قيمة هو الدم. ألم تسمعيهن يرددن أخرجت السروال, أطالت الرقبة و حمرت الوجه.

تنبه أم منى زوجة أخيها إلى أنها أحضرت المقص والسنتيمتر كي يكون المقاس دقيقا عند التفصيلة. تخبرها أن جاكلين, جارتها الفرنسية, علمتها كتابة الأرقام, وأنها تكتب من آن إلى سواسنت. اندهشت نادية عندما أمسكت قطعة القماش وقالت لها:

هذه كاتر متر مع زيادة, لا تقولي ثمان أذرع. أنت يا زوجة أخي لست طويلة القامة مثلي, سأفصل من هذه القطعة قميصا وسروالا. القميص على حد طولك والسروال كولف قصير حد الركبة.

كشفت عن ساقيها, ملفتة نظرها إلى مقاس الموضة الجديد و مستهينة بقلة معرفتها للموضة قائلة:

يا زوجة أخي أنا لا أحب سروال قندريسة [2] , إنه ليس موضة, يذكرني بفضيحة للا الشريفة زوجة أخ صاحبي. عندما كنا في الأسبوع الأول من زواجنا, كان من عادة وجهاء القرية أن يحتفلوا بضيوفهم فهيئ لنا حفل بدار القاضي. كانت الشريفة تضع على شفتيها عكار شديد الحمرة, وتلبس قفطان الدنيا جات [3], و سروال قندريسة. لما أقبلت, وضعت رجلها اليمنى على عتبة غرفة الضيوف فسقط لها سروال القندريسة, لأن التكة لم تكن ممسكة على خصرها جيدا. انطلق النسوة يتغامزن ويتضاحكن. أنا بخلاف للا الشريفة يا زوجة أخي, كنت قد وضعت العكار خفيفا , وضفرت شعري ضفيرة واحدة إلى الأمام وأمسكتها بقطعة ستان يحاكي لونها لون قفطان لابيسين المطرز بخيوط موبر أبيض ملفوف بسبائك من الفضة, ومنصورية مارشال لونها سبطي , وقميص جوهرة أبيض.

تقطع كلامها نادية, وقد استبدت بها الغيرة لشدة تباهيها بجمالها الفتان وأناقتها الباهرة:

– أنا جئت هذا الصباح لأفصل معك السروال كولف لا لسماع حكايات للا الشريفة.

تصر أم منى على إنهاء حديثها و تقول لها:

عند قدومنا كانت سجادة الحج الرقيقة من الحرير اللامع قد وضعت في وسط الغرفة الكبيرة احتفاء بقدومنا. الشريفة متغطرسة و لا تسعها السماء, في أتم زينتها. الأمازيغيات يرتدين لباسا بسيطا . ينزعن الحنديرة من فوق أكتافهن يضعنها جانبا تظل المزونات الفضية تلمع . يبدو لباسهن شفافا رقيقا أشد بياضا من نوع الثليجة, منسوجة من الحرير الحر , تسمى الشقة. يزين الخصر بحزام موزون من الفضة. كنت كثيرة الحركة في مكاني فيظهر سروال الكولف الذي ينحسر عند الركبتين و تنكشف ساقي. أشعر أني أكثر جمالا من باقي النسوة. أذكر كلمات النكافة عندما كانت تصرخ بصوت عال و تشهر بجمالي الفتان الحقيقي:

– هذا قضيب الخيزران

هذا الياقوت والمرجان

هذه الألماس الحرة .

تبدو نادية ساخطة ومتبرمة من غرورها بجمالها. تلتفت إليها أم منى و تقول:

نادية اسمعي لي الله يحفظك. ما أجمل السنة الأولى من الزواج.

تنشغل نادية بمقاس القميص والسروان بينما تنصرف أم منى إلى هلوستها تتدكر عندما عادت مع صاحبها في منتصف الليل إلى الدار الكبيرة, حيث كانت غرفة نومنا تقع بالمنزه الذي يطل على الحديقة, نزعت منصورية مارشال وقفطان لابيسين لتظل بقميص جوهرة وبسروال كولف. رفعت القميص و كشفت عن ساقيها. سروال الكولف ينحصر عند الركبتين و يبدو ساقها الوردي اللامع فاتنا وشهيا. تعرف ذلك من نظرات صاحبي. يبتسم, لا ينبس بكلمة, لكن صمته فيه ألف كلمة وكلمة. تزداد انشراحا لالتفاتات صاحبها وتغتر بجمالها كلما كشفت عن ساقها تلمع عينا ه. تتمايل على الفراش و تحمد الله على أنه لا ضرة لها, وأن صاحبها يلبس الكوستيم وشعره بالفريزي, وأمواله عريضة ورثها عن شرفاء القرية. عندما كانت تتمايل على الفراش سألته عن سيدة حضرت الحفل, تتحدث بالفرنسية والأمازيغية, ولباسها فرنسي تضع فوقه حنديرة, حظيت باهتمام أهل البيت. أجابها بسرعة كأنه يعرفها: “إنها مدام لوبوا, زوجة الفرنسي جاك, أول من ملك منشار الخشب في القرية. أغرم ببنت الكابران الذي كان يدير معه المنشار. توفي الكابران وتسلمت البنت مهام والدها فظهرت مهاراتها مبكرة وأعجب بجمالها صاحب المعمل فتزوجها.”

تذكر أم منى أنها تعجبت من هذا الزواج لكن صاحبها قال لها ليست المرأة الأمازيغية الوحيدة التي تزوجت فرنسيا. مدام روز تزوجت صاحب ضيعة بالقرب من مريرت. كان زوجها يدير مهام الضيعة و توفي وهي دون العشرين سنة. ترك لها ثلاث أولاد فبادرت بإدارة مهام زوجها. كانت تمد الفرنسي بقصعات الكسكس الطري المفتول بيديها وتصب عليه الحليب فتزوجها حبا و إعجابا.

مازالت نادية تقلب قطعة الثوب التي انصرفت أم منى عن تفصيلها واسترسلت في هلوستها عن جمالها الفتان و أول سنة من زواجها بالشريف. تقترب الخادمة من أم منى, تحمل رسالة سميكة. تقول لزوجة أخيها:

هذه قائمة الهاتف

تفتح الظرف و تعد الأوراق الغليظة. تقرأ الأرقام:

كترفان ديزناف اتزر.

تضرب نادية على فخدها متعجبة. أم منى تقول لها:

لا تتعجبي يا زوجة أخي, حقا تعلمت قراءة وكتابة الأرقام بالفرنسية. صديقتي جاكلين علمتني الكتابة وصاحبي علمني الكلام بالفرنسية لأطلبه عبر الهاتف. عندما أحسن عد الأرقام ينتفض مهللا: “برافو شيري”. أنا تعجبني كلمة شيري , أشعر بالحب يسري في جسدي وأعرف أنه يعزني.

نادية تقف من مكانها غاضبة متعللة بان السروال لم يفصل بعد لحديثها الطويل. تطلب منها أن تصاحبها إلى دكان القباج لتختار معها قفطانا جديدا موضة. تقول لها:

نخرج لشراء قفطان ولمشاهدة ملصقات على حائط سينما مونديال. اسمهان صدرها عار وشعرها مقصوص.

أم منى تقول لها مفتخرة:

لقد شاهت اسمهان البارحة في فيلم ” غرام وانتقام “. دخلت مع سيدي محمد إلى السينما.

يدخل صاحبها و يطلب منها أن تعد الشاي. تسرع إلى المطبخ, تأمر الخادمة بذلك و تعود بسرعة البرق. تسمع صوت نادية خافتا:

ما أجمل لون بشرة سيدي محمد. إنها تشبه اللوز مقلي في الزبد الطري. الله يحفظ لنا الشريف ولد النبي.

أم منى تحترق, تخرق جيدها سكاكين حادة و تشتعل نارا بالغيرة. تعلم في هذه اللحظة أنها مغرورة, تعلم أن الجمال وحده لا يكفي, تعلم أن الرجل يحتاج إلى الغزل وأن تقول له المرأة أنت سيدنا السلطان. تستغرب لذكاء زوجة أخيها مع العلم أنه لا ذوق ولا جمال لها. تتعجب كيف تملك هذه الكلمة الأنيقة “اللوز مقلي “, كيف ربطت سمرته باللوز. تزداد غيرة و تشتعل نارا. تتعجب ؟ صاحبها تنفلت عيناه و تود الانقضاض على نادية. يرغب في الانحناء ليقبل يدها ويقول لها:” أنت زهر اللوز”. يغض بصره, يربط شهوته الحمقاء و يصرف عنه السوء والفحشاء. ينسل من مكانه و يجري إلى الباب, وهو يقول لصاحبته:

اسمحي لي بالخروج للبحث عن أخيك ليتناول وجبة الغداء معنا. سأحضر لكما قطعتين قميص جوهرة من دكان القباج.

ينصرف بسرعة, تقطع نادية يدها بالمقص و يسيل الدم على السروال كولف. يفسد مزاج أم منى و تشتعل نارا. تنتبه في لحظة إلى غباوتها العرجاء, تعرف أنها ضالة بليدة. لم تستطع أن تغلق الأبواب يوما و تفرح صاحبها بكلمة منعشة, يشعر من خلالها أنه أجمل رجل في العالم. تتألم وجعا. تنصرف إلى وسط الغرفة الكبيرة, تستلقي على السجاد التركي و تمارس بعض التمارين. تجلس على الأرض, تفتح ساقيها أكثر قدر ممكن, تشد بأصابع يدها أصابع قدميها, يمس صدرها الأرض. ينقسم الجسد شقين و ينطوي الأعلى على الأسفل. عندما تقبل الأرض, تعرف منى أن أمها أنهت التمارين الرياضية.

تقترب نادية من أم منى, تهمس في أذنها, يبتسمان. تسمع منى كلمات, يستعص عليها الفهم , تفهم الليل و تعرف أن الليل مخيف فيه ظلمة حالكة. تلتفت الأم محرجة إلى موقع منى بجوارها و تقول لنادية:

الطيور تيلقطوا الزوان.

عندما تسمع منى هذه الكلمة, تعرف أنه يجب أن تفر للعب في الممر الأسطواني وتترك أمها وزوجة خالها يتكلمان عن الليل. تعود منى بجوار أمها, تريد أن تعرف أسرار الليل. تقول لها:

اذهبي عند جدتك وقولي لها اقلي الفول واقبطي المرسول.

تحفظ منى الجملة كاملة حتى لا تضيع من لسانها. تعبر الطريق وهي تردد كلمات, لا تفقه معناها وعندما تصل تضحك جدتها و تدخلها إلى الغرفة الكبيرة, لتلعب في خزانة كتب جدها المغبرة. تبحث منى داخل الكتب عن صور لتعطيها لابن خالها رضا يضعها في السينما. تغرق في البحث, لا تجد أي صورة, لا تجد إلا حروفا علمتها إياها أمها. تمسك بيدها مجلة, رسالة المغرب, السنة الأولى. تفتحها: الكاهنة داهية. قصة تصور حياة سيدة أمازيغية عاشت في المغرب قبل دخول الإسلام إليه. تمسك بمخطوط و تفتحه.

” جنبوها حبائل الإطراء امنعوها من كيد أهل الرياء

.

علموها أن المحاسن حسن ال عقل لا حسن منظر ورواء “

تفتح كتابا آخر.

” وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال”

يحلو لها أن تقلب صفحات الكتب لتنزع الصور. تعجبها الكتب المغلفة بالجلد والمكتوبة بالذهب, بعضها محفوظة في محافظ لها مجدول تعلق منه. تمسك بكتاب تتصفح أوراقه الصفراء “بهجة المحاسن وأنس المجالس وتحدي الذهن والهاجس” , تأليف ابن عمر بن يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر التمري القرطبي 368-463 . مازالت لاهية بالكتب. تفتح كتابا آخر ” من أراد النجابة فعليه بفتيات فارس, ومن أراد الخدمة عليه بفتيات الروم, ومن أراد الحب عليه بفتيات المغرب ….”. منى ما تزال عابثة بكتب جدها المغبرة, تبحث عن الصور. تفتح كتابا آخر مغبرا أكثر من الكتب السابقة. الخصائص الكبرى للسيوطي, الجزء الأول. تقلب صفحات الكتاب بسرعة , تقف عند صفحة 532 . …والله رأيت النساء يشددن على الجبل وقد بدت سيقانهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن؟” منى تفتح القرآن الكريم “ …كشفت عن ساقيها …”.

تلتفت منى لجدتها وهي تطوي الغسيل بقرب عتبة الغرفة الكبيرة. تصب ماء الورد على الغسيل, تفك ثناياه وتطويه. تنهض, تحنو على حفيدتها و تقبلها قبلة كبيرة. تمدها بقطعة غريبة مسوسة [4], تلتهمها الطفلة بنهم شديد, تقبل جدتها قبلة حارة و تتعلق بصدرها لتفتح عقد قفطانها. جدتها تتركها تلهو,لا تعنفها عندما تفتح الكتب. الجدة لا يهمها أن تضيع ورقة من كتاب, وعندما تشاهدها تمزق ورقة لا تبالي بذلك فالكتب لا تهمها. كتاب وحيد هو النظيف. تقدسه و تمسكه وهي مطهرة. تقبل غلافه و تفتحه.

تقلب منى النظر في أركان الغرفة. ترغب أن تمد يدها الصغيرة الفتية لتلمس فناجين وصحون القهوة. تقترب منها الجدة بسرعة البرق, تمسك بأحد الفناجين, تقلبها على ظهرها و تقول لها:

-اقرئي الحروف المخطوطة م ن ش س ت ر.

تخاف أن تسقط فناجين القهوة على الأرض. تقول لها:

سأعطيك الفناجين يوم صبوحك.

تخاف منى عندما تسمع صبوحك و تزهق هاربة صوب الباب . تصل سكنها بسرعة البرق و تسأل أمها:

الصبوحي؟

تحضنها أمها إلى صدرها وتنام نوما خفيفا , يشتد الحوار بين نادية ووالدة منى, الليل, العري, النار. منى نائمة . تغني نادية:

النار الحمرة أسيدي في الجوف كاديا.

يكثر حديث نادية عن الليل. تلتفت أم منى إلى أنوثة طفلتها المبكرة وإلى شغفها بسماع الحوار. تمسكها إلى صدرها, عندما تفتح العقد تعلم أنها استيقظت تسمع الحوار كاملا. تدفعها على الأرض قائلة:

اخرجي والعبي مع بنت خالك بالحبل المطاط.

تقول لزوجة أخيها نادية:

الطيور يلتقطن الزوان[5].

عندما تسمع منى هذه الكلمة تعلم أن الحوار اشتدت حرارته وبدأ يخرق المحرمات ويدخل في قلة الحياء. الكلمات توقظ أنوثتها مبكرا. تعلم منذ هذا السن أن العري حقيقة, القميص والقفطان والمنصورية كذب, الليل لا لباس فيه, الليل عري والنهار لباس. نادية حريصة على تفصيل قميصها. أم منى تفكر و تقول لها:

مائة تخميمة وتخميمة ولا ضربة بالمقص.

تستعد نادية للخروج رفقة أم منى, لشراء أثواب فاخرة من عند دكان القباج في حي الروامزين, الذي يستورد سلعا فرنسية متميزة. تقول لها:

– أيتها البلهاء ارفعي قب الجلابة قليلا, اتركي الحاجبين يظهران و انزلي اللثام أسفل لتظهر وجنتاك . أنا آسفة لهذا الجمال الفتان المغطى باللثام .

ترد أم منى محتشمة:

– اخجلي من كلامك يا زوجة أخي. لا أريد أن أنزل اللثام قليلا. ألا تخافي أن نصادف والدي عائدا من الزاوية فيشتمنا لهذا الفجور.

تستهزئ منها نادية و تقول لها :

حمي شيخ هرم يجب أن يلتفت إلى سبحته وسجادته, يكفينا حكم أزواجنا. ألا ترين كيف يلبس زوجي وزوجك الكوستيم. يجب أن ننزل اللثام قليلا إلى أسفل حتى لا نجرح عيوننا . غيري هذا اللثام, إن السوسدي الطويل والمطرز بالرباطي وبالمرمة لم يعد موضة ,غيريه.

تلفت نظرها إلى أن لثامها من المسلين الناعم الشفاف, قصير يظهر الجيد, مطرز بطرز ماكنة سانجيسر [6] و رسوماته ورود مخرمة, عند الحركة يظهر الجيد كاملا لأنه قصير. تقول نادية ساخرة:

– لثامك كبير, نصف متر من المسلين يكفيك, وعند نهاية أطرافه امسكيه بحبل مطاط على قفاك, ستلاحظين أن القطعة على وجهك ناعمة. اسمعي لي جيدا, نخرج إلى حمرية وندخل مونوبري لنشاهد الفرنسيات في أناقتهن البالغة. أريد أن أشتري صباط طالو[7].

أم منى لا تسمع كلامها تلكزها بمرفقها قائلة:

– ألم تنتبهي يا زوجة أخي في حفل خطوبة أخي أحمد إلى اللباس الذي كانت ترتديه أخت العروس, قفطان لونه يحاكي شعر الجمال من نوع طافطا [8] حرير, رسوماته ورود مرصعة بخيوط الذهب وفوقها موزونات [9] كبار في حجم اللويز, وفوق القفطان ترتدي منصورية من نوع الفشوش [10] من المسلين الملون بألوان تحاكي الورود والزهور

تقاطع كلامها نادية قائلة:

– حذار أن تلبسي مرة أخرى قفطان لابيسين ومنصورية مارشال, لقد أصبحت معروفة بهما في كل الأفراح. غيري لباسك بلباس موضة جديد فزوجك أنعم الله عليه بالرزق الوفير.

أم منى تستهجن كلامها. تصمت تفكر ثم تقول لها:

– زوجة أخي ألم تنتبهي إلى شعر أخت العروس مقصوص كوب كارصا [11] . أنا سمح لي سيدي محمد بقص شعري وذلك عندما شاهد شعر صديقتي الفرنسية جاكلين مقصوصا. قال لي قصيه قصيرا أنا أحب أن أراك بلا ضفيرة.

نادية تقول:

– لنخرج لشراء الصباط طالو قبل أن تقفل الدكاكين في حمرية.

تصمت أم منى لحظة لا تسمع كلامها , تعود نادية إلى الاسترسال في الكلام بصوت خافت متناغم:

– آه لو علم خالي سيد الهادي بأمر خروجي إلى حمرية لشتمني. لقد كان يحكي لنا أشياء غريبة عن فرنسا عندما كان مختفيا عندنا في بيتنا بالمولى إدريس زرهون. لو علم بأمر خروجي, لقلت له: أحب الموضة لهذا أخرج إلى حمرية, وأنبهه إلى أنني كذلك أخرج إلى ساحة الهديم, أصرخ أزغرد وأردد الأناشيد الوطنية التي كنا نرددها معه

“يا ملك المغرب يا بن عدنان الأبي

نحن جند للفدا نحمي هذا الملك”

نادية تتكلم مشجعة أم منى للصعود إلى حي حمرية, لكنها تظل غافلة عنها, لا تلتفت إليها, لا تفكر في السباط طالو , تعرف أنه مرتبط بطلاق أمها. تذكر حكاية حقيقية روتها لها والدتها, تقول لها:

يا زوجة أخي, قالت لي أمي: “مرة شاعت موضة صباط طالو بين نسوة أهل فاس, فطلبت من دادا الياسمين أن تخرج إلى دار دبيبغ [12] وتشتري لها حذاء بكعب عال.

كانت قد شاهدت من قبل نساء مانشستر متبخترات في خيلاء, تسعفهن الطرقات المستوية الواسعة على المشي. لما شاهده والدي في قدمها طلقها بالثلاث وفر هاربا إلى أصدقائه يخبرهم بمغبة الأمر. كان أحد أصدقائه عالما من القرويين, قال له: “الحاج هذا حرام, تلعب الكارطة [13] مع أصحابك وتقسم بالحرام وتطلق زوجتك عندما تعرف أنها اشترت صباط طالو واستبدلته بالشربيل ؟. هذا كثير على نساء المغرب, نسيت أيام كنا طالبين بالقرويين ننسخ كتاب قاسم أمين مستحسنين أفكاره. نسيت أنك كنت تقول لي في مانشستر نسوتهن أنيقات, المرأة في بلد الوندريز فاتنة تتهافت على الموضة وتغيير لباسها. أنسيت ترديدك للحديث الشريف “المرأة أكثر شهوة من الرجل بتسع وتسعين مرة, لكن الله أوقع في قلبها الحياء”. الحمد لله أن أختي تزوجت بعد موت زوجها في مانشستر زوجا مصريا ولم تعد إلى بلد المغرب. عندما أؤدي مناسك الحج أعرج على القاهرة وأجدها سعيدة. الرجل المصري يلاطف زوجته. ألا تعرف أنك ظالم ومعتد وعنيف. كلمتك الأولى علي بالحرام. ينطقها لسانك بسهولة ويسر. والله إن هذا الظلم كثير عليها. تخيفها بالطلاق لأنك تعرف أنه لا عمل لها تكسب منه قوتها. ألا تعلم أن منهن من يستطعن أن يعلن أسرهن بعد موت أزواجهن. ألا تعرف أن صانعة الحلويات للا بنيسة اشترت سكنا بباب الخوخة.”

نادية تستهجن كلامها تعده خرافات تقول لها :

كفى من الخرافات, أسرعي لنفصل سروال كولف و لنخرج إلى حمرية.

أم منى ترفض الخروج إلى حي حمرية لشراء الحذاء ذي الكعب العالي. نادية تراودها و ترجوها للخروج.

أم منى لا تقرأ الكتب الضالة, ترغب في قراءة كتاب مقدس واحد. تديم القراءة علانية وسرا. لكن إذا حصل وقرأت كتابا ترغب في العثور على الصور لتعطيها لابن أختها رضا ليضعها في السينما. لا تغريها الكتب ما هي بقارئة, الحروف تتهجاها على مهل. القراءة لا ترغب فيها. نادية لا تعرف الابتكار. أم منى تجهد نفسها الساعات الطوال لتفصل سروال كولف و تزاوج الألوان في ذكاء حاد, لون الفوقية سماوي, والقفطان زواني والسروال سبطي. منى الطفلة بجوار والدتها وزوجة خالها لا حق لها أن تنبس بكلمة, ولا أن تبدي رأيها في التفصيلة وزواج الأوان. تصمت و تخرج لمشاهدة سروال قندريسة جلط بالدم.

يسمع صوت للا زهور في داخل الغرفة ما زالت تقفز أمين . تختلط الأصوات .


[1] – المرقة : الماء والزيت والتوابن الدي يطيب فيه اللحم

[2] – قندريسة :

[3] – دنيا جات :

[4] – غرييبة مسوسة : باللوز وأصفر بيض الدجاج

[5] – الزوان : نوع من الحبوب يأكله الطيور .

[6] – سانجير : آلة خياطة وطرز ظهرت أيام الاستعمار الفرنسي .

[7] – صبط طالو: حذا النساء ذو الكعب العالي

[8] – طافطا : نوع من الثوب النسوي قفطان ز

[9] – موزونات : موزون

[10] – الفشوش :

[11] – نوع من قص شعر النساء

[12] – دار البيبغ : حي يسكنه الفرنسيون بفاس أيام الاستعمار

[13] – الكارطة : لعبة الورق

Advertisements

الفصل الرابع

الطلاق…. شبيه بالحمام

للا زهور تعبر الدهليز, لتودع ابنتها ليلة زفافها غاضبة والألم يعصر قلبها. تقول لزوجها:

أقسم بالله العلي العظيم, أن ابنتك إن شاء الله ستطلق من هذا الشيخ المتزوج وستزف إلى شاب صغير عزب, شريف ولد النبي, يلبس الكوستيم[1] , وشعره ب الفريزي [2] , وله أموال عريضة ينعم علينا بسخاء وكرم شديدين.

أم منى تشتكي لوالدتها كعادتها عن بعض مشاكلها الزوجية. زهور لا تفتأ تعنفها بقسوة, تأديبا لها على حماقاتها, مستنكرة مواجعها. تقول لها:

لقد تزوجت مرة ثانية شابا عزبا, يلبس الكوستيم , وشعره ب الفريزي و له أموال عريضة. كل ما تطلبين من حلي وملابس يشتريهما دون تردد. لقد اشترى إليك في صباحك الأول * مضمة* [3] مرصعة بالياقوت والألماس , لم تحلم بامتلاكها أي عروس في ذاك الزمان . احمدي الله واشكريه. إذا سافر لقضاء شغله فهو رجل وإذا عاد رجل. الرجل معدن الذهب لا شيء فيه يتغير. هل تريدين أن تشفي فينا الأعداء ؟ تطلبين الطلاق مرة أخرى؟. سيشمت فينا طليقك, إنه مازال ينتظر عودتك إليه. لقد اعتدت الشكوى, فعند زواجك الأول من الحاج كنت تشتكي وتحتجين بأنه كبير السن, و أن ضرتك في مثل سن جدتك…

تشعر أم منى بألم من جراء تعنيف والدتها و تدخل إلى المطبخ. تصمت الأم لحظة ثم تعيد شريط زواج ابنتها بالحاج.

حقيقة كانت تؤلمني وحدتك وأنت تعبرين جوانب الرياض الموحش خائفة, عندما كنت تزوريننا رفقة الحاج. تختفين في إحدى الغرف ولا تقبلين صحبته. تقيمين في بيت والدك شهرا, شهرين, ثلاثة. يظل يتردد على دارنا, يحمل إليك الهدايا النادرة, منصورية من نوع مرشال وقفطان لابيسين . كنت أستعطفه عندما تتكرر زياراتك إلى دار والدك و أقول له: “ الوحم صعب. طول النهار وهي تتقيأ, لا يستقر الطعام ببطنها, الدوخة تقتلها.” ألاحقه إلى الممر الأسطواني, أصل باب الدار والدموع محتبسة في عيني, ينصرف غاضبا.

لما ولدت للا نائلة المباركة المسعودة , أقام لها العقيقة في مستوى وجهاء المدينة وأغدق عليك هدايا ثمينة , منها أقراط من الذهب المرصع بالماس الحر, و’ طانكي ‘[4] من الذهب المرصع بالياقوت, و’ خيط الريح ‘[5] مخرم بنقوش .

الحق يقال أنه رجل شهم لم يأخذ من لباسك الفاخر وذهبك الثمين أي شيء بعد طلاقك. كان كريما ودودا هادئا طيبا معك أنت وحدك. لكنه مع ذلك طالبنا بالخلع حين أراد والدك تطليقك منه. طلب منه مائة ألف ريال, وكانت غايته تعجيز قدراته المالية, خصوصا بعدما علم أن تجارته آلت إلى الإفلاس, مما دفعه إلى بيع قطعة من الأرض في مزرعته بمائة ألف ريال بسيدي سعيد. كانت المزرعة محط نزهاته في فصل الربيع وقريبة من قيسارية بريمة مكان تجارته . عندما قدم له المائة ألف ريال قال له:” زوجتي لن أطلقها.” عاد الأب المسكين باكيا والدموع حجر لا يتحرك من عينيه. استنجد بأبناء عمه, حماد والمفضل و الخليفة امحمد, وبعد أخذ وعطاء في الكلام قال له ولد عمه الخليفة:

إذا كنت عازما على طلاق ابنتك فيجب أن نستعمل معه الحيلة. ابحث على شي مانرة [6] ولا شي خنطقرة [7] .الشهر القادم رمضان المبارك, في هذا الشهر لا يستعمل ‘ السبسي ‘[8] , ولا ‘ التنفيحة ‘[9] فيفسد مزاجه, في ذلك الوقت يمكن التحايل عليه ومراوغته لتطليق ابنتك.

وهكذا حصل طلاقك في شهر رمضان المبارك, وفي العيد الصغير قدم شاب عزب يطلب خطبتك. كان يلبس الكوستيم , وشعره بالفريزي , ولد النبي , له أموال عريضة ورثها عن أجداده الشرفاء. وعقد قران زواجك في عيد الأضحى.

أم منى بداخل المطبخ تتذكر. كان الحاج يلاطفها, يحنو عليها و يرصع أذنيها بأقراط من الذهب الناصع المنمق بالألماس الحر. ينظر إليها الساعات الطوال هياما وعشقا, يقول لها:

– فاتنتي, أنا خادم تحت قدميك. ابعدي عنك خرافة الضرة. أنت لي وحدي. ضرتك خار عظمها ويبس جلدها, وقل نظرها. كل همها منصب على زواج بناتها التسع قبل أن يعنسن. أصبحت مشغولة بأولادها و لا تفكر إلا في الطبخ لأحفادها .عروس ابنها البكر تزيدها نكدا وغما. لا يهدأ روعها ولا يستنير وجهها إلا عندما تتردد الخطابات على دارها , أو عندما يملأ خزين عولتها [10] , فتسهر على تنظيمه وإغلاق خوابيه [11] بخرق مبللة بعجين تدقة . قولي لي فاتنتي, ماذا تطلبين, أنا خادم بين يديك. لا أريدك أن تبرحي سكني, أنا محتاج إليك اليوم أكثر. ماذا تطلبين ؟

بصوت خافت ولسان متلعثم تقول:

أريد أن أخرج إلى حمرية [12] , لأشاهد أناقة الفرنسيات , سافرات شعرهن مقصوص و يمسكن بيد أصحابهن.

ركبت سيارته الفخمة المجنحة. كانت السيارة الوحيدة التي تعبر ذاك الزمان ساحة الهديم لتخرق حي الروامزين في اتجاه حي حمرية. يسوق الشيخ سيارته وهو في كامل أناقته بجلبابه البزيوي [13] وبلغته المدفونة. كان يبدو عليه الشباب المتوهج من خلال قوة حركاته وكبر جسمه. يحدثها مفاخرا بما جمع من مال وفير, يقول:

أنا أول رجل تعلم أن يسوق السيارة في مدينتي. اشتريتها من أجلك فاتنتي. أنا يهاب أمري تجار قيسارية بريمة. أنا ذهبت إلى الحج تسع مرات و حرمت من بيت المقدس. سأحج معك السنة القادمة إن شاء الله, وأعرج بك على القاهرة لمشاهدة أم كلثوم تغني بكازينو الزقازيق.

يغني لها:

وحقك أنت المنى والطرب.

تنشرح, تبتسم. يبدو على وجهها قنوط غريب يقول لها:

أنا قلق على أخي الصغير جليل, إنه مشاغب دخل في خلايا وطنية سرية, لقد قبض عليه الفرنسيون أمس.

تحققت دعوات السيدة زهور. طلقت ابنتها, وزفت إلى شاب عزب, ولد النبي, يلبس الكوستيم, شعره بالفريزي, و له أموال عريضة ورثها عن أجداده الشرفاء. ينعم على أسرة زوجته بسخاء وكرم شديدين. الحاج عبد الكريم يشعر بغربة ابنته. يقترب منها وهي تحفظ صغارها سور القرآن الكريم, وتخط حروفا … التاء ... الحاء … الراء … الياء. يشعر بقسوة الزمن عليها و يبادر بعودته من الزاوية لمجالستها. يقول لها:

الصبر, الصبر يا ابنتي يكسر الحجر. رزق صاحبك في”اتزر” , هذا قدرك.

تغني بصوت خافت قربه:

مكتوبي انصرفو باللازم علي .

رددي معي يا بنتي.” حسبي الله ونعم الوكيل “

يمسك بيدها مواسيا, يقول لها:

رددي معي هذه الأدعية

” الله يا مجيب الدعوات, ويا مفرج الكر بات من فوق سبع سماوات, ويا فاتح خزائن الكرامات, ويا قاضي حوائج السائلين, ويا سامع الأصوات, ويا غافر الزلات, ويا مقيل العثرات, ويا منزل البركات, ويا من أحاط بكل شيء, أسألك أن تصلي على سيدنا محمد, وأن تقضي حاجتي وأن تنجيني من الغم والغباء والغفلة. سبحان المفرج عن كل محزون, سبحان المنفس عن كل مديون, سبحان الميسر لكل معصور, سبحان العالم بكل مكنون, سبحان من جعل خزائنه بين الكاف والنون, سبحان الذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. “

أم منى تنهض متثاقلة بالقرب من والدها, تستأذنه الدخول إلى المطبخ لتعد وجبة العشاء. تقلب قميص جوهرة المذيل على قفطان الملف و تمسك بمذيلته في حزام خصرها. يلتفت إليها والدها مؤنبا:

هذا حرام يا ابنتي لقد ظهر سروالك الكولف. إن الإمام الغزالي يقول: للمرأة عشر عورات, إذا تزوجت ستر الله عورة واحدة, وإذا ماتت ستر القبر باقي العورات.

الحاج عبد الكريم قلق على ابنته. للا زهور آمنة مطمئنة عليها , تتردد على سكنها بحي الدريبة. تنتعش وتسر لصحبة ابنتها لشاب عزب يلبس الكوستيم وشعره بالفريزي. يقضي معها ليالي دافئة مليئة بالحب والاطمئنان. تردد في نفسها:

ا بنتي أحسن مني بكثير. أنا لما فتحت عيني وجدت شيخا هرما قفة من العظام , وأبناء الخادم يكبرونني بسنين. كسدت تجارته, عندما بدأت أزوج أولادي قل ماله وخار عظمه. عجز وما زال حماد في الباك الأول وحبيب في البروفي. أبكر في الصباح لأخيط القفطان والمنصورية والقميص والسروال بآلة الخياطة سانجير وأشتري لهما الكتب .

للا زهور استجاب الله دعاءها. نال المغرب استقلاله, زغردت النساء من أعلى السطوح, و وراء الأبواب. توفيت للا البتول أخت زوجها بالضغينة وغصة الألم تحرقها, لأن زوج ابنتها الوزير فقد سلطته الإدارية بذهاب السلطان محمد, و عودة محمد الخامس من منفاه إلى المغرب. كانت السيدة زهور عندما تغيظها أخت زوجها, تصعد إلى السطح وتشهد عليها الجيران, تنزع المنديل من فوق رأسها, تعري شعرها وترفع عينيها إلى السماء متضرعة ومتوسلة إلى الله. تصرخ بأعلى صوتها:

سينال المغرب استقلاله إن شاء الله وسنشمت بوزير السلطان محمد.

تحققت دعوات للا زهور .شهد ت لها الجارات بالبركة وشمتت ببنت للا البتول التي زوجت بوزير السلطان محمد.

توفي الحاج عبد الكريم, وترك زوجته زهور في بداية شيخوختها, تحلم بالمراكز السلطوية و مواقع القرار. الخليفة ابن عم زوجها والوزير زوج ابنة للا البتول كانا يمارسان السلطة. زهور لا تمارس السلطة, تحلم , تكثر دعواتها قبل صلاة المغرب. تتحقق دعواتها و تغير اسمها بعد الاستقلال, تخرج ولدها حبيب ضمن أول الأفواج من مدرسة تكوين الأطر, أصبحت أم القائد. ابتهجت بهذا الاسم, رغم أنها لا تفرق بين سلطة الاستعمار وسلطة ما بعد الاستعمار. الشيء المهم عندها أن تمارس السلطة. أن تعنف بعض الرعية الوفية.

للا زهور تتذكر, كلما عصر الألم قلبها, تتذكر عندما كانت بمانشستر تماثل قطعة ألماس تتحرك فتنة وجمالا, نار تتحرك توقظ شهوة كل الرجال. مغرمة بالوقفات الطويلة وهي تطل على المارة من شرفة غرفتها. بلدها لا شرف فيه, توجد فقط ثقب عالية محاذية لسقف البيت تسمى بشماشية, يدخل منها بصيص من النور ولا تطل منها النساء. زهور يعجبها أن تقف الساعات الطوال أمام المرآة لتتزين ثم تخرج إلى الشرفة بسكنها بمانشستر مبكرة تذكر:

اسعد صباحك يا ضوء الله …

يواجهها الضباب. لا شمس في مانشستر مثل شمس فاس؟ لكنها لا تشعر بالغربة, مبتهجة و سعيدة لأنها تحلم بمشاهدة النور يشرق في بيت الله.

تتردد السيدة زهور على سكن ابنتها في المساء. تعبر الطريق راجلة من حي قاع وردة إلى حي الدريبة و تعرج على حديقة الحبول. يحلو لها أن تطيل النظر على الأشجار الباسقة المورقة الشبيهة بحدائق مانشستر. تسمع زقزقة العصافير, تنعشها الشمس و تحمد الله وتشكره لأنها لم تعد تسكن بدرب الخواجة فهي الآن على مقربة من أرياض المدينة. تقترب من باب كناوة, تواصل المسيرة, تقطع شارع الروامزين, تمرق السيارات الفاخرة بجانبها, توهم السائق الفرنسي أنها تعبر الطريق, لكنها تمشي على مهل و تتعثر. تسمع صوت صاحب السيارة يقول لها مبتسما:

– في أطانسيو مدام.

تبتسم تسوي اللثام وهي تمعن النظر في السائق الفرنسي. ترتبك , ينزل اللثام قليلا تعيده بسرعة ليجرح عينيها. السائق يعجبه غنجها, تبتسم, السيارات تواصل سرعتها تمرق تخطف الأبصار هي غير آبهة للسرعة. تقف طويلا لمشاهدة واجهات الدكاكين الزجاجية في حي الروامزين والتي تستورد سلعا فرنسية تغري للا زهور بشرائها . السلع المعروضة هي نقيض ما تعرفه في دكاكين حي قبة السوق. تدقق النظر على واجهات الدكاكين, الملابس الداخلية مغرية , * كومبينيزو *[14] من الموسلين بالدانتيل الأسود, سوتيان [15] … كل هذه السلع المعروضة تحيلها على الليل والحب والاطمئنان. تواصل النظر مليا على واجهات بقية الدكاكين. تغمرها السعادة . مشاهدة الملابس الداخلية تفرحها. تعبر حي الروامزين لتصل إلى الدرج المفضي لحي الدريبة حيث سكن ابنتها وصغارها. تتلمس بشرة يدها الجافة , ثم تعجل السير, تريد أن تطمئن على أحفادها. تلمس يديها مرة أخرى و تعجب لجفافهما, تواصل هلوستها:

سأعود إلى البيت وأذيب الشحم مع الشمع وأجعلهما مرطبا ليدي. بالأمس استعملت خليط الحلبة والبيض والعسل وزيت أركان مرطبا لوجهي, وغسلته بعصير العنب البارد ومسحته بماء الورد.

تفاجئها عند نهاية الدرج وقرب درب الشرفاء للا العزيزة الصحراوية, تقول لها:

هكذا أحسن, أخرجي مرة مرة أللا زهور لقضاء حوائجك. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ‘ أذن لكن أن تخرجن لحاجاتكن ‘. ورد هذا في صحيح مسلم. أقرأتنا إياه العالمة الفقيهة في مدغرة قبل رحيلنا إلى مكناس. اخرجي مرة مرة لتبعدي عنك القلق …

للا زهور كثيرة القلق على أبنائها وبناته, تخاف أن يصيبهم مكروه. الله يحفظ, تخرج اللطيف ألف مرة, عندما تصاب بوساوس تقول أعود بالله من الشيطان الرجيم…..

للا زهور شديدة القلق و دائمة الصراخ في وجه صاحبها. هي قوية و صلبة في نهاية شبابها, وهو ضعيف و واهن في نهاية شيخوخته. يقول لها وقد نفد صبره:

أقسم بالحرام ثلاث أنت ط…

تقطع كلامه ساخرة:

الحمار … ليس الحرام. لقد جاوزت ثلاث طلقات هل نسيت ….

تذكره بليالي شبابه الزاهية . كلمة طلاق لم تعد تؤدي وظيفتها شاخت بشيخوخته . زهور لا يخيفها الطلاق تحكي لحفيدتها منى, تقول لها:

النساء هن بدورهن يطلقن الرجال. سمعت مرة جدتي تحكي, تقول : كانت جدة جدة جدتي بغرناطة تطلق زوجها. يعلم بطلاقه عندما تحول باب دارها, فإن كانت يمينا جعلتها شمالا, فإذا شاهد صاحبها ذلك عرف أن صاحبته طلقته.

منى تتساءل ما علاقة الباب بالطلاق؟ تتذكر قراءتها لمسرحية ” لعبة دمية ”. المرأة النرويجية تطلق زوجها. حصل ذلك عندما صفقت نورا بطلة المسرحية الباب وراءها وانصرفت. أم منى ترغب مرة ثانية في الطلاق, تصفق الباب وراءها, تخرج إلى الحمام وتطلق زوجها ثلاث ساعات, تدخل ثلاث غرف. الحاج عبد الكريم عندما تتأخر ابنته في الحمام يعرف أن القلق استبد بجسدها وطلقت زوجها. كان شديد العطف عليها و يشعر بقلقها إزاء غربتها القاسية. يخاف من الأبواب لأنه كان فقيها و على علم بحفيدة سيدتنا حواء التي غلقت الأبواب ولم تطلق صاحبها. أم منى لا علم لها بخبر من غلقت الأبواب و خرجت إلى الحمام .

رحلت للا زهور من فاس إلى مانشستر إلى الجديدة إلى مكناس إلى الدار البيضاء, و هي الآن بشقتها اللامعة النظيفة بحي مولاي يوسف بالدار البيضاء. الغرف أنيقة ومنظمة. في غرفة الضيوف, وعلى جانب المدفأة الرخامية الغير المشغلة, يوجد دليل الخيرات في محافظ الجلد الممزقة , و بالقرب منها توجد صحون وفناجين صغيرة كتب على ظهرها بخط مغربي مانشستر. شربت فيهم القهوة مرة واحدة عندما كانت عروسا . يضحك أحفادها عندما تنطق مانشستر. يلمسون الفناجين. تخاف أن تقع على الأرض وتتكسر, تقول لهم:

القهوة تشرب في الفناجين على الأرائك الناعمة بمانشستر.

يضحكون ويتعجبون عندما تنطق مانشستر ؟

السيدة زهور في نهاية شيخوختها تحدثها جارتها المراكشية, تقول لها:

لم يعد أولادك يزورونك كما عهدتهم من قبل. للا زهور يجب أن تطعميهم بيض الحمام. تضعيه ليلا في صدرك وفي الصباح يطبخ ويقدم لهم أكلة شهية. أنت بارعة في الشلاضة [16] بالجزر والخص والدرة والطماطم, افرمي عليهم بيض الحمام وسترين النتيجة قريبا. ستنتقل الحرارة التي شدت على البيض في صدرك إلى صدرهم ويشتعلون نحوك حبا.

السيدة زهور, في شقتها بشارع مولاي يوسف, تحدثها جارتها المراكشية عند الظهيرة تذكرها بالسهرة التي سيغني فيها اليوم محمد أغنية ” ودارت الأيام”. ينتظران السهرة .الشقيقتان منى و فدوى بشاطئ الصخرات يشتكيان من همومهما الزوجية. تقول فدوى:

زوج صديقتي الدكتورة فتيحة اغتصب خادمته, عمرها تسع سنوات, غطت عليه لأنها لا تريد الفضيحة.

تقول لها منى:

أنا الأخرى اغتصبت. انتزعت قبل أن أعرف موقعي في هذا العالم. الزواج المبكر اغتصاب. من المسئول؟. والدي كان متفتحا و لم يرغمنا يوما على الزواج لقد تزوجنا باختيارنا. لكن مع ذلك أنا أحسن من جدتي, التحقت بالجامعة و تزوجت وعمري تسع عشر سنة. جدتي كان عمرها ثلاث عشر سنة وسافرت إلى مانشستر, وأمي تزوجت وعمرها أربعة عشر سنة الزواج الأول, وستة عشر سنة الزواج الثاني, وسافرت إلى اتزر. كانا لا يعرفان المسافة القائمة بين البلدان و المدن, فقط يعرفان أنهما بعيدان عن أهلهما. أنا وأنت أفضل منهما بكثير.

كوارث مفجعة عندما تشتكي فدوى لأختها. تصرخ في وجها منى قائلة:

شجرة الزيتون الحرة هي التي تضرب بالسوط من أجل أولادها وتصبر. عليك بالصبر, إذا خرج زوجك فهو رجل, لاشيء فيه يتغير بعد عودته.

فدوى تقلقها مثل هذه التوصيات البالية, تغير الحديث و تقول لها:

الممارسات اللغوية منها يؤخذ المعجم لا العكس. عندما كان يحدث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدث ولسان العرب بين يديه, لأن المعاجم اللغوية لا تمثل كل الممارسات الكلامية, المعاجم تقوم على الاختيارية. المعاجم تشبه الكوارث التي نتحدث عنها.

تقول لها منى ساخرة :

يجب أن نهتم فقط بطبخ الحمام باللوز, لا غرض لنا بالمعاجم اللغوية. أوصتني جدتي أن أبرع في طبخه. أنا يأكل الضيوف بنان أصابعهم على طبخ القدر حمام باللوز عندما أقدمه لهم.

لا تجيبها تصمت, تصمت. تعرف أن الكلام يجعلها حمقاء و مجنونة. تقول لها:

رددي معي باسم الله الرحمن الرحيم. يا رب علمني أن أحب الناس كما أحب نفسي, وعلمني أن أحاسب نفسي كما أحاسب الناس, وعلمني أن التسامح هو أكبر مراتب القوة وأن الانتقام هو أول مظاهر الضعف. يا رب لا تجعلني أصاب بالغرور إذا نجحت, ولا باليأس إدا أخفقت, بل ذكرني دائما أن الإخفاق هو التجربة التي تسبق النجاح. اللهم إن أعطيتني مالا فلا تأخذ سعادتي, وإن أعطيتني نجاحا فلا تأخذ تواضعي وإن أعطيتني تواضعا فلا تأخذ اعتزازي بكرامتي. اللهم إذا أسأت إلى الناس فأعطني شجاعة الاعتذار, وإذا أساء الناس إلي فأعطني شجاعة العفو, وإذا نسيتك فلا تنساني.

تلتفت إلى أختها فدوى وقد بدت لها ساهية عنها :

فدوى أختي, سأحكي حكاية من أجمل الحكايات التي حكتها لي جدتي إنها حكاية صمت بنت السلطان’.

جدتي تهوي حكايات ألف ليلة وليلة ما هي بقارئة. لم تقرأ مورفولوجيا بروب, ولا موباصان كريماس, ولا المعاجم اللغوية. لكن كانت تحكي حكايات ألف ليلة وليلة. يلذ لها ألحكي, وتختفي أثناء حكيها كل أسلحة الدمار الشامل. و يوظف حاملو الشهادات, و يسقط الدم, ويتزوج الرجل الفقير بنت السلطان.

تقول جدتي :

كان حتى كان الله في كل مكان, حتى كان النبي صلى عليه والسلام. خرج شاب فقير يجوب أرجاء المدينة. كان همه منصبا على ما شاع من خبر صمت بنت السلطان وامتناعها عن الكلام, وعجز الفقهاء والحكام والسحرة والشعراء على شفائها. كانت تلوذ بصمت رهيب , الرعية الوفية والشعب العزيز يحملان لها حبا جما. شعر الشاب الفقير بتعب شديد واستلقى على جنب شجرة. الجوع يعصف بأحشائه وبنت السلطان تستولي على مخيلته بصمتها الرهيب. أصابته سنة خفيفة وسمع حوار حمامتين فوق الشجرة تحدث إحداهما الأخرى تقول: ”لو علم أحد بأمر سرنا لبادر بذبحنا, وجمع دمنا في قنينة من جعبة القصب, وهرول مسرعا إلى بنت السلطان.” التقط الشاب الفقير الخبر على عجل وانطلق مسرعا إلى قصر السلطان. لم يشعر بالجوع الذي كاد يمزق أحشائه ولا بالتعب الذي يشل رجليه. لم تسقط من الجعبة أي قطرة دم لأنه كان يحفظها بجوار شغاف قلبه حيث ظل الدم يحتفظ بمقدار حرارته الأولى أثناء الذبح. كانت سرعته تغلب سرعة البرق و لم تتعثر قدماه. الشاب الفقير لم يكن على علم بسرعة السكود الذي ضرب تل أبيب من بغداد, ولم يكن خبيرا من علماء تكنولوجيا الحرب. فتكلمت بنت السلطان: ”عجبا الدم ينزل من الشمعدان.” دقت الطبول, زغردت النساء وهلل فرحا سيدنا السلطان. تزوج الشاب الفقير, ابن الرعية الوفية والشعب العزيز بنت السلطان. لم يحمل لها اللؤلؤ والمرجان, حمل الدم.

فدوى تقول لأختها منى:

الشيء الذي له قيمة في هذه الخرافة هو الدم والمساعد هو الشجرة.

لا المساعد هو الحماتان. الحمام له انطولوجيا في الذاكرة البشرية. الحمام يذكرني بطوق الحمامة لابن حزم, الذي يسند فيه ثقافة المرأة إلى الكيد.

هل كان ابن حزم لا يحب النساء مثل شهريار. هل أقسم أن يقتل ألف امرأة وامرأة ؟

لا, الرجال يحبون النساء. الحب استواء نفسي للرجل , شهريار كان مريضا نفسيا.

منى تسمع والدها يغني وسط أدغال الغابة, لكن لا يطلب الناي مثل جبران خليل جبران. والدها أمازيغي أعماقه عربية, يغني بصوت شجي قرب شجر الأرز:

افرو حمام يوفرو

يوري قيم غوري

لافوت دوين

منى لا تفقه معنى هذه الكلمات لكنها تعرف أن والدها لا يقوى على فراق صاحبته. يعرف الحب يعرف السياسة . لا لا فضول تقضي أجمل لحظاتها في سطح سكنها بدرب اللبن, تطعم الحمام بقايا حب الزبيب. تلتفت منى إلى أختها فدوى تقول لها:

أنت أختي لا حب ولا سياسة . أنت لا تقوين على ذبح الحمام.

الدم, الدم بالصخرات ينزل , تختفي بنت السلطان ولا تتكلم. يسقط الدم والد منى يتوقف عن الغناء. الحمام قدر باللوز يحترق . الحمام عندما تتحدث الشقيقتان على شاطئ الصخرات يكون له معنى آخر. تقول لها منى:

عندما أشغل لفظ حمام, يكون للفظ معنى آخر غير ما ترمز له جدتي وما يقصد ه ابن حزم. إن اللفظ المستعمل يحتفظ بخصوصية المتكلم والحدث المزامن له.

زهور تملك ناصية القول, تعرف الحمام و تعرف حكاية الحمامتين. تحكي منى خرافة صمت بنت السلطان و تستسلم فدوى لسنة خفيفة. تحكي منى خرافة أخرى عن النجار والدمية. الرجل الورع المتصوف الذي صنع دمية من الخشب وكان يكثر من الصلوات ويتلو القرآن في منتصف الليل. حصل يوما أن طلب من الله سبحانه وتعالى أن يزرع الروح في الدمية لتتكلم. تكلمت الدمية, فتنه جمالها و تزوجها فغضب الله عليه ومسخه فأصبح قردا. استولى على منى النوم العميق واستسلمت لنوم غريب. تكلمت الدمية ولم تتكلم بنت السلطان. تستيقظ من النوم على صخب أمواج عنيفة. تقول لأختها وقد تبين لها عدم الاهتمام لخرافاتها:

أنت مشغولة بهمومك الزوجية. هيا غوصي في البحر , كوني مثل البطلة نورا, اطرقي الباب وراءك وانصرفي. نورا شجاعة, بعد أن أنجبت ثلاث أطفال تصفق الباب وتنصرف. سأعطيك المسرحية لقراءتها, إنها لكاتب نرويجي يناصر المرأة. ‘ بيت دمية ‘ نشرت عام 1879. و سأعطيك أول رواية نسائية نرويجية نشرت قبل هذا التاريخ بكثير, ‘ بنات الوالي ‘ نشرت عام 1854. هذه الرواية متقدمة على زمنها لهذا عمدت المؤلفة إلى توقيعها باسم رجالي مستعار, الكاتبة هي ‘ كاملية كوليت ‘.

فدوى :

لا أدري سر اهتمامك بنورا, كلما تحدثت إلا وورد في حديثك خبرا عن نورا ؟ تعلمين أن مسرحية ” لعبة دمية ” سيعرض هده السنة فيلما وأن الممثلة بوسي ستقوم بدور نورا.

ترفع قدميها من فوق الرمل و تصوب النظر إلى البحر. يعجبها أن تمد النظر إلى مشاهدة غضب البحر في ارتفاع أمواجه. تحرك قدميها, تزيل الرمل ا لعالق بين مرتق أصابعها, تحرص على أن لا تصاب بالشامبينيو من جراء تعفن الرمل داخل الرتق, تغرق في هلوستها. تفرح عندما تعرف أنها متميزة في طهي الحمام قدر باللوز. تذكر طبخ أختها بالأمس وكيف أخرجت من الفرن السمك ملفوفا في رقائق الألمنيوم الفضية اللامعة. تعرف أنها هي الأخرى تريد أن تنفرد بطبخ السمك. جدتها كانت ماهرة في طبخ الحمام قدر باللوز. ترقبها وهي تصعد إلى السطح تطعم الحمام حب الزبيب. الحمام يلتف حول الحب و تغني بصوت شجي:

يا حبيبي وحبيب الناس

يا فضة ما فيك نحاس

يا الحمام أللي في الشبيك

منى تغني نفس الأغنية التي كانت تغنيها جدتها وبنفس النغمة, وبصوت خافت لا يسمع. تلتفت إلى أختها وهي تضع زيت أركان وعصير الجزر على جسدها ليتورد, وتلهو بحبات الرمل بين قدميها. تقول لها:

هل شاهدت البارحة على القناة الفضائية فيلم ”بنات حواء” إنه يناقش قضية دخول المرأة البرلمان.

فدوى متأففة و قلقة تقول:

أنا لا أهتم بالمرأة داخل البرلمان, ولا داخل الحكومة, ولا داخل قصر السلطان. أنا أريدها داخل الحمام, لكن بشرط أن لا تقتحم الشرطة الحمام وإذا حصل واقتحمته الشرطة يجب أن تكون فيه صاحبة الشرطي أو ابنته. أنا أرغب في أن تكتب المرأة داخل الحمام قصة لتصبح فيلما . أنا لا أهتم بالأفلام التي تخص المرأة أنا أحمل هموم الإنسان في كل مكان , يجب أن تشاهدي آخر فيلم ”الجنة الآن”, إنه للمخرج الفلسطيني هاني أبو اسعد, صوره في نابلس , الفيلم مرشح لجائزة أوسكار . إسرائيل قوية عسكريا و نحن أقوياء بالموت. انتبهي أنا الآن أقرأ رواية باللغة الإنجليزية ‘‘أهواء حواء الجديدة’‘. أنت شبيهة ببطلة هذه الرواية التي توجهت إلى كاليفورنيا, بعد أن عانت الويلات من الحرب الأهلية اللبنانية. التقت مع ‘ ليلي ‘ في مخيم اللاجئين و أخبرتها أن أمها قد توارت في كهف . ‘ حواء ‘ مع أمها المجنونة متظاهرة بأنها ستعود , حواء اتجهت إلى البيت وهي تعبر النهر تاركة وراءها أمها تغني.

تغلق الصفحة 174 , وترقم بعض أوراق صاحبها التي حملتها إلى شاطئ الصخرات. يقلقها أنه لا يرقمها. تقرأ لاختها فدوى بعضا منها:

‘ لا صلة قياسية توجد بين الحمام والحمام رغم الاتفاق في الحروف الأساسية. ظاهر الأمر أن الحمام بكسر الحاء يعني الموت والحمام بفتح الحاء يعني نوعا من الطيور. الصورتان منقلبتان عن أصلين لصوتين متميزين عن الحمام وأسرته الاشتقاقية. ثم إن الحمام والحمام بينهما تشابه. حاصل الأمر أن الحمام والحمام تنتمي لأسرة صوتية تاريخية متمايزة تطورت إلى هذه الصورة المتقاربة… ‘

منى تتذكر حمام الروامزين, تقول :

داخل الحمام توجد صاحبة الشرطي , سيدة صعبة المراس. عندما تلج الحمام يقطع النساء الزي [17] , يملأن القباب على مهل ولا يقع شجار ولا هجاء. ينسكب الماء على أطراف البرمة [18] صافيا والطيابة [19] تبادل النسوة الكلام المفرح , في هدوء تسقي النساء الماء و يسمع لهن كلام منعش شبيه بالحب والسياسة. الغسول [20] المعطر , تنبعث منه رائحة الورد والبابونج والقرنفل والخزامة. قلما تنعم النساء بمثل هذا الحمام , إلا إذا كانت بداخله صاحبة الشرطي. عري مصحوب بوشوشات الحب والسياسة. تدخل عروس يحفها الأهل بالشمع المضيء والزغاريد المفرحة.

تقول لها فدوى:

وعندما لا تكون صاحبة الشرطي بداخل الحمام كيف يكون ؟

النار تنبعث من كل الأركان. الحمام يكثر فيه الصراخ والعويل. ينقطع الماء من البرمة, تحلق عليها النسوة ليلحقن بأول دفعة ماء, قطرات الماء الحارة تصيب إحداهن فيرتفع العويل , صراخا جهنميا. تنزل ضربات القباب [21] على بعضهن. العويل يصم الآذان و سباب الطيابة شبيه بعري النساء. أياد طويلة تلحق البرمة, تتشابك الأيدي, يختل توازنها , اليد الطويلة تصل إلى البرمة تغرف الماء.

تعرفين لماذا لعن عبد الرحمن المجذوب النساء. لأنه دخل الحمام مع أمه وصبت عليه إحدى النساء الماء حارا فتعقد من العري المصحوب بالنار وزهد في النساء. العري ليس من الضروري أن يكون نافعا, قد يحصل العكس ويكون ضارا.

منى لا تلتفت إلى تحليل أختها فدوى. تغرق في هلوستها, تلتفت إلى سكون والدتها داخل الحمام. يخجلها تقاعسها لأنها لا تزدحم وسط النساء على البرمة ولا تلحق بأول دفعة ماء حار. يخجلها سكونها و يبدو لها ضعفها أمام قوة النساء. تعزو أمها ذلك إلى آدابها وتشبعها بالأخلاق الفاضلة. منى لا تصدق كلامها , تعلم أنه لا بيان ولا تبيين لها, لا تقدر على تعيير بعضهن قلما تسب إحداهن. مرة قالت لامرأة تسكن بحيها:

أيتها البدوية الشقية, فسد الحي بمجيئك إلى المدينة.

انقضت عليها البدوية و صبت سطلين من الماء البارد على جلبابها الأنيق. كانت قد سقتهما من السقاية. كان يوما عصيا على الذكر, لحقت المرأة بأم منى وهي تهرول إلى الممر الأسطواني, مفزعة مرتجفة. البدوية تشتمها بصوت عال تقول لها:

– أيتها الخوافة اليهودية, هيا أقبلي كوني شجاعة اقبلي علي لأجعلك فرجة لأهل الحي. اقتربي…

كانت المرأة في كامل الشجاعة والقوة. سليطة اللسان, ينزل الكلام من لسانها سما يقتل, تفجر اللغة في يسر وبلاغة أنيقة, وجمالية مفرطة. تجرح, تجرح ولا يسيل الدم. يتجمع حولها النسوة منبهرات لدقة قولها, وسلامة منطقها, وبراعة وصفها. تنهي المشهد بنزع سروالها لتعلن عن أعلى درجات التمرد و التنصل من الأخلاق. منى مندهشة لأنها تعرف أن الرجل وحده هو الذي ينزع سرواله للتبول قرب السقاية. صعقت هذه اللحظة عندما شاهدت المرأة هي الأخرى تنزع سروالها. تفرج النساء على قوة شجاعتها, يستحي النساء ويهرولن مسرعات إلى بيوتهن. تدخل أم منى إلى الدار مرتبكة خائفة تلف أولادها حولها و تطمئنهم قائلة :

المرأة البدوية سافلة, لا خلق لها. صوتها عال يزلزل الحي. الصوت عورة لا حق لها أن ترفعه. والدي أوصاني بذلك تأدبا وحشمة ووقارا.

منى تحب أمها و لكنها لا تعجبها, لأنها لا تستطيع أن تفجر اللغة , لغتها الصمت, الصمت لا يسعفها لا البيان والتبيين و مكاشفة اللغة في ألقها وتوهجها, تصمت. منى تغار من فصاحة البدوية, تريد أما مثلها تفجر اللغة لتنزل سما يقتل. تتذكر عندما كانت طفلة صغيرة, تخرج مساء إلى حي سيدي عمرو المجاور لحي سكنها بالدريبة , يعجبها مشاهدة شجار النسوة . تستفز إحداهن الأخرى , تعيرها وتسب أهلها ,تنقض عليها تنزع شعرها و تنتف وجهها و تطرحها أرضا و تسيل دمها. يعلو الصياح , و تقف السيدة المنتصرة كالمجنونة متبرئة منها قائلة:

ابتعدي مني, إياك أن تقربي أهلي بسوء…

ينتهي المساء, يحضر الرجال و تنتهي الخصومة بحفل شاي يقام بأحد دور المتنازعتين فيعلن السلام. يتبادلن القبلات, يلعن الشيطان و يقول الرجال ”النساء قليلات عقل ودين’‘.اعتادت منى مشاهدة مثل هذا الشجار بحي سيدي عمرو و قرب السقاية. لا السبالة كما كان يحلوا لأمها أن تقول. يسقي النساء الماء من السقاية, تخرق إحداهن صفوف النسوة فيعلوا الصياح, تخرج صاحبة الشرطي التي كانت تسكن ما بين السقاية والبقال, يسود الهدوء والصمت… الصمت… يسقي النساء الماء في حب وسياسة. يلذ لمنى مشاهدة السطول مملوءة بالماء, المرأة تحمل سطلين في توازن مدهش و لا تسقط منهما أي قطرة ماء. تشتد غيرتها , تحلم بأم تملأ سطلين من السقاية وتندس في زحمة النساء.

عندما تكون صاحبة الشرطي في الحمام, يهدأ روع النساء. الطيابات تغدين ويرحن كحمام الحب, يسلمن على النسوة بأدب جم ووقار كثير, يتحركن كالحرير والابتسامة لا تنقطع من شفاههن ,النساء يغرقن ماء. اعتادت أم منى عند دخولها إلى الحمام أن تمد الكلاسة [22] بقطعة من السكر والشاي ملفوفين في ورق أزرق, مقابل أن تلحق بسرعة إلى الداخل لتسحب منها آخر ملاءة تضعها على عورتها. أمها بحق كانت فاتنة و أنيقة. تفتن كل النسوة قي الحمام و تلفتهم إليها. السوار الذهبي الذي سك بمدينة الصويرة بمعصم يدها, وسلسلة الذهب المفتول التي صنعت بباريس على جيدها. الذهب يزداد لمعانا في الحمام. تمدها الطيابة بالقباب ممتلئة ماء من البرمة في المرحة الأولى, و تحك ظهرها في المرحلة الثانية ثم تسقيها ماءا وتنصرف إلى أخرى بجوارها. عندما تبدأ فقاقيع الصابون المعطر بيضاء تتشكل على جسدها, و تصب سطلا باردا , ليتصلب جسدها و تعصر جدائل شعرها , تبادر الطيابة بحمل فوطة وردية اللون, محبوكة بالحرير, تلفها عليها و تضع أخرى على رأسها. تنصرف لتستريح في الجلسة [23] و تنشف جسدها كثيرا. فضاء الجلسة تهواه ا فهو النهاية المستهدفة من الحمام . تلتفت بجوارها و تخاطب سيدة شابة وقد بدا الانتعاش على وجنتيها المحمرتين, تقول لها:

الحمام اليوم رائق وفي منتهى الهدوء والراحة. البرمة الحمد لله ينسكب الماء على أطرافها دافئا. بصحتك سيدتي.

ترد عليها بصوت خافت وقد بدا الحر عليها هالكا:

– هذا بفضل سيدتنا صاحبة الشرطي , الفرنتشي [24] بمجرد ما يعلم بوجودها في الحمام خيط الماء لا ينقطع. الطيابات خطواتهن كالحرير, لا صخب ولا تبرم.

أم منى تلبس كبوطها [25] التونسي الأخضر والمخطط بخطوط سوداء, وتضع فوقه قميص جوهرة المخطط بالأبيض. تكشف عن ساقيها الورديتين اللامعتين المكتنزتين و تشد السروال كولف [26]إلى أعلى. تحرص على أن يتجاوز الصرة. تلفت إليها باقي النسوة و تقول سيدة لأخرى:

– الجمال الحقيقي يظهر في الحمام تبارك الله عليها.

منى تقول لأختها فدوى وهي تنشف جسدها من ماء البحر :

في عهد السلطان مولى إسماعيل وفي داخل الحمام, انتبهي أختي إن الحمام الذي سأحدثك عنه هو حمام مدينة سلا ليس حمام الروامزين بمكناس, كان في هذا الحمام نساء يتسلين بالحوار ويضحكن مع نساء أخريات. و حتى تكون التسلية على أحسن ما يرام يصحبن معهن ”السبور دولابلاش” متنكرا في زيي فتاة. فإذا اختلين في الحمام, بقي وسط النساء اللاتي يغتسلن أمامه عاريات تماما, وهو يعزف على قيثارة في انتظار أن تلحق بهم سيدته.

و إذا كان قد حدث شيء في مغازلته لهن فإنه لا يمكن البوح بالكلام الذي قيل داخل الحمام . الحمام . التاريخ لا يكتب كله. لابد من الإشارة إلى أن الأسرى الأوربيين يمكنهم الدخول إلى الحمام مع النساء والانسلال إلى مخادع سيداتهم, فقد سمح لهم بذلك حسب الأعراف المغربية . فهو غير محرم في شريعة البلاد ولا يغضب لذلك علماء الدين ولا السلطان, ولا أعيان البلد. النساء لا يتسترن ولا يحتشمن من الأسرى الأوربيين, لاعتقادهن أنه عميت بصائرهم كما عميت أبصارهم و لهذا تظل النساء عاريات في الحمام دون خجل.

فدوى لا تعير حكي منى اهتماما و تنصرف مرة أخرى لتغوص في أمواج البحر الغاضبة. تواجه الأمواج دون خوف و تغوص في عمقه .

منى تخاف عندما تلقفها موجة تتذكر هجوم الشرطة الذين لحقوا بالطالبات في دوشات [27]الحي الجامعي بظهر المهراز. الشرطة دخلت على الطالبات وهن يغتسلن. لم تصدر أي فتوى من طرف العلماء بحق الشرطة الذين اقتحموا الدوشات والطالبات عاريات, الجسد عورة. تلحقهن داخل الشاحنة الزميلة السورية و تعلن أنها شرقية لا علاقة لها بالإضراب. يقول لها الشرطي:

زيدي لمك في الفاركونيط [28]

يدفعها بقوة بقدميه وهو ينتعل حذاء من الحديد. زميلة أخرى يشدها من صدرها يدعك نهديها بغريزة وحشية ثم يوقعها في الفاركونيط. يطوح بأخريات, يتعثرن بين قدميه و لا تستقيم مشيتهن. يقد قميص إحداهن من دبر فتصرخ و يدفعها في عجلة إلى الفاركونيت التي تخرق بهم الطريق في سرعة البرق. تخاف منى, تتذكر صاحبة الشرطي, لو التحقت ابنتها بالجامعة وكانت زميلة لهن بكلية الآداب وسكنت في الحي الجامعي بظهر المهراز, لتغير التاريخ.

أم منى تخلط الحناء, تضعها على شعر صبيتها الطويل و تدعك الخليط بين أصابها حتى يتسرب إلى جذور الشعر مغذيا. العملية كانت صعبة و تعاني منها منى الصبية كثيرا. الأم في بداية شبابها تضغط على منكبيها تعصر الصبية ما بين ركبتيها, تشدها بقوة حتى لا تنفلت منها لا تعبأ بصراخها. تمعن في تصفيف شعرها, تسوي الخليط عليه, تفرقه خصلتين وتجعله ضفيرتين, كل ضفيرة تربطها بخيط وتشد الضفيرة إلى الأسفل. العملية صعبة وشاقة على صبية صغيرة تنتظرها نهاية كل أسبوع لتقذف في حمام الروامزين الشديد الحرارة. تصب الأم الماء الحار على رأسها وهي تقول لها:

صففي شعرك جيدا لأشققه بالغسول. أسرعي إلى البرمة إن الماء يفيض منها. اغطسي القباب في البرمة لتملأ. إن صاحبة الشرطي غير موجودة اليوم في الحمام.

حلقة من النساء يصرخن أمام البرمة. الحمام يرتبط في ذاكرة منى بالنساء عاريات مكتنزات جسدا. الحمام مرتبط بأحاديث جدها عن يوم القيامة والنار والحريق وجهنم. الطيابة تدفع الماء حسب الوجوه المكرمة والمنعمة. من جاءت بقالب السكر ملفوفا بورق أزرق تسقيها أكثر من التي جاءت بقطع السكر. الطيابات يقصصن للنساء قصصا عجيبة.

منى مستلقية على ظهرها بشاطئ الصخرات غارقة في هلوستها تتذكر وهي تحدث أختها فدوى. زهور في سكنها بحي مولي يوسف تنتظر مع جارتها المراكشية السهرة التي سيغني فيها محمد “ودارت الأيام”. محمد بالصخرات محرج يرفض أن يغني لسيدة الطرب إكبارا لها. السيدة زهور تنتظر. كارثة وقعت لم يغني محمد ” ودارت الأيام”.


[1] بذلة أوربية

[2] مقصوص على الطريقة الفرنسية

[3] – حزام من الذهب الخالص

[4] – طانكي : قطع من الذهب المخرم متلاحمة تملأ صدر المرأة ,

[5] – خيط الريح : قطعة من الذهب على شكل خيط طويل مرصع بالجواهر يوضع فوق الجبهة

[7] – خنطقرة : نوع من الحيل

[8] – السبسي : نوع من السجائر التقايدية

[9] – التنفيحة : غبرة تستنشق للانتعاش

[10] – العولة : مخزن الأكل في البيت

[11] – خوابيه : فخار يستوعب العسل والزيت والسمن والخليع

[12] – حمرية : حي سكنه الفرنسيون أيام الاستعمار

[13] – البزيوي : نوع من الجلابيب الباهظة الثمن تنسب إلى قرية لبزو

[14]

[15]

[17]

[18] – البرمة :

[19] – الطيابة :

[20] – الغاسول :

[21] – القباب :

[22] – الكلاسة : التي تحرس الملابس

[23] – الكلسة :

[24] – الفرنتشي :

[25] – الكبوط :

[26] – كولف :

[27] – الدوشات :

[28] – الفاركونيت :

الفصل الثالث

هو يلعب وسط الستائر وهي تفرك اللوز

تجلس القرفصاء ثابتة مثل المسمار, لا تتحرك من مكانها, تفرك اللوز. لا حق لها أن تلعب وسط الستائر, قرب عتبة الغرفة الكبيرة, وإذا سهت ثانية وحفزتها أحلام اليقظة على تغيير مكانها بجوار جدتها, إلى عتبة الغرفة الكبيرة, لتلتف مثل أخيها وسط الستائر, تقرصها معنفة قائلة:

أين أنت ساهية أيتها الغزالة الفاتنة. افركي اللوز بسرعة, يجب أن نطوي ألف بريوة, ومن بعد ألف كعب الغزال مفند في السكر, وألف بلا سكر, و عشرة محنشات. هذا الشغل هو الذي تحمله معها العروس إلى بيت صاحبها, لتعد له كل ما يشتهيه. يجب أن تكون يدك مثل الذهب.

يدخل الحاج اللبدة الحمراء تحت إبطه, في باطنها ربطة من النعناع. يرمق باب المطبخ, فتبادر داد الياسمين لتمسك ربطة النعناع من يده. تخاطبه صاحبته زهور متعبة:

سيد الحاج, ادخل مد يدك و ساعدنا بشيء من البركة. إننا غارقات في إعداد الحلويات منذ الفجر.

يلتفت إليها متذمرا قلقا:

إياك أن تقولي اللوز. أقسم بالله العلي العظيم, إذا طلبت اللوز مرة أخرى لتكونين طالقا. علي بالحرام اللوز لن يدخل بيتي.

تنظر إليه للا زهور نظرة ود ورحمة وإغراء قائلة:

سيدي عبد الكريم, الله يزيد في رزقك, ويعطيك حجة أخرى ويطيل لنا عمرك. مازلت في حاجة إلى ثلاثين كيلو من اللوز لنطوي عشرة محنشات للصبوحي.

يرد في عجلة هادئا:

يكون خير إن شاء الله .

تتابع كلامها, وقد لمست في صوت صاحبها قبولا وحبا وسلاما.

إذا سمحت, اطلب لنا ذاك الشقي المحجوب خادمك في الدكان, لينزل معك غدا ويطحن لنا قوالب السكر. دادا الياسمين يدها مفكوكة.

يرد بصوت منخفض, متبرم, متجها إلى البرطال .

أعود بالله من الشيطان الرجيم. حتى الخادم الذي يساعدني في طي قطع الثوب تطلبه لمساعدتها في زفاف ابنها أحمد, والله والله إن هذا منكر.

يحضر المحجوب, تطيب القعدة وتطول الجلسة. تقترب للا زهور منه و تحدثه بلطف وحنان مفرط, تقول له :

أي أخبار تحمل أيها الشقي العفريت؟

يحدثها عن البدويات وحضورهن للتبرك بموسم سيد الهادي بن عيسى. يتسللن من ضريح الشيخ الكامل ويدخلن إلى قيسارية البزازين. يقول لها :

سيدتي تعرفين الحاج صاحب الهري الكبير بالبزازين. هذه الأيام وقعت عينه على إحدى البدويات ففتن بجمالها واقسم أن يتزوج بها الشهر القادم.

حركت الجدة رأسها حركات دائرية بسرعة البرق, ملتفتة إلى حفيدتها منى, لتقول لها بصوت بطيء:

نعم, اسمعي أيتها الغزالة هذه الأخبار, اسمعيها جيدا وضعيها حلقا في أذنيك. هذا هو درس التاريخ, لا توجد لا داهية ولا دامية.

منى تتمسح بجنبات جدتها. تقول لها والدموع تنهمر من عينيها:

جدتي أريد أن ألعب وسط الستائر, بجوار أخي أمين.

لا, لا تلعبي, أنت بنت. يجب أن تمعني النظر إلى طريقة طي البريوات وأن تمسكي جوانبها بماء البيض, حتى لا تنفتح عند القلي. لا تشغلي عقلك بالتاريخ إنه صناعة القوي إزاء الضعيف. مثل ألف ليلة وليلة, جدتي تحفظ الكثير منها. أنا أحكي بعضها في الظلام, لي رغبة أن أحكيها في النور. التاريخ قوتان قوة الظلام وقوة النور.

تلتفت الجدة في اهتمام بالغ إلى المحجوب. تلح عليه أن يحكي لها فضائح البزازين. تمده بحفنتين من اللوز. يقول لها :

سيدتي للا زهور, سيدي ينتظر آذان المغرب ليهرول مسرعا إلى الزاوية, والسبحة لا تفارق يده, واللبدة تحت إبطه.

جلسات المحجوب مع للا زهور اشتدت الأيام الأخيرة, و بدأ يفضي لها بفضائح البزازين. الحاج سمح للمحجوب بولوج فضاء الحريم المغلق. يدخل المطبخ و تمده سيدته بقطع اللحم ملفوفة في الخبز. منى تحفظ التاريخ وتفرك اللوز.

المحجوب أصبح شبيها بمويط, الأسير الفرنسي الذي خرج من باريس عام 1670 وبيع في سوق النخاسة بالرباط بباب القناط. كان من حظه أن اشتراه رجل من سلا وأخذه إلى منزله فعمل مع الحريم سنتين خادما. هذه الأحداث وقعت في عهد المولى رشيد, وعندما بويع المولى إسماعيل, انتقل في ركاب مولاه من فاس إلى مكناس. وأشرف على أشغال البناء زهاء تسعة أعوام, إلى أن أمر المولى إسماعيل بفك سراحه. فرجع إلى باريس سنة 1681 وكتب رحلته عام 1683 . لكن الغريب في الأمر أن المحجوب ليس بأسير.

يحكي مويط عن رحلته و يقول :

… وضعوني بين يدي رجل اسمه محمد اليبوسي, فأخذني معه إلى منزله حيث وجدت حماته وزوجته اللتين كانتا أندلسيتين. أخذتا ترثيان لتعاستي وأطعمتاني جيدا, ثم أعطتني سيدة البيت كيس قمح أطحنه في طاحونة يدوية كانت في مطبخها. سيدتي هذه كانت شابة جميلة جدا, تتكلم اللغة الإسبانية بطلاقة. كانت تمتعني بخبز السميد الأبيض والزبد الممزوج بالعسل والفواكه. أشفقت علي وأزاحت عني سلسلة تزن خمسة وعشرين رطلا, كان زوجها قد أغلني بها , وكانت تناديني أن أتحمل أسري بصبر.

المحجوب يساعد للا زهور لكنه لا يلج غرف الحريم مثل الأسير مويط . يصل باب الدار. يحمل لسيده القفة يدخلها إلى المطبخ و يساعد دادا الياسمين في بعض أشغال البيت الشاقة.

الجدة منهكة في طي المحنشات . الطفل أمين يدور وسط الستائر و منى حزينة تضرب على فخد جدتها منبهة إلى أن أخاها أمين سينزع الستائر بكثرة الدوران. لا تعير التفاتها أي أهمية و تجبرها على فرك اللوز, ونزع قشرته, و تنبهها إلى كيفية طي المحنشات . توصيها مرات عديدة بأن صنع الحلويات من الأشغال المهمة التي تجدها المرأة في ذراعها يوم زواجها. منى ترغب في نزع الستائر و تلح على الالتحاق بأخيها. تقرصها جدتها قرصة زرقاء. الدوران وسط الستائر يتلف عقلها و يغريها باللعب. لعبة الستائر تهواها. أمين يلتف وسط الستائر و يدور. الستائر أربعة, الأولى تسمى الخريب [1], والثانية وبر الحديقة [2] , والثالثة جوهرة الحرة [3] , والرابعة الشبكة [4].

منى تصرخ :

للا, أللا, انتبهي خامية [5]جوهرة ستقلع من مكانها من شدة الدوران. ستسقط… سيسقط …

الجدة توجه النظر إلى خامية جوهرة المتوهجة, ذات الخطوط الصفراء من الحرير الناصع و الباهظة الثمن. تزداد الخامية لمعانا عند الظهر, حيث تنسل أشعة الشمس من ثقب الشماشية [6] متجهة نحوها فتزيدها وهجا و نورا. ترغب منى في الدوران وسطها. الجدة تشعر أن الزمن يلاحقها أكثر من أي وقت مضى, تعرف أنها تقترب من الخمسين سنة. تخاف أن تصاب الخامية بخدوش كما خدش جسدها وبدأ يترهل. تشتعل الحرارة في باطن رأسها, كأنه قدر الحمام باللوز يغلي. ينزل العرق من هامتها و تعلو وجنتاها حمرة. تعاود النظر إلى الستائر الأربعة, يبدو لها أنها بدأت تتمزق وخفت لمعانها, يعز عليها ذلك. تذكرها ببداية شبابها, فقد حملتها معها في شوارها . تعتني بنظافتها , تنزعها من باب الغرفة الكبيرة بين الفينة والأخرى, و تغسلها برفق ثم تعيدها إلى مكانها.

الجدة فطنة, تردد المثل المغربي :

امتولة غلبت خواجية.

تعني بامتولة إعادتها جديدة إلى أول يوم من صبوحها, وتعني بخواجية, الغنية, وهي المرأة الفرنسية التي كانت تبدو عليها مظاهر الثراء والنعمة. حين يدور حفيدها وسط الستائر تنشرح, تغدو كأنها حمامة تدور حول كوكب الأرض, وان هذا الكوكب نزع عنه السحر ولم تعد به حدود. تذكر رحلتها من فاس إلى مانشستر. تندب حظها, ليتها عاشت عمرها كله بمانشستر.

أمين يمارس اللعبة في خفاء حتى لا تلحق به أخته منى. ينتعش, الله, الله … الستائر الأربعة تسعفه على الدوران, لا يتعب و يلتف وسطها بسرعة. يغمض عينيه, يحب ظلمة الستائر. منى تقول لجدتها بصوت خافت يكاد لا يسمع :

للا . أللا لقد طويت ألف بريوا منذ الفجر إلى الظهيرة . تقولين عشر محنشات ؟ هذه أعمال شاقة , أنا ما زلت صغيرة , أرغب في اللعب وأريد أن ألحق بأخي وسط الستائر.

أمين وسط الستائر الأربعة . العتبة الرخامية الملساء ذات البياض الناصع يدور فوقها وهو ملفوف وسط الستائر كقضيب من الفضة . جسده مثبت ينتعش , يشعر بدوار في رأسه يصاب بالدوخة . منى تزداد غيظا وألما وتبرما , تحترق غيرة , تردد في غضب وبصوت مرتفع :

للا , أللا, ستسقط الخامية, خامية جوهرة …

ترد الجدة في هدوء وبصوت منخفض :

ليفعل سيدي أمين ما يحب ويشاء. ليلهو كما يحلو له. إنه قرة عين الأسرة . لا تفسدي عليه لعبته أيتها الحسودة. انشغلي باللوز لتكوني حاذقة في بيت زوجك…

منى تقتلها الغيرة وهي تجلس القرفصاء بجوار جدتها. تصاب بأحلام يقظة. تنسل كالشعرة من العجين و تلحق بجوار أخيها . تلتف معه وسط الستائر الأربعة, يلعبان معا فتشعر بدوار. تلصق قدميها بالعتبة الرخامية. تحذر السقوط. تسر أسارير وجهها و تبتهج. تنزعها جدتها من أحلام يقظتها بقرصة أعنف وأقوى ألما من سابقاتها وهي تقول :

أين أنت ساهية أيتها الغزالة, افركي اللوز,أنت بنت. البنات لا يلعبن مثل الأولاد. يجب عليك الاهتمام بشغل البيت. هذه الحلويات يشتهيها الرجال, مازالت عشر محنشات…

تشعر منى بدوار يشج رأسها. تعصف بجسدها مواجع الغيرة, يلسعها التمايز و ترفضه. لعبة الستائر تغريها. يسرع الزمن. يتوقف الزمن. تدوخ. تستيقظ في زحمة تختلط النساء بالرجال. لا تميز. الأكتاف تتداخل, الأيدي تتشابك والأجساد تتلاحم. منى تحط في أقدس مكان على كوكب الأرض, تسعى بين الصفا والمروة. تردد مبتهلة والدموع تنهمر من عينيها مثل شللات نياكارا:

ربي اغفر وارحم واعف وتكرم, وتجاوز عما تعلم إنك تعلم ما لا نعلم, إنك أنت الله الأعز الأكرم. ربي أريد أن ألعب بجوار أخي أمين وسط ستار واحد شفاف. أحب النور, أكره الظلمة. ربي ارحم, ارحم, أريد أن ألعب بجوار أخي وسط ستار واحد حتى يتم الدوران بسرعة حول العالم. أكره ظلام الستائر الأربعة وحدود العتبة. أحب العالم بلا حدود لأشاهد النور يشرق في بيت الله وأنا في الرستاق , وأنا في موريال …

منى تصرخ بصوت عال متبرم:

جدتي انتبهي. سقطت الستائر, سقطت خامية جوهرة.

يسقط أمين و تسقط ثلاث ستائر ويبقى ستار الشبكة ثابتا. العتبة الرخامية البيضاء يكسوها الدم . تصرخ الجدة :

الدم؟ أنت في حمى الله والنبي. هيا دادا الياسمين أحضري الفلفل الأحمرغبرة ومنديل حياتي أبيض. أسرعي قبل عودة ابنتي, ستندب حظها التعس. ليتها لم تخرج لتدفع قفطان البروكار[7] للخياط اليهودي.

تضع الفلفل الأحمر على جبينه وتشده بمنديل حياتي وهي تردد:

غدا تكبر وتنسى…

لكن منى لا تنسى. تتذكر بين الصفا و المروة, تهرول و تتذكر. تشتد زحمة الرجال و النساء, يندفعون. يسقط خمار أبيض من رأس سيدة, تلتقطه بسرعة البرق و تسوي أطرافه. يهرول الرجال, تهرول النساء و يشتد الحر. تلمح رجلا يضع بطاقة صغيرة في قب [8] جلابية أختها, لا تفقه شيئا. تذكر كل ما آلمها وهي تسعى بين الصفا والمروة. تراودها شكوك في أمر البطاقات تقول في نفسها :

-أعود بالله من الشيطان الرجيم.

تلتفت وهي تطوف حول الكعبة. يد طويلة تمتد لترفع رجلا من بين الزحمة إلى عنان السماء و يدخل في مروحية صغيرة شبيهة بالطائرة الجوية. يسمع بعد قليل صوت عال في الباحة خارج الكعبة:

بأمر من خادم الحرمين يجلد هذا الرجل ألف جلدة. يعاكس النساء.

تحكي منى الحدث لصاحبها يقول:

كثير عشرون جلدة تكفي.

تذكر كل الفواجع التي آلمتها منذ كانت صبية إلى أن أصبحت شابة يطرقها المخاض و تجهض قبل موعد الولادة, الشهر الخامس, يسقط توأمان. تتذكر كل ما آلمها وهي طفلة وهي شابة. تنبذ خرافات جدتها, تدوسها بقدميها. تطوف بأعلى البقع المقدسة من كوكب الأرض. تتذكر لهفتها ورغبتها وحرصها على تقديم أنواع مختلفة من الطعام الشهي لصاحبها وهو برفقة زملائه داخل غرفة الاستقبال. تذكر مرة عندما كانت تعد بعض المقدمات من الأطعمة الخفيفة, الورق من العجين معمر بالجمبري وبالجبن, وباللحم المفروم. تحرص على أن تقدم ما لذ وطاب من الطعام الشهي في أناقة مفرطة. تزين الصحن بورق الخص الناصع الخضرة. تذوق ما يلفت أكله قبل أن تدفع الصحن إلى صاحبها. عندما يشعر بأنها وصلت إلى باب الغرفة يهب مسرعا ويخطف الصحن قبل دخولها, شاكرا. تنصرف بخفة إلى المطبخ, تعد صحونا أخرى أشهى وألذ. تداوم على الدفعات, لا تتوقف حتى تنتهي المسامرة بين صاحبها وزملائه. تشتد الحوارات اللغوية والأدبية والفلسفية. يسمع صوت صاحبها أقوى الأصوات, يسيطر على الجلسات. تدفع الصحون الشهية, يلتهمون كل ما تدفع. يشتد الحوار و يطيب لها سماع المساجلات. تعلم أنهم سينتهون من الكتب إلى النساء. همها أمر النساء. تصيخ السمع. تتجسس. تقف وراء الباب فتسمع صوت صاحبها, خافتا متأدبا وكأنه صوت قاسم أمين. تتسمر في مكانها خوفا وحبا في المكاشفة. الصحن بين يديها, تلتهم ما يشتهى أكله. تلتصق بالباب فتسمع صوت صاحبها يقول لزميله:

اخجل وتمهل . صاحبتك أجمل. كيف تطارد طالبة سمرتها قاتمة.

منى تعرف أن الطالبة سمرتها عسلية مليحة. كانت زميلتها بالكلية و تحظى بإعجاب الأساتذة والطلبة. متميزة بذكائها ونضالها وأناقتها. سلمتها بالأمس بلطف بطاقة الانخراط في اتحاد طلبة المغرب. من ثقب مفتاح باب غرفة الضيوف, تنظر منى إلى أستاذ مادة الفنون الأدبية. يدعك يديه الصغيرتين الجميلتين غبطة وتهيجا, يرد بصوت شاعري مليح وكأنه يكتب قصيدة حب مثل نزار:

ما أجمل أن تدوخك وتقتلك امرأة عسلية. عليك أن تراود كل أصناف النساء و أن تطارد من نبشت شغاف قلبك رائحتها السم. تقتلني, تقتلني. أنا أحب من تقتلني وتدوخني و … يا سيدي بسطيلة كل يوم تسد شهوتي. اسمع لي جيدا, ما ألذ الأكلات حارة في يوم ممطر من ليالي مدينتنا فاس, عندما نصاب بصقيع من البرد القارص وترتجف شفتانا, ما ألذ حرارة السودانية. عندما ألتهم صحن العدس بالخليع به سودانية حارة, أنتعش و تسري بجسدي حرارة الحب. أحلم بأنني شهريار, أكتب ألف قصيدة وقصيدة. أكتبها بقصر غرناطة وأنا أشاهد حقيقة راقصات الفلامنكو يدعكن جسدي, ويداعبن خصلات شعري ,وأجملهن تقلم أظافري. تقترب مني ولادة تقرأ لي قصيدة حب . نحن الرجال نحب الغزل أكثر من النساء, ليتهن يعرفن ذلك. الطالبة عسل يلهب جسدي , يلمع جسدها و يحرقني. أعشقها. لا تستحي وهي ترمق لهفي, و تقول لي:

…. أستاذ.

منى تثبت في مكانها, لا تتحرك. تسمع أصوات الطبيعة, تخاف, يقصف الرعد و تصرخ.الفصل شتاء و البرد قارص, ترفض قراءة الكتب. إنها شابة غرة. الآن فقط في هذه اللحظة تنبذ خرافات جدتها. تلسعها أصوات الرجال , لا تقرا كتبا. يصيبها حزن كبير, تعرف أن كل ما يحكيه الرجال عن النساء هو الطبيعة وما تحكيه جدتها هو التمثال. ليتها تدخل مجامعهم. ليت صاحبها يفضي لها بكل خلجاته. ليتها تعلم ما يعلم. جدتها غبية, لا تعلم, لا تستطيع مكاشفة الطبيعة. كان يجب عليها أن تصرخ عندما كانت تقرصها, القرصة الزرقاء ظلت وشما بفخذها. هي الآن تتألم. ألم هذه المرة مضاعف لأنه يجنح بها إلى الغابة برفقة والدها, تسمع أصوات الطبيعة. تنزع من مكانها و تلحق بأخيها أمين. صوت جدتها يلاحقها:

أسرعي افركي اللوز …

تهرول بين الصفا والمروة. تتعثر, تختلط الأزمنة, يزداد الرعد قصفا و تسقط حقيقة بباب عتبة غرفة الضيوف. يفلت من بين يديها صحن ممتلئ بالبريوات محشوة بالجمبري, تصرخ, تتعثر. يقول صاحبها لزميله:

منى تخاف من الرعد. أجهدت جسدها اليوم بشغل البيت. غدا ستختبر في مادة المغني, لا تستطيع حفظه. الليل بطوله والرضيع أسد يبكي بجانبها, لعل ببطنه ألما. أشعر أنها مرهقة. تعلم أن الطلبة يرغبون في دروس سوسير أكثرمن المغني . تحفظ سوسير ولا تحفظ ابن هشام.

منى حصل لها ثقل برأسها, تخاف الكتابة. تسعفها البسطيلة[9] و تدخل المطبخ. تشاهد نور غرفة مكتب صديقتها العراقية من نافذة المطبخ. تشاهد هي الأخرى نور مطبخها تعلم أنها ما زالت تطهو البسطيلة بأوراق العجين الشفاف. منى تحل الأوراق بالزبد حتى لا يخلط بعضها بعضا. تتعجب صديقتها العراقية عندما تعلم أنها ماهرة في أكلة البسطيلة, تهاتفها :

ألو … يمكنك أن تطهي البسطيلة عارية بلا أوراق, إي والله بلا أوراق ألذ طعما وأنفع للحمية. لا تبددي زمانك في المطبخ.

ترد منى على استعجال:

أنا لا زمن لي. زمني صاحبي ومكاني المطبخ.

جدتها تفرح. تقول لها عندما تزورها:

الله يخلي ليك زمانك. الرجل همة وشأن في الدار ولو كان قفة من العظام

صديقتها العراقية تداوم على الصراخ في وجهها مؤنبة عاتبة ومتبرمة:

أنت تافهة تفاهة البسطيلة. لا تفكرين في الأشياء الأساسية والمهمة والجوهرية التي تهم المرأة. الطلاق, مثلا أصعب طلاق عندما يكون طلاقا ليست فيه ورقة رسمية, إذ يمارس الطلاق على المرأة دون فسخ لعقد الزواج. هذا يمثل أعلى درجات العنف على المرأة, وقد يمارس الطلاق بفسخ العقد وهذا أخف درجة. لكن مع ذلك تظل الأوراق الإدارية مهمة, إنها تخفي الحقيقة, إنها أوراق شبيهة بالأوراق التي خصفها حواء وآدم لتغطية العري وكساء الجسد. تعلمين أن الأرض يبست بها أوراق شجر الجنة التي كست جسد حواء وآدم أول مرة لقد تحولت الأوراق اليابسة فيما بعد إلى عطر, هو هذا الذي نستنشقه في الزهور والياسمين. ألا تستعملي أن الأوراق في البسطيلة سافلة مدنسة لا عطر فيها. أوراق الجنة عالية مقدسة بها عطر لا ينتهي.

منى استعصى عليها فهم ما تقول صديقتها العراقية. الطلاق, الأوراق… تتابع صديقتها حديثها :

يجب إعادة تشكيلة البسطيلة بلا أوراق ... تسمعين بلا أوراق. يجب أن تكون كتابتك عطرا لا ينتهي. يجب أن تستفيدي من قراءتك لأدب ما بعد الحداثة, وما بعد جبران, أن تخلقي بسطيلة جديدة, و أن تقتربي من بطن الرجل. البطن يقع في العماء. المهم أن يلتفت إليك العلماء ليغيرون المدونة, لقد أحيلت على النسيان… أين مقالتك التي حدثني عنها : العماء والعلماء ؟ منى صديقتي إننا اعتدنا الكذب. نكذب على الواقع بالخيال. الخيال هو تمثال من الوهم ضد الطبيعة. الطبيعة هي بسطيلة بلا أوراق, بلا أوراق. إننا نعيش باستمرار تواريخ كاذبة من صنع بعض رجال السلطة , يخلقون من الكذب مشاريع ضخمة. أنتن النساء يوهمونكن بتغيير المدونة. يجب عليكن أن تغيرن المدونة بوعي وتبصر…

في غمرة الحديث عبر الهاتف مع صديقتها العراقية إلتلفتت إلى مرشح برلماني يخطب على شاشة التلفزيون . يشد انتباهها الخطاب, تدرك آخره يقول :

– يجب إعادة مراجعة قانون مدونة الأحوال الشخصية لصالح المرأة … يجب أن تشارك في صنع القرارات السياسية والحكومية. يجب … من حقها أن تصعد إلى… أن تغير المدونة. أن تفضح العتمة… كما فضحت مونيكا عتمة مكتب الرئيس. أغلب المكاتب الحكومية تتحول إلى غرفة غرام. يجب فضح العماء, ليفصح العلماء عن الكلام.

تستمر صديقتها العراقية في حديثها:

ستائر جدتك الأربعة أصبحت خرقا بالية, انزعيها من مكانها, لا تقلدي جدتك. غيري ستائر غرف بيتك. ستار واحد يكفي ويكون من نوع شانطو [10] ,الحرير فيه لامع بخياطة ليستور باطو [11]. أنت مغرمة بالموضة إذا كانت باهظة الثمن. اشتري الستائر من مدينة موريال و خففي وزن أغراضك المحمولة في المطار, ارمي بالكتب إنها ثقيلة. المواقع الإلكترونية مهمة تغنيك عن الكتب.

حق ما تقولين, لقد بعثت لي بالأمس كاتبة كندية من أصول هندية موقعها وكتبت لي رسالة إلكترونية,تقول فيها: أنا الأديبة دونا مارشال, وجدت أخيرا ملاذا وانتماءا من خلال رسالتي الفنية. أنا أعزف على الغيثار, أغني, أكتب الشعر, وأيضا مهنتي محامية أدافع عن حقوق الأطفال. شاركت في مهرجان المرأة العالمي, الذي أقامته المنظمات الكندية النسوية بالتعاون مع النساء المهاجرات في جامعة تورنتو, كما شاركت في احتفالات المنظمة المستقلة للمرأة العراقية والإيرانية, وأقوم بعدة نشاطات أخرى مجانا جودا وكرما. عندما اقرأ الشعر وأنا أعزف على الغيثار, يصفق لي الحضور المتعدد الجنسيات بحرارة وحب ويبكون , و أبكي معهم …

سافرت منى إلى موريال عند ولدها أسد و اشترت الستائر. أسدلت ستارا واحدا على النوافذ. لا عتبة بغرف بيتها. هدأ روعها وبدأت تكاشف الطبيعة. شدت بيد أخيها أمين وهي توجه نظره إلى حسن اختيارها لستار الشانتو من الحرير. ستار واحد يجعلها تطمئن وتشاهد النور يشرق في ببيت الله .


[1] – الخريب : نوع من القماش الفاخر التقليدي , وسمي بالخريب غليا لارتفاع ثمنه ولأن بهد شرائه يخرب مال صاحبته .

[2] – وبر الحديقة : يسمى عند نساء فاس باللهجة الدارجة المغربية * موبرة ديال الجردة * نسبة إلى ورود الحديقة ز وهي من السلع الفرنسية المستوردة . أيام الاستعمار الفرنسي .

[3] – جوهرة : قماش فاخر من الحرير الحقيقي . وهي كذلك من السلع الفرنسية المستوردة .

[4] – الشبكة : من الخيوط الرقيقة المتشابكة تظهر منها كل الستائر , وهي كذلك من السلع المستوردة .

[5] – خامية : هي الستار بالدارجة المغربية .

[6] – الشماشية : ثقب مزركشة بالألوان الزاعية من الجبس تقع في أعلى الجدار محاذية للسقف تنسل منها أشعة الشمس

[7] – البروكار : نوع من القفطان الفاخر .

[8] – قب : خاص بالجلباب يوضع على الرأس .

[9] – البسطيلة : أكلة مغربية فاخرة

[10] – شانتو :

[11] – ليستور :

الفصل الثاني

الرقص على الحريق

الطفلة رهام تحفظ مادة التاريخ وتستظهر على والدتها التي كانت غارقة في هلوستها المعتادة. تتذكر و تحلل الماء. الماء أصبح مشكلة في البصرة. يشرب السكان ماء ملوحته عفنة لأن الماء المستجلب من الفرات ودجلة ملوث بسبب النفايات. رغم أن المدينة تتوفر على معامل لتطهير المياه فإن اللجنة الأممية لتطبيق العقوبات تمنع العراق من استيراد مادة الكلور الضرورية لمعالجته. من قبل كان الماء مطهرا ومتوفرا في كل مساكن البصرة, بينما الآن هو غير موزع في العديد من أحيائها. في المدة الأخيرة بدأ السكان يشترونه من الباعة في الأحياء وقد بلغ ثمنه ضعف ثمن الوقود. هذا ما أزم الوضع وجعل العراقيين ينتظرون بشغف نهاية المفاوضات, أي مفاوضات ؟ هم لا يعرفون إلا أن البترول اكتشف حديثا. هذه أوهام, فآبار القار في إقليم الكوفة وفي شمال العراق كانت معروفة, يحكي عنها ابن بطوطة كما يحكي عنها آخرون من قبله. ينتشلها صاحبها من هلوستها يقول لها :

– فكي أزرار قميصي .

تقول له :

ما أجمل أن أمزق قميص صاحبي من دبر وأن يكون القميص قميص ملك آشور, الذي يقيم منفيا بين باريس وبرلين وبقع أخرى من هذا العالم .

يجيبها مازحا:

أنا سركون , عمري تسعة عشرة سنة. فتحت بابل فاخضرت السنابل وأورقت الأشجار وزغردت النساء وهدأ روع الرجال. أنا الآن عمري خمسون سنة, دخلت بغداد, رفعت الحصار وقطع أيديهن دهشة كل نساء العالم .

تقد قميصه شغفا وحبا. يقرأ لها قصيدة عنوانها * ليس هذا من كيد النساء*. كتبها ما بين بيروت, أثينا, واشنطن, الرباط, الرستاق و مونتريال. يقرأ القصيدة بصوت عال متوجع و محموم :

لا قفل, لا باب, لا بيت

زر تاريخنا المهدم

الخاتم الذي تريده, هناك

الشعب يطلب خبزا

ماء ماء ماء ماء

منى تحكي لصاحبها عن أنخدوانا, تقول:

أنخدوانا هي ابنة الملك سركون الأكدي. ولدت عام ‌2316 قبل الميلاد و نصبها أبوها لتعمل في معبد أور. أعطاها سركون سلطات دينية. تعتبر أول امرأة شغلت منصب مركز الكاهنة العليا. هي شاعرة متميزة ومن أروع قصائدها قصيدة “سيدة جميع النواميس الإلهية” التي نظمتها في مدح الآلهة أنآنا عشتار . يتجلى في هذه القصيدة تناص الحب والسياسة من خلال المديح.

يرتفع صوت حكيها, تقول:

لا نريد رؤساء, الانتخابات مزورة. نحب الملوك. سركون عاد عمره خمسون سنة, فك الحصار و دخل بغداد.

يقول لها :

احكي لي عن بعض الرؤساء العرب.

تحكي بصوت منخفض و متناغم:

كان رجلا عظيما, أحببناه يوما ما, مثل الرئيس الذي سبقه, ذلك الذي قرر استقالته يوم 8 يونيو ‍1967. قال قررت أن أقدم استقالتي, وأن أتنحى نهائيا عن منصبي الإداري, و أعود إلى صفوف الجماهير. ورئيس آخر طرد الدكتاتورية ثم استقال من الرئاسة وصار يحضر في الدروس الرمضانية.

أولاد منى التفوا حول التلفزة حبا في الرئيس الذي لا يرغب في تقديم استقالته. يهللون بصوت مرتفع انتصارا:

ماما, الصواريخ تضرب تل أبيب.

منى غارقة في هلوستها. ضاع كل الحب, الحريق , الماء لم يعد متوفرا في بلده وهو لم يعلن عن استقالته. بدأت المظاهرات تعم كل المدن في انتظار الإعلان عن الوصول إلى اتفاق. لكن القرار 986 يضع البلاد تحت الوصاية , فكل الأموال التي ستجنى من عملية بيع النفط ستوضع في حساب بنيويورك تحت وصاية الأمم المتحدة. الماء الماء

ترعبها كلمة وصاية. تذكر توا أن الحريق شب في العطارين وفي دكان سيد العباس. الوصاية على شعب له جذور حضارية متأصلة, احتقار للعالم وللبشرية. الماء و حريق العطارين . منى تكتب. يجب احترام الحدود القطرية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا في خصوص الوحدة العربية. رهام تحفظ بصوت عال و تزاحم حروف تكتبها أمها, تعمل على تشتيت أفكارها.

ماما .. . أريد أن أستظهر عليك دروس التاريخ.

لا تسمعها, تكتب

ماما

تجرها من يدها يسقط القلم أرضا. ترغب أن يقع القلم في جوف النهر و تغرق من أجله و تنتحر , كما انتحرت فيرجينيا وولف غرقًا في نهر أووز. منى تتساءل في صمت هل كانت فيرجينيا مثلها ترغب أن يسقط القلم في جوف النهر؟

تنزعها رهام من هلوستها , تقول لها:

ماما .

تومئ بسبابتها إلى الخبر المكتوب على الصحيفة قائلة :

ماما اقرئي : ” دلائل علمية على وجود حياة فوق المشتري. يعتقد العلماء أن ذلك يعد أكبر دليل لاحتضان تلك المياه لكائنات ميكروبية أو كائنات حية أخرى أكثر تطورا. تشبه هذه الأخيرة الكائنات التي تعيش في أعماق البحار والمحيطات الداكنة التي لا يصلها نور الشمس.” ماما اقرئي خبرا آخر على صحيفة الحياة ” اكتشاف كميات من المياه في الفضاء لا يمكن تصور حجمها. احتمال أن الماء على الأرض جلبته مذنبات ضربت الأرض في المراحل المبكرة من تكون الكوكب قبل ملايين السنين”.

منى تلتفت إلى القلم الواقع أرضا ترغب أن يقع في جوف النهر. تكتب. سيد العباس يخرج إلى العطارين و للا فضول تشعر بضيق شديد. تخترق الغرفة الكبيرة تتفقد بعض الأغراض في الطارمة [1] .تتجه إلى الصقلبية لتتجسس على دادا الياقوت. تحط في البرطال [2] , تنزع المنديل من فوق آلة العود و تنقر نقرات خفيفة. تنادي على دادا الياقوت :

دادا الياقوت يا دادا الياقوت.

تحضر الخادم في لمح البصر, تقترب منها , تربت على كتفها توددا و تقول لها بصوت خافت:

اخرجي إلى باب الزقاق وانتبهي جيدا لدار التازي فجيراننا يهيئون للعرس. أمس قالت لي للا زينب عندما صادفتها في الزاوية الكتانية, ونحن نترحم, بأن عرسا كبيرا سيقام في زقاقنا.

قلت لها :

وأنا نازلة في طريقي إلى الزاوية التقيت المعلمة بنيسة داخلة لتصنع الحلويات , والخياط اليهودي بومقيص خارجا من دارهم.

في دار العرس كان الحدث الكبير هو الرقص, كأنه رقص على الحريق. تتراص على الباب كثيرمن النسوة, يمنحن كامل العناية والترحيب. يعرفن بالمتفرجات و يخصص لهن مكان قريب من الممر الأسطواني. يترك باب الدار مفتوحا وتوضع لهن غالبا مقاعد بعيدة عن أصحاب العرس. المتفرجات مغلفات بالحائك الذي يكسو جسدهن و اللثام مسوي على وجوههن. يظهرن متميزات عن الحضارات يرقبن للا البتول.

تبدأ المغنية بريكة تصدح بصوتها العذب وهي تحتضن آلة العود. تغني :

يا حبيبي وحبيب الناس

يا الفضة ما فيك نحاس

يا الحمام إلي في شبيك

فين غابو ليك ماليك

تخرق الصمت إحدى النساء المتزوجات منذ عهد قريب, والتي مازالت تحتفظ باسم عروس. تخرج برقصة تبهر بها خجل كل النسوة. تبدأ برقصة خفيفة تعتمد فيها على الكتفين ثم ترمي بالشربيل [3] أرضا وتمشي على أطراف بنانها في تناسق فني بديع مع حركات أصابع اليدين الملتويتين على شكل دوائر مفتوحة. تدير الكفل, قلما ترعش البطن, تجهد جسدها لتقليد سامية جمال. تمدها إحدى الحضارات بمنديل تشد به كفلها بعقدة على الجانب الأيسر فتغدو الراقصة شبيهة بسامية جمال.

للا زينب ساهية في الرقص. تقرصها ثريا في فخدها منبهة :

مدي يدك إلى الصحن و التقطي كعب الغزال. هذه حلويات المعلمة للا بنيسة, تبارك الله عليها, لا أحد يستطيع صنع كعب الغزال مثلها. تحفظه في علب الزجاج شهرا كاملا دون أن ينشف زبده.

للا زينب لا تركز على الرقص بقدر ما تركز على نوع اللباس وألوانه الزاهية. يفتنها زواج الألوان. الأخضر والأحمر زواج صعب لأنهما يحملان كل التناقض القائم في العالم. للا فضول ماهرة في زواج الألوان. يحصل الزواج عندما يضعف اللون الأحمر ويقوى اللون الأخضر. من مشربية الغرفة التي تشرف على باحة الدار , تنزل ورقة خضراء كبيرة تنبهر لها كل الحضارات. المغنية زاد صياحها والراقصة التي نزلت الورقة الخضراء على نحرها شعرت أنها في حضن شهريار وأنه اختارها الليلة لتنعم بعوالمه السحرية المغرية والهالكة. تتعجب الحضارات عندما نزلت ورقة خضراء من السماء, ألف ريال ؟ تدس الراقصة الورقة في صدرها وتترك جزء منها ظاهرا يلامس جيدها. تقترب للا البتول من ابنتها, تنزع المنديل من كفلها وتسر في أذنها :

كفاك رقصا يا فاتنة, أنا أخاف عليك من عيون الحساد, إنك حامل, الأشهر الأولى صعبة.

تجرها من يدها, تدخلها إلى الغرفة الكبيرة و تضع يدها على رأسها وتقر في صمت سورة الفلق. تنفلت من أمها و تعود إلى الرقص. للا زينب تميل برأسها على أذن ثريا و تقول لها بصوت خافت:

هذه الورقة الكبيرة الخضراء التي نزلت من السماء رماها خالي سيد الحسن, لقد حدثنا عن زيارته للقاهرة عندما كان يؤدي مناسك الحج , قال لنا أنه شاهد الراقصة بديعة مصابني وأقسم أن يعلم زوجته الرقص مثلها. وعندما عاد من الحج كان يذهب معها لسينما بباب بوجلود لمشاهدة سامية جمال. زوجته الراقصة تأخذ بتلابيب عقله, منذ زواجه وهو في حمق شديد. هو الذي أوعز لصديقه أحمد بالزواج وأغراه فكان سببا في زواجه بأختها.

توجه انتباه ثريا إلى الراقصة مندهشة , تقول للا زينب:

– إنها بحق تماثل قضيب الخيزران . قدها يناسبها, فاتنة, ألماس تتحرك ..

أسرعت للا زينب و أجابتها بعجلة :

بنات للا البتول جمالهن فاتن و الخطاب يتهافتون على خطبتهن ..

يكثر النساء من الوشوشة في الأذن. الحديث كله عن القفطان [4] والمنصورية و المضمة و. تلتفت ثريا إلى للا زينب معيرة الراقصة:

لقد جاوزت قواعد الحشمة. حركاتها مجنونة و خيط الريح على رأسها سيفلت من مكانه. العفريتة لا تتعب من الرقص.

تقول لها للا زينب :

أنت لا تعرفين رقصاتها في ضيعة خالي سيد الحسن. عندما كان يستدعي كل أفراد الأسرة للنزهة, يندهش الحضور لخفة حركاتها و خالي يسيل لعابه. يعرف أن خروجها معه إلى السينما أعطى نتائج حسنة.

تزداد الوشوشة بين ثريا وللا زينب. تقترب للا البتول بخفة وهدوء وتنحني عليهما و تقول بصوتها الخافت ذي البحة الناعمة:

كفى أيتها الشقيتان, الليل طويل يكفيكما للحديث. الآن شاركا في العرس.

تندس بقربهما أكثر وتقول :

أخي سيدي عبد الكريم طلب مني أن أخطب له بنتا تفتن جمالا, لقد حضر من مانشستر وهو يتاجر في الرايد . هل تعرفان بنتا غزالة تفتن جمالا؟

تقول لها ثريا:

بالأمس أللا البتول شاهدت في الحمام حمامة تطير خفة ورشاقة. إنها بنت للا فضول الكتانية زهور. كانت تملأ القباب بالماء من المبرمة كلمح البصر. شديدة, قوية, لحمها مثل الجبن الطري و صدرها بدأت تظهر عليه حبتان من الرمان. أنا أستغرب كيف لم تنتبهي يا للا البتول إلى هذه الحمامة الفاتنة .إنها ياقوتة في خيط من ذهب.

تنصرف للا البتول لتتفقد الخدم بالمطبخ و ابنتها مازالت ترقص. تلتفت للا زينب إلى ثريا منبهة :

الله يحفظ أخت العروس مازالت ترقص و لبستها أصبحت مكنسة للأرض.

إنه قفطان الهوى بالنوى [5] , ومنصورية الحمق فوق الجبل [6] . هما من مخيط للا فضول, غرزتها متقونة لا يظهر مخيطها والألوان التي تستعمل مزوجة في تناسق مدهش. الشيخة بريكة يخرق صوتها العذب أرجاء الزقاق و يصل إلى السطح. للا فضول محبوسة في الدار لأن سيد العباس لا يسمح لها بحضور أفراح الجيران. سيد العباس صاعقة ينزل الكواكب من السماء. للا فضول في السطح تسمع مواويل المغنية بريكة , و ابنتها زهور قرب المشربية تحلم بمشاهدة العروس الفاتن , لا يسمح لها حسب الأعراف المتواضع عليها اجتماعيا أن تخرج إلى باب الدار وتندس بين صفوف المتفرجات لترقب العروس بارزة, تتسمر قرب المشربية, تنظر إلى الزجاج العراقي و تفرح لألوانه الزاهية , أحمر أصفر أخضر أزرق, زهور لا تحب اللون الأزرق, بعض التشكيلات تحاكي تطريز غرزتها. للا فضول فوق السطح تطعم الحمام حب الزبيب , تصيخ السمع فتسمع صياح المغنية بريكة. الخادم دادا الياقوت وسط المتفرجات, تنظر في هدوء إلى تنظيم العرس وتعد أنواع الحلويات عندما توزع بين الحضارات .

منى لا تقدر على أن تلتقط القلم من فوق الأرض لتكتب. تتذكر دعاء جدتها زهور, الله يعطي حريق لقيسارية بريمة كما حرق دكان والدي بالعطارين , يعجبها أن تحكي لحفيدتها عن بعض الوقائع الغرامية التي تقع في البزازين , تقول :

البدويات, يا ابني الغزالة, يأخذن بتلابيب عقله وشغاف قلبه. كان جدك يتاجر في القماش في قيسارية بريمة وكان البدوي يشتري التكشيطة [7] لزوجته والبلوزة [8] لابنته. في أحد الأيام طلبت منه أن يبحث لي عن خادمة من البادية ,لأن دادا الياسمين شاخت ووهن عظمها وتقوس ظهرها ولم تعد تقوى على الشغل. كنت لا أعرف أسرار جلساته مع الزبونات اللاتي كن يتسللن إلى قيسارية بريمة خفية خلال زيارتهن للشيخ الكامل. عندما كانت تستبد بي الغيرة وأشتعل نارا, أطلب من الله أن تشعل النيران في البزازين كما اشتعلت في العطارين. الله يرحم والدي , كم من مرة احترق دكانه في العطارين. كنت أداوم على هذا الدعاء , الله يعطي لقيسارية بريمة حريقه . سأحكي لفاتنتي حكاية حقيقية حكتها لي والدتي الله يرحمها ويجدد عليها الرحمة. عندما كبرت, قالت لي :

في أحد الأيام تأخر والدك وعندما دخل كان يرتجف وبيده صرة, قال لي:

للا فضول الشريفة الكتانية هذا رزق جاءنا من عند الله. اقتربي مني امسكي الصرة و حطي للا زهور المباركة المسعودة على الفراش.

فتحت الصرة فبدت بداخلها جرة مليئة بقطع نقود اللويز[9] من الذهب المصفى. واستمر يحكي :

للا فضول الشريفة الكتانية عندما كنت أكسر قوالب السكر على الأرض في دكاني بالعطارين, في كل مرة كنت اسمع صوتا يهتزبداخل الأرض فامتلأت شكوكا. لما كثرت ظنوني, أسرعت لقفل الدكان وعزمت على الحفر. بدأت أحفر شيئا فشيئا وإذا بي أعثر على هذه الجرة المملوءة باللويز.

لقد قالت لي أمي للا فضول:

هذا الرياض الكبير الذي نشأت فيه اشتراه بالكنز الذي عثر عليه في الجرة. لقد سمعت هذه الأيام أن الحاج المفضل بنشقرون حفيد سيد الحسن الله يرحمه, اشترى الجفنه [10] التي كانت تزين سقف الغرفة الكبيرة, اشتراها بمائة مليون, وحملها من فاس إلى الدار البيضاء ثم ركبها في سقف الصالون بداره في حي كاليفورنيا, هذا عجب؟. إنني يا فاتنتي مازلت أتوصل كل شهر بفلوس كراء الإسطبل الذي كان يسرج فيه والدي بغلته, الآن أصبح محلا لتخزين البضائع . أللا منى في ذلك الزمان كان الناس يدفنون القطع الذهبية في باطن الأرض ومن عثر عليها أغناه الله.

منى تغرق في هلوستها. تشاهد الجفنه الخشبية الملصقة بسقف الغرقة الكبيرة . الخشب مزركش برسومات ملونة زاهية . تدس يدها في صدر جدتها, تفتح عقد قفطان الملف الكناري , تلمس سبطتها, تسمر عينيها في الجفنة الخشبية, و تنام بجوارها , تحكي لها جدتها ألف ليلة وليلة.

أشياء كثيرة تختفي وراء الخشب, نتوءاته مزركشة مبتهجة و ألوانه مفرحة زاهية .الشيء المهم عند منى هو أن تلمس بحب صدر جدتها السبط الناعم. تفتح العقد [11] , تفتح زكروم [12]. تتسلق الباب الخشبية العالية التي تعلو جسدها. تسعد عندما يحضر جدها بعد صلاة العشاء و تفتح الباب الموصدة. تندهش جدتها و تتعجب لشجاعتها وصبرها. منى تشد بقطع من الخشب بارزة متآكلة هشة و تتسلق أكثر ما يمكن, تضع بنان أصابع قدميها داخل ثقوب خشب الباب الفارغة, تتسلق, تمدد أصابع يدها إلى أعلى, تحل الزكروم و تفتح الباب. الجدة تهلل و تفرح, تعلم أن حفيدتها تستطيع أن تفتح الأبواب الموصدة. تقفز من مكانها, تمسك بيد حفيدتها, تدخلها إلى الطارمة وتعطيها حفنة من الزبيب واللوز. تقول لها :

الله يحفظ لي الألماس الحرة. أنت فاتنة وشجاعة, تقدرين على فتح الأبواب.

تعبر للا فضول الأزقة المفضية إلى الزاوية الكتانية في خيلاء وغطرسة وترنح. تمسك بيد حفيدتها لأن الأزقة مظلمة وضيقة وطويلة. عيناها منغرستان أرضا, تنبه حفيدتها بين لحظة وأخرى حتى لا تتعثر على الأرض قائلة:

أمسكي جيدا في التركيبة [13]. أسرعي لنصل إلى الزاوية الكتانية ونترحم ونعود قبل أن يحضر جدك إلى البيت. دادا الياقوت لا تقدر على طهو الطعام وحدها. سيغوث علينا, أنا أتهيب صراخه,الله يحفظ. أمولي عبد القادر الجيلاني, أمولي بغداد, الله يحفظ ؟

حفيدتها تشد بذيل التركيبة. تبتسم وتسر عندما تتذكر أنها استيقظت على صوت جدتها للا فضول وهي تدللها وتداعبها :

أللا وللا,

دار السلطان عالية

فيها خوخة ودالية

فيها البنات زاهية

فيها الحب بلا قياس

فيها صهريج من النحاس

يصب العسل بلا قياس

الصبية تتعثر..الجدة تقول:

أسرعي,أسرعي و امسكي جيدا في التركيبة. جدك كلمته الأولى أنت حرام علي بالثلاث .

لا يفتأ يرددها غاضبا و يلعن ذهابي إلى الزاوية للترحم. الأهداب المسدلة من التركيبة الزرقاء و التي تمسكها الصبية تحفز على اللعب. تلعب بأطراف التركيبة , تتعثر. جدتها تنبهها عند التلكؤ:

انتبهي و امسكي جيدا بالتركيبة.

للا فضول تقترب من باب شبه موصدة, يقف عليها رجل مسن, لحيته بيضاء توحي بالوقار والاطمئنان و .والموت. لا يرفع عينيه نحو المرأة الغلفاء ذات الحائك الأبيض. يقول لها وعيناه منغرستان أرضا :

للا الشريفة الكتانية.

يفتح لها الباب و تمده بقطع من السكر. تتعثر قدماها في أتربة المقبرة غير المستوية. تخطو خطوات إلى أعلى, تجلس على حافة قبر منسي و تلتفت إلى حفيدتها مشجعة:

اقرئي الفاتحة. اقرئي ما علمتك إياه للا أمينة في دار فقيهة.

تقرأ الصبية بفصاحة وغبطة. تقرأ كل السور التي حفظتها في دار فقيهة و تردد معها جدتها بعض السور. تتوقف الجدة و تقرأ الصبية وحدها. تبتهج عندما تقرأ حفيدتها آية الكرسي و في النهاية تقول بصوت رقيق:

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

تهلل السيدة للا فضول مبتهلة شاكرة لله:

تبارك الله , حفيدتي أصبحت عالمة صغيرة. ربي يحفظ لنا الفقيهة للا أمينة .

تنحني للا فضول على قبر والدتها, تقبله وتدعو دعاءها المعتاد أن تحج لترى النور يشرق في بيت الله.

تتساءل منى الآن, وهي بالقرب من طفلتها رهام, لماذا يذهب الناس إلى الترحم على قبور آبائهم وأجدادهم, وأمام أضرحة قوم هم أولياء الله في نظرهم؟ حالهم في هذا كحالهم في ترجيهم بالعميان والعرجان والشيوخ الهرمين والفقراء المعوزين وما شابه ذلك. ثقة الناس في الموتى لا تعادلها ثقة أصلا, ما السبب ؟ . فقدوا الثقة في الأحياء المبصرين فظنوا أن الثقة بالغير لا ينبغي أن تتجه إلا إلى ما يباين هؤلاء. ظنوا أن الموت يحمل معه إلى الموتى الصدق والصلاح والاطمئنان. فلذلك اشتغل بعضهم بالتاريخ الذي هو علم أعمال الموتى, واشتغلت طائفة بالقبور نفسها واعتقدوا أنها مصدر خير, وأن من وقف عندها رضي الله عنه. دخل في علمهم أن الله لا يعلم ما في قلوبهم فأرادوا أن يظهروا له ذلك بأفعال الجوارح, إذن فهم مخطئون مرتين بل مرات.

منى علمت أن للا فضول كانت بارعة في طبخ قدر الحمام باللوز وذلك لتميز مذاق الحمام الذي تطبخه. سر الطبخ اللذيذ هو أنها تطعم الحمام بقايا حب الزبيب. زوجها سيد العباس كان يداوم على شرب عصير الزبيب. تعصره وتصفيه في خرقة رقيقة بيضاء من نوع حياتي[14]. تترك الخرقة مفتوحة في السطح حتى يجف بقايا الزبيب ثم تطعمه للحمام. للا فضول يؤنسها الحمام لقد اشتدت صحبتها معه في السطح. تنزل إلى البرطال, تمدها دادا الياقوت بالعود, تمسكه تنقر نقرات خفيفة و تغني بصوت خافت ناعم:

يا محبوب عايروني بك الناس

قالوا هذا هبيل صاحبته خادم

هبيل بن هبيل من يقول الياقوت خادم

تبتسم دادا الياقوت. للا فضول تنقر نقرات خفيفة, لقد تعلمت هذه النقرات من جدتها, قالت لها :

– هذا العود أعز ما أملك, ورثته عن جدة جدتي التي أهدته لها جدتها من غرناطة. سأعطيه لابنتي للا زهور يوم صبوحها ليكون مؤنسا لها في لحظات غربتها القاسية.

منى لا تعرف للا فضول ولا جدة جدة للا فضول, لكن مثلهن تشعر بالغربة ما بين لهيب الرستاق وصقيع كيبيك, ترحل لتلتقي بصاحبها وبابنها ثم تعود إلى بلدها مرغمة وملغمة. أيهما أشد قسوة غربتها أم غربة جدة جدة جدتها بغرناطة؟. عندما قرأت مسرحية المهاجر عرفت أن أم أحمد السائل هي جدة جدة للا فضول. افتح مخطوط المهاجر, الذي نال عنه صاحب منى جائزة المسرح, اقرأ صفحة تسع وتسعين يقول أحمد السائل:

لقد سوينا صومعة الجامع بالأرض كما ترونها, ووجدنا عجبا جئنا نخبركم. وجدنا صندوقا من حجر و في قلبه وجدنا صندوقا آخر من رصاص, ثم وجدنا بداخل الصندوق رقا مكتوبا بالعربية والقشتالية, ووجدنا فيه نتفا من خمار السيدة مريم عليها السلام …

المسرحية لم تذكر زيارة أحمد السائل لجدته. أحمد السائل كان يزور خفية جدته التي بقيت في سكنها بغرناطة, فيجدها تنقر نقرات الوجع لرحيل أهلها. تنقر نقرات الحنين على أوتار العود فيتوجع كل نساء العالم, تغني بصوت شجي لرحيل ابنتها الوحيدة إلى مدينة فاس. أخفى حفيدها أحمد السائل عند جدته النتف إلى حين رحيله إلى فاس عند أمه. حمل معه نتفا من خمار السيدة مريم و العود الذي حمله هدية من جدته إلى أمه التي هي جدة جدة للا فضول. أحمد السائل ترك بعض النتف عند ابنه الوحيد الذي لم يفارق قريته التي تقع بالقرب من غرناطة وأحب ماريا التي هاجرت إلى أمريكا وتركته . استنبتت البركة من نتف خمار السيدة مريم في بعض حفيدات جدة أحمد السائل وجدة جدة ماريا , وأصبح الله يستجيب لدعواتهن. للا فضول تحتفظ بنتف خمار السيدة مريم, طلبت من الله أن يرزق زوجها كنزا حتى يهدأ روعه ويقل غضبه ويزكو ماله. ماريا هي الأخرى تطلب من الله أن تدخل بغداد آمنة مطمئنة . تلكز رهام أمها تقول لها:

لقد حفظت مادة التاريخ. أريد أن أستظهر عليك قبل أن يبدأ مسلسل سلستي. اسمعي : عهود الخلق والتاريخ

· طور القرون الأولى قبل موسى عليه السلام

· طور التوراة ونزولها على موسى عليه السلام .

· طور الإنجيل ونزوله على عيسى عليه السلام

· طور القرآن الكريم ونزوله على محمد عليه السلام .

رهام مبتهجة لأنها تستظهر دون تلعثم. أمها تبارك قوة الحفظ عندها , تتعجب لأن بنتها لم تتوقف عند الاستظهار. يزداد صوت رهام ارتفاعا تقول :

عاد وثمود لم يوجدا على كوكب الأرض. هم قوم وجدوا على كوكب المشتري وهلكوا, وخلق الله قوما آخرين على كوكب الأرض

منى تردد دعواتها:

الماء .. أمولي عبد القادر الجيلاني. الحريق ببغداد.

رهام تستظهر. منى تقلب دفتر القاموس اللغوي:

حواء هي قسم من أقسام الاشتقاق اللغوي لجدر الحاء والواو والياء, وتعني الولود. حواء هي الشديدة الاشتمال والاحتواء. الاحتواء في اللغة العربية يكون بالجنين.

منى مازالت تقلب دفتر القاموس اللغوي, تقرأ:

أنثى = أنسى,* ث * انقلبت *س*. إنثان = إنسان, احتفظ بإنسان ونسي الأصل إنثان, والأصل هو أنثى .

رهام تستظهر على والدتها مادة النحو:

الأسماء الستة هي: حم, أب, أخ, هن, فو, وذو.

الأم تنبه ابنتها:

خطأ الأسماء الخمسة؟

رهام:

ماما, قالت لنا المعلمة , هن حذفه النحاة لمعناه الجنسي المؤنث .

الأصل الأسماء الستة. وقع قديما حيف عبر تاريخ اللغة العربية فالقواميس من صنع الرجال, ولهذا ساد التسلط اللغوي منذ حقب قديمة كما ساد تسلط الرؤساء الطغاة.

تعود تقلب دفتر التربية الوطنية, تقرأ:

القافات الخمس : القرابة, القسامة, القنانة, القحابة.القوادة .

تنزع رهام دفتر من يد والدتها تقول:

مادة التربية الوطنية لا نحفظها, المعلم يرفض استظهارها.

منى تنحاز إلى ركن و تحاول لملمة الأوراق التي تخص أطروحتها. تختلط الأوراق مع دفاتر ابنتها رهام و قصاصات الصحف هي الأخرى تندس وسط الأوراق. تنسل قصاصة تقرأ : مشروع خطة العمل الوطني لإدماج المرأة في التنمية ونظرية العماء وصمت العلماء.

تدخل مهرولة إلى المطبخ, تشم رائحة حريق طنجرتها إنه الحمام القدر باللوز. رهام ترقص وتطوح بالدفاتر أرضا. تنهمك في الرقص غافلة عن الحريق و مستسلمة إلى شيء خفي يحرك جسدها الفتي. منى خائفة, تصب الماء في القدر, أمولي عبد القادر الجيلاني أمولى بغداد . رائحة الحريق, ماء ماء ماء.


[1] – الطارمة : غالبا ما تكون في ركن داخل الغرفة وهي خزين لبعض الأشياء الخاصة كالأكل المتميز مثل الفواكه الجافة . والنتف المتميزة , واللباس إلى آخره .

[2] – البرطال : مكان مفتوح على باحة الدار الغرض منه التجمع .

[3] – الشربيل : حداء نسائي تقليدي

[4] – الوندريز :

[5] – الهوى بالنوى : إسم لنوع من لباس المرأة

[6] – الحمق فوق الجبل : اسم لنوع من لباس المرأة

[7] – التكشيطة : لباس المرأة التقليدي

[8] – البلوزة : لباس المرأة الأوربي

[9] – اللويز : قظع من الدهب

[10] – الجفنة :

[11] – العقد: الأزرار

[12] – زكروم :

[13] – الركيبة :

[14] – حياتي : قماش أبيض شفاف

زكية خيرهم

06/12/2007 النور

قراءات: 133

تسلمت هذه الرواية من المؤلفة شخصيا في اليوم الأول من رمضان المبارك الماضي، وودعتها وهي تستعد للعودة لوطننا المغرب في اليوم التالي . أخذت مكاني في القطار عائدة لمنزلي وبنهم وحب واستطلاع شديدين بدأت أقرأ الصفحة الأولى، وجدت نفسي خارج القطار وخارج أوسلو وخارج النرويج كلها ، إذ طارت روحي إلى وطني وكنت أرى في كل جملة أقرأها صورة منه أمامي، وكأنني أشاهد فيلما سينمائيا يقدم لي كيف كانت الحياة في موطني الذي كتبت عن بعض جوانب حياة المرأة فيه في روايتي الأولى ( نهاية سري الخطير ) . حياة النساء في مختلف أعمارهن و لقطات عديدة من مظاهر بؤسهن تشخصها صفحات رواية الدكتورة لطيفة حليم وتجعلني أتخيل كيف هي حياة المرأة المغربية وكيف تتصرف إزاء ما تتعرض له من مصادرة وإلغاء لغالبية مكوناتها البشرية ، فهي تسعى جاهدة لإرضاء الزوج الذي لا يبالي … الزوج الذي أمام عينيها من حقه أن يفعل ما يشاء ولو كان ذلك سيجرح شعورها ، بينما هي تخافه رغم قيامها بكل واجباتها المنزلية و الزوجية السريرية . تذكرت جدي وأنانيته التلقائية التي لا تجهد نفسها بالتفكير، بل تصرفاته التي كانت ” ذكورية” صرفة. هذا التصرف التسلطي الذي يحكمه الوعي الاجتماعي حتى اليوم ويقوده إلى ثنائية تناقضية حادة بين الفحولة والأنوثة.

الصفحات الأولى من الرواية تحيلنا على صورة كاملة للنمط الحياتي والتعسف ضد المرأة، فكل جملة تختفي وراءها معاناة تجعل القارئ يتفاعل مع ما يحسه من تلك المشاهد الكثيرة والمتلاحقة في السرد وما بين سطوره للواقع المر الذي مرت به المرأة ومازالت، لكن المؤثر أن القارئ يرى أيضا أن شخصيات “دنيا جات” النسائية رغم سلوكهن الأنثوي المتخفي تحت قناع التقاليد والتبعية للرجل الذي يغيبها أو يتيح لها فرصة الحضور، فهن يسعين جاهدات إلى تجاوز المحنة والوصول إلى التحرر والخروج من “عباءة” التبعية. جسدت الكاتبة مرارة الواقع ومفارفاته في المغرب بل أيضا في العالم العربي، مأساة المرأة ومأساة الشعب ….مأساة القمع التراتبي …

الرواية توقظ في نفسية القارئ صورة حقيقية لشعب يئن ويتجرع المأساة، شعب نصفه المرأة، العنصر الأساسي وقلب المجتمع بأحاسيسه المرهفة، لكنه محروم من حياة هانئة خالية من طعم المرارة والغصة الساكنة في الحلق. تجعلك الكاتبة تعيش وتحس أنواع الظلم والتعسف على المرأة وتصديرها للزواج سلعة غضة لرجل قد يكون في سن أبيها، ناهيك عن الضرب وسوء المعاملة وعدم احترام شعورها.

الرواية جديدة في النوع والأسلوب. جمل متلاحقة تعبر عن كثافة الأحداث والصور والأحاسيس الداخلية بشكل متميز وجديد في أسلوب الرواية. جمل تعطي تصوراو انطباعا واضحا عن السلوك العنفي تارة والسلوك الهادئ تارة أخرى. ما أثارني في الرواية، جمل باللهجة المغربية والأمازيغية والفرنسية، سرد غني بين الرصد التصويري والتفصيلي، سرد ظاهري وآخر وراء الجمل، طريقة جديدة، غنية بأحداثها على المستوى الثراثي والثقافي و الإجتماعي . ودون التقليل من أهمية الرواية ورهافة أسلوبها ، إلا أن هذا الزج العفوي بالكلمات المغربية والأمازيغية والفرنسية من شأنه أن يحول دون تفاعل القارىء العربي في المشرق العربي، خاصة أن المرأة هناك تعاني من نفس المشاكل والأوضاع بنسبة من النسب، مما يعني أهمية أن تنتشر الرواية في المشرق العربي ليعرف القارىء هناك رجلا وإمرأة حجم العنف الأسري الذي نعيش ويحول بالتالي دون حياة كريمة لكافة مكونات المجتمع ، و إلا ما معنى أن نقول عن المرأة العربية أنها ( نصف المجتمع ) وهذا النصف ما زال مضطهدا مصادرا ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين. وهذا الزج العفوي بالكلمات والتعبيرات المحلية أو الأجنبية سائد في العديد من الروايات العربية، ويواجه غالبا بنفس الملاحظة التي أوردتها، كما قيل فيما يخص رواية ( بنات الرياض ) للكاتبة السعودية رجاء عبد الله الصانع ، إذ زجت بالعشرات من الجمل والتعبيرات باللغة الإنجليزية مكتوبة بالحروف العربية، وبالتالي كيف سيفهمها قارىء عربي لا يفهم الانجليزية ، عندما فجأة في سياق النص العربي يجد أمامه ( مي يو ريست إن بيس ) ص 12 من الرواية، أو ( ذا دمج إز دون ) ص 48 من الرواية، وغيرها عشرات المواقع بالإضافة للجمل باللهجة السعودية التي من الصعوبة أن أفهمها كمغربية، وأيضا بالنسبة لرواية ( بنات الرياض ) هذه الملاحظة لا تقلل من شأن هذه الرواية الجريئة ذات الطابع الانتحاري الاقتحامي لعالم سري معاش مسكوت عليه طالما هو لا يظهر للعلن ( وإن بليتم فاستتروا )!.

وعودة لرواية ( دنيا جات ) ف ( منى ) تتساءل ما علاقة الباب بالطلاق؟ تتذكر قراءتها لمسرحية ” لعبة دمية ”. المرأة النرويجية التي تطلق زوجها. حصل ذلك عندما صفقت نورا بطلة المسرحية الباب وراءها وانصرفت. هل ( منى ) ترغب مرة ثانية في الطلاق ؟ تصفق الباب وراءها، تخرج إلى الحمام وتطلق زوجها ثلاث ساعات. المرأة لا تستطيع ان تعبر عن نفسها و معاناتها بصراحة . أسلوب المصارحة الواضحة مع الزوج منعدم ، لذا تجد نفسها ملزمة بالتعويض عن ذلك بالهروب ولو لسويعات ، الطلاق لسويعات ثم تعود لسجنها الأبدي طالما العقلية الذكورية هي المتحكمة ، هذه العقلية التي يصفون من خلالها المرأة في المشرق العربي أنها خلقت ( للخلف والعلف ) أي السرير والمطبخ .

” أنت مشغولة بهمومك الزوجية. هيا غوصي في البحر ، كوني مثل البطلة نورا ،اطرقي الباب وراءك وانصرفي ” .رواية ” دنيا جات” رواية المجتمع ورسالة له، ليعيد النظر في التعامل مع المرأة التي تمثل نصفه وأن تشارك في كل ميادبن المجتمع كإنسان فاعل وليست مجرد كتلة لحم تثير الغرائز لدقائق ثم تركن في الزاوية المظلمة لحين اشتعال لحظات الغرائز مرة جديدة.

خلاصة القول، رواية ” دنيا جات” تتجه نحو مواجهة التعسف الذكوري في المجتمع العربي. رواية تدور في محيط الهواجس الذاتية والخواطر الوجدانية، مجسدة الانتكاسات الإجتماعية التي تحول دون المرأة وممارسة إنسانيتها.

“دنيا جات” رمز لإنسان جديد قد جاء، إنسان ينسلخ تدريجيا من ارتداء “جلباب” التعسف، رغم أن التغيير لا يحصل فجأة . المهم أن دنيا جديدة ستجيء مليئة إشراقا وتفاؤلا ، فقط نريد طرق الباب مثل نورا إبسن النرويجي ، فالمرأة الأوربية ناضلت طويلا وطرقت وأغلقت وكسّرت أبوابا عديدة قبل أن تصبح نصف المجتمع الحقيقي الموازي للرجل ومتفوقة عليه في أحيان كثيرة . هذه انطباعاتي عن الرواية كقارئة مهتمة بقراءة الرواية من مختلف الأداب العالمية ، أما النقد الأكاديمي فأتركه للمتخصصين فيه ، ألا يقول المثل العربي ( رحم الله إمرىء عرف قدر نفسه ).

مها بكر

الروائية لطيفة حليم تريد إعادة الاعتبار لكتابة الرواية الواقعية ولكنها مشغولة بعناية وبطرح فني أكبر عبر أداء سردي تخوضه بثراء معرفتها بالعالم الروائي بثقة وسلاسة تبني معمار روايتها بشغف من تريد أن تكسو عوالمها المتخيلة .. المزدحمة “بكائن لغوي” يرسم المعنى والدلالة لشخوصها وهي تخوض غمار حيواتها الفنية عبر الرواية. استعانت بقول رولان بارت حينما سمى الشكل بكائن لغوي لغنى مصطلحه هذا وهو يمنح الروح لجسد الرواية وتفاصيله.

هي لطيفة حليم الروائية التي تقشر الزيف عن طروحات كبيرة وكثيرة تعم هذا العالم تسرد كوامن روحها وما يؤرقها كذات إنسانية تسعى لكشف العتمة عن قضايا تؤرقنا جميعا قد تم تجاهلها ونسيانها وفق ماتقتضيه موازين هذا الكون المختلة عبر سردها الروائي حيث تقبض على جمر قضايانا الخاصة الجسد،الحرية، الموت، المرأة، الوطن.. الإرث تبدأ بالخاص توسع دوائره حتى يغدو نافذة حية تطل على العام.


قد تتراءى لنا “دنيا جات” رواية سهلة لكن ماأ ن نتوغل في عوالمها حتى نعثر على هذا السرد المعتنى به وأحسبه أحيانا يصل الى مصاف الشعر في أدائه الحيوي والجمالي والدلالي المكثف. أشعر بها وكأنها تريد دس مشاعرها الرهيفة بذكاء ودون أن تشعر القارئ بتدخلها ككاتبة. لمست ذلك في الفصل الثالث وهي تصف الطفل أمين حين يمارس لعبة الدوران وسط الستائر وتحميلها المقطع السردي شحنة شاعرية كبيرة وذات دلالات واسعة أيضا انها عبر “دنيا جات” تطرح سؤالا كبيرا وموجعا عن عجز الانسان العربي في مواجهة ألمه وقضاياه تدعوه للتساؤل عبر نية فنية مضمرة تتركها للقارئ أن يلمسها في الفكرة وهي تتداول بين شخصياتها.حيث اليأس هو الملجأ ودرب الخلاص يتجلى ذلك حينما تتساءل منى احدى شخصيات روايتها عن أولئك الذين يتوسلون أضرحة الأولياء “حالهم في هذا كحالهم في ترجيهم بالعميان والعرجان والشيوخ الهرمين والفقراء..الخ


انها في مقطع سردي صغير تشير الى وضع مأساوي مرير دفع بالكثير أن يشتغل على التاريخ المطفئ أو كما تسمية الروائية “علم أعمال الموتي” وكأنه دعوة الى تثبيط العقل العربي ورؤاه وبقاء عذاباته مشتعلة.وهي تشير بوضوح شديد الى سطوة الذكورة في مجتمعاتنا العربية، بدءا من اللغة وحتى امتلاك الوطن واسره في سطوة الدولة على شعوبها التاريخ ، التراث مفصلان مهمان تتأهب الروائية دائما لاستظهارهما بين الفصل والآخر وبالتحديد الحيز الذي تشغله المرأة فيهما من حيث الكشف عن الجانب المأساوي منه أكثر من المضيء وهي تستطرد كثيرا في بث هذين المفصلين من خلال الحوار المشتعل بين الجدة والحفيدة “الفصل الثالث” حينما تخاطب الجدة حفيدتها قائلة لاتشغلي عقلك بالتاريخ انه صناعة القوي إزاء الضعيف بينما تسعى الحفيدة الى قراءته في النور ، كأنها عبر هذا الحوار المفصلي تسرد قضية كبيرة وقطيعة يراد لها أن تكون بين التراث والمعاصرة .هي رغبة الأتي المضيء أن يخرج من دوائر الماضي المعتم من الإرث البالي منه كأنها رغبة الكاتبة أن تقطع حبل السواد بين جيلين وألمين وقناعات أثقلت كواهلنا.
غرناطة
البصرة
شعب الأمازيغ مفردات ذات محمولات دلالية كبيرة لتقول عبرها رؤىً كاملة وشجاعة روائية تحسب لها وكفى. دنيا جات رواية تسعى لتأنيث هذا العالم ليس عبر مفاهيم ذكر أو أنثى ، رجل أو امرأة وإنما بذكر وأنثى برجل وامرأة معا تدعو لطيفة حليم المرأة ، الإنسانة أن تلتفت الى طاقاتها كفاعلة مؤثرة ومواكبة للحياة يتجلى ذلك في الحوار المعبر بين منى وصديقتها العراقية حينما الأخيرة تقول” لا تبددي زمانك في المطبخ يجب أن تستفيدي من قراءتك لأدب ما بعد الحداثة و ما بعد جبران”هي دعوتها الآسرة للتواصل مع المحيط الكوني وليس في أسر مكان واحد تشير الى جمالية حضورها داخل مساحة الإبداع وبهاء أداءها وفاعليتها القصوى حينما تخبرها عن الرسالة الالكترونية التي تلقتها من الأديبة دونا مارشال وهي تشرح لها كيف يلغي الإبداع الفني الفرو قات بين الأجناس قائلة”عندما أقرأ الشعر وأنا اعزف على الغيار يصفق لي الحضور المتعدد الجنسيات بحراة وحب يبكون وأبكي معهم”هي رواية شدتني وأعجبتني وأنا أجد فيها ذاتي “دنيا جات “روايةُ ُ جسارة الطرح وغواية اللغة

شاعرة سورية تقيم في ألمانيا

دنيا جات” رواية صدرت مؤخراً عن د ار منشورات زاوية الفن والثقافة للروائية المغربية لطيفة حليم وهي أستاذة في كلية الآداب –جامعة محمد الخامس الرباط، حصلت على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي عام2003 عن “شاعرات ما بعد جبران” ولها قي النشر “الشعر العربي النسائي في أمريكا” ولها مساهمات وشاركات عدة حيث قدمت الكثير من المحاضرات في أمريكا وكندا حول الأدب العربي النسائي

جاسم الرصيف

من المعروف في عالم الثقافة العربية في المملكة المغربية أن د. لطيفة حليم، استاذة الأدب العربي في جامعة محمد الخامس الرباط ، ناشطة كبيرة في مجال توثيق الأدب النسوي العربي، خاصة الأدب المهجري، ويكاد لا يمر عام دون مشاركات كبيرة منها في الجامعات الأوربية والأمريكية والكندية، لتسليط الضوء على نشاط الأدب النسوي العربي بشكل عام والمهجري بشكل خاص، مستغورة عالم المرأة العربية بجرأة العالم الأكاديمي وحساسية الكينونة الإنسانية كامرأة تكتب عن النساء وتبحث أوضاعهن تحت وطء السياسة والحب ووظيفة المرأة في الحياة المعاصرة.

ولكن أستاذة الأدب العربي، وجدت نفسها، ربما، مع بقية النساء العربيات، في متن روايتها الأولى (دنيا جات) – واللفظة مغاربية دارجة تعني: جاءت الدنيا – فرسمت عبر المفردات المنتقاة بعناية شخوصا سلسة القرب للقارئ مؤطرة بين لغة عربية فصيحة جميلة ومرصعات مفردات مغربية دارجة أضفت على النص نكهة محلية لم تبعدها، قدر ما قرّبتها من معالم العالم العربي المعاصر ودور المرأة العربية الذي وضعته الكاتبة على طاولة النقد في عالم تراه ذكوريا همّش دور المرأة وظلمها.

د. لطيفة حليم دخلت الحدث، القصّ مباشرة، دون اللجوء إلى التلميح، ولا الضبابية التي قد تمنح القارئ فرصة الاستنتاج اللاحق لقراءة النص، وربما تعمدت ذلك بحرص امرأة تخشى عادة الرجل في استغلال حريته لتأويل العالم والمحيط وفق تعاليه الذكوري على النساء، وربما لتصدم عالم الذكور بعالم المرأة في قالب ساخر يعكس تسلط الرجل في مشاهد الضرب والطلاق والتهميش وتعدد الزوجات والحب، وغير ذلك مما يجمع ذكرا وأنثى في قوالب العادات والتقاليد العربية الا الرباط الإسلامية.

وكان من ابرز ضحايا سخرية د. لطيفة حليم في روايتها (دنيا جات) ابن المقفع على جريرة كرهه المعلن للنساء في قوله: (لا يتجاوزن الاعتناء بجمالهن، ولا تمتلك أي امرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، وإنما المرأة ريحانة وليست قهرمانة)، ومن ضحايا سخريتها ممن ظلموا المرأة كتاب القواميس والنحاة العرب الذين كرسوا سلطوية الذكور على الإناث منذ زمن التدوين البعيد حتى في اللغة وتوظيف المفردات العربية، وبذلك غطّت الكاتبة عمقي الماضي والحاضر السلطوي للرجل على المرأة ومن زوايا متعددة تاريخيا واجتماعيا.

بالمقابل ذكرت د. لطيفة حليم رجلا ناصر المرأة وحقوقها هو (قاسم أمين)، وناشطة في هذا المجال هي (درية شفيق)، من ناشطات خمسينيات القرن الماضي، وخلصت في مجمل روايتها الأولى، وعساها مستهلا لروايات أخرى، إلى تقديم نموذج حي، نابض بالحياة، يعيش في عالمنا مظلوما بجملة من القيود والعادات والتقاليد المحبطة لطاقاته الموازية لطاقات الرجل الذي يصادر وتحت ذرائع مختلفة إمكانيات إنسانية يمكن أن تخدم المجتمع بطرق أكثر فاعلية وأعمق في التأثير.

لم يفت د.لطيفة حليم، وهي تقدم لنا عالم النساء العربيات المهمّش في عالم الرجال أن تتناول البعد العربي الإسلامي في روايتها (دنيا جات)، فذكرت كثيراً من معالم العروبة والإسلام المضيئة في عالم اليوم من خلال موروثاتنا، وتركت لروايتها ومن خلال الشخصيات أن تستعيد، مثلا، (مولاي عبد القادر الجيلاني)، أو (عبد القادر الكيلاني) وفق اللفظة العراقية الدارجة، وما مرت به الأمة العربية من مآس، وبذلك تحوّلت روايتها الأولى إلى رسالة واضحة لمجتمعنا العربي الإسلامي تحثه على التغيير التطوعي والمعاصرة العقلانية من خلال توظيف المرأة عاملا مساعدا فعالا في الرقي ببنية المجتمع إلى ما هو أفضل.

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2008/04022008/fadaat22.htm
Jasim Arraseef
jarraseef@yahoo.com
http://2arraseef.blogspot.com