الأدب النرويجي وقضية فلسطين .

Advertisements


الأدب النرويجي وقضية فلسطين . محاضرة . كلية الآداب جامعة محمد الخامس . مدرج عزيز الحبابي . بحضور الكاتب العام الأول لسفارة مملكة النرويج . 05_ 01_ 2009 .


Le professeur Marocain, Latifa Halim, a tenu deux conférences sur la littérature à Oslo.

05/10/2007 ::
Le professeur Marocain, Latifa Halim, a tenu en septembre deux conférences à l’Université d’Oslo sur « les femmes d’Ibsen d’un point de vue marocain » et « la littérature féminine marocaine ».

Au Centre de recherche pour les femmes et les sexes à l’Université d’Oslo, sous le thème « la littérature féminine marocaine », le professeur Halim a surtout parlé de l’histoire de la littérature féminine marocaine avant et pendant le protectorat français, et après l’Indépendance.

Lors de la conférence « les femmes d’Ibsen d’un point de vue marocain», tenue au Centre d’études d’Ibsen le lendemain, le professeur Halim a analysé la pièce de théâtre d’Ibsen « Une maison de poupée » d’un point de vue marocain.

– « J’étais heureuse d’être dans ce beau pays qu’est la Norvège, là où les femmes ont contribué à l’évolution de la pensée féministe universelle », disait Mme Halim après sa visite à Oslo qui a été réalisée grâce à une collaboration entre l’Université d’Oslo, l’écrivain M. Walid al-Kubaisi, l’Ambassade Royale de Norvège à Rabat et le Ministère des Affaires Étrangères norvégien.

Les conférences ont ét organisées par l’Université d’Oslo avec l’assistance des professeurs Irene Iversen et Gunvor Mejdell, ainsi que M. Walid al-Kubaisi.

Suite à cette collaboration culturelle féconde entre le Maroc et la Norvège, une conférence sur la littérature norvégienne et marocaine est envisagée pour l’année prochaine à l’Université Mohammed V à Rabat.

الفصل العاشر

من العبقرية إلى الجنون

بعد أن قرأت لطلبتها قطعا سردية قصيرة وضعت أوراقا على الطاولة والتفتت إليهم قائلة:

النص الروائي المعاصر تضيع فيه البنية السردية, يتلف شخوصه, يكثر فيه البياض, ولا توجد بداخله علامات الترقيم. تاريخ الرواية وإن ظل مادة أساسية في بعض المحاضرات التي أقرناكم إياها, لأنه ضروري, لكن استنساخه في سياق معاصر غباء منا لأن الرواية بشكلها التقليدي أصيبت بالوهن والضعف والابتذال. قولي هذا لا يعني أنني أتنكر للتاريخ, فهذا كذب لأننا مدينون لكل الحكايات السابقة كألف ليلة وليلة. أريد أن أشير إلى نقطة أساسية هي أن الشيء المهم عندما نتحدث عن الرواية العربية المعاصرة هو أنها ليست تقليدا للحداثة الغربية, مهما بدا من التشابه الظاهر في التقنيات. إن ما نشاهد من التشابه هو نوع من التقارب بين البشرية, التي توغل في أزمنة لا نعرف لها بداية, ولأن الإنسان يظل البطل المؤشر إليه في كل رواية تمرر في هذا العالم الذي مازال مبهما يكتنفه الضباب و العماء. إن هذه الحداثة الواضحة في الرواية العربية المعاصرة هي نتاج أزمنة مخاض. إننا نعيش دائما أزمة رواية غير مكتملة تجهض قبل الأوان. إدا كانت الرواية قد فقدت بكارتها, لعدم الحرص والمراقبة الشديدة على بنيتها التقليدية فمزقت وحدتها الجمالية, فإنها قد اكتملت بالمقابل وأصبحت تمتلك كثيرا من الوعي والتدبر والحكمة, فغدت محكمة البناء. كتابة رواية يحتاج إلى زمن طويل من النضج المعرفي, ولا يحصل هدا النضج المعرفي إلا عندما يرمي الطفل بحجارة فتلمع لمعا شبيها بثغر صبية فاتنة, لكن الحجارة لا تلمع في زمننا هذا.الصبايا لا يبتسمن, ينتظرن الرجال. يكبر أطفال الحجارة وتكبر الصبايا. ينتظرن أن تلمع الحجارة لمعا يشبه لمع ثغر حبيبة عنترة. الصبايا في فلسطين وفي كل العالم ينتظرن ليباركن اللمعان. انتبهوا معي, يجب التجسس على أنوثة الفعل لمعت في القطعة الشعرية ” لمعت كبارقة ثغرك المتبسم” مع الحذر من السقوط في الأنثوية. نصوص كثيرة تخرب ذاكرتنا لكن يجب تطهيرها قبل الكتابة.

تمتد يد الأستاذة فوق الطاولة, تبحث عن رسالة ترغب في قراءتها للطلبة. يسقط القلم على الأرض, ترغب أن يسقط في غور النهر ليتطهر. تقرأ رسالة من باريس إلى اتزر.

شقيقة نفسي… باريس … لا تخافي… مازلت أحتمي بحرارتك, ما زلت دافئا حتى وأنت بعيدة في قريتك الجميلة المغطاة بالثلج الناصع البياض. الثلج لا يفقدك الحرارة, فحرارتك تصل إلى باريس وأشعر بالدفء. ثلج قرية اتزر غير ثلج باريس, هنا الثلج لا يذوب, يظل جامدا ألمسه فأرتج. أرجو أن لا تخافي فأنا أعيش التجربة, وما استطاعت باريس, لا هي ولا غيرها من كبريات عواصم أوروبا, أن تفرق بيننا. حزامك الأخضر بجواري الآن وأنا أكتب إليك. إنني ألمسه عند الخروج من غرفتي وعند الدخول إليها. سألني عنه كثير من الطلبة , سألوني عن سره و تركتهم يعمهون في كثير من الشكوك.

أظن أن كل رواية حديثة تنطلق من خرق البناء السردي المتفق على بنيته في زمن ما, و أن أي رواية في نظري تتسم بميسم الحداثة يجب أن تراقص الكلمات لحد الجنون, وتغازل الحروف لحد الدهشة, لتستوي في جمالية تطمئن لها النفوس. يحصل ذلك عندما تتحرر من مختلف القيود السردية وتكسر الدائرة الشط حية الصوفية: ‘ حي الله … حي … حي ‘.

تمسك برواية تعود تقرأ قطعة سردية أخرى ‘ شيئا فشيئا تبتعد عن الأرض’ . تقول لهم الأستاذة :

فريدة ترقص وتؤرخ لبداية حركة الطالبات المغربيات بالجامعة الفرنسية. ترقص رقصة المتصوفة, ‘اهتزازات’ ترتفع عن الأرض وتبغي الوصول إلى النور الرباني. تشطح, تجن و تعرف بعض أسرار العالم. ترتفع ‘ شيئا فشيئا تبتعد عن الأرض’ لكنها لم تعتقل لأنها تقيم في باريس. لمياء ترقص وتؤرخ لبداية حركة الطالبات بالجامعة المغربية. تنام في المقابر خوفا من الشرطة. ترقص على أنغام أمازيغية و تعتقل.

مرتبكة, قلقة تتابع قولها :

النص الروائي الحديث تباغتك فيه الصور, تفتت فيه الكلمات, و تتناص داخله الرسائل والمسرحيات, حتى المذكرات. لنقرأ رواية مرقونة قيد النشر لسيدة ‘متلن ش’, وهي امرأة هولندية عاشت بالمغرب في القرن الثامن عشر بحاضرة مكناس. انتبهوا عند قراءتكم لمذكراتها , يجب أن تتجسسوا على بعض القطع السردية المضمرة وتكاشفوا الأنوثة في شهوتها, وتقتحمون خلوتها. أصيخوا السمع لتسمعوا نغنغتها, و تتساءلوا عن أشياء خفية استعصى على المرأة الإفرنجية كشفها أثناء الرقص مع أحد أعيان حاضرة مكناس الذي أغرم بجمالها لأنها إفرنجية. فاجأته خلاعتها, عندما كشفت عن ساقيها, وشهرت أنوثتها. رقصت عارية . انحني أمامها إكبارا وتلهفا وقبل يدها . انحلت العقدة من لسانه فقه قولها.

وضعت الأستاذة يدها على سطح الطاولة, فسقط قلم آخر على الأرض. تصفحت أوراقا أخرى, ثم فتحت كتابا وقالت لهم:

من الأحسن أن أتحدث لكم عن جنس الرسائل الذي يتناص داخل النص الروائي المعطوب. أجد أن المرأة توقع رسائلها بحرفين ‘ ف, ب ‘, أنا لا أهتم بالبحث عن الاسم الشخصي والعائلي فهذه مهمة الشرطي, أنا أهتم بالرقص, ربما تكون الراقصة جنت وتوفيت. سأقرأ الآن الرسالة:

عزيزي المهدي

أعود إلى باريس إذن وأنا مدركة أنها تغيرت عما كانت عليه سنة 1965 عندما وصلتها أول مرة. عشت بكل كياني فورة مايو 1968. أكتب إليك هذا الكلام وقد مرت سنتان على إشراقات مايو 1968 وبدأت الأحلام المتوهجة تخف . زميلاتي ينسجن سيناريو عن تحرير المرأة وقد انغمرن وسط دوامة التبر جز محاولات نقده في الوقت نفسه, مثل ما تفعلون وأنا معكم بالتبشير بمجتمع آخر أنا لا أقرأ كثيرا كما كنت من قبل. أعيش متنقلة بين الوجوه والأجساد وعلب الرقص, أرقص حتى الانتهاك على طريقتي.

تلتفت إلى الطلبة مكتظة :

أنبهكم مرة أخرى إلى أن الشيء المهم والذي له قيمة في هذه القطعة هو تيمة الرقص, أرقص.

سجلت الكلمتين على السبورة, ثم التفتت, والطبشورة ما زالت بين السبابة والإبهام, مشدودة و قالت في عجلة:

تيمه الرقص تتوزع في هذا المتن الروائي وليس فقط في هذه القطعة السردية.

سجلت على الفور وفي عجلة أكثر من السابق: ص 15 ترقص, ص 98 ترقص, ص 99 رقصها, ص 99 يرقص, ص 100 ترقص, ص 100 ترقص, ص 100 الرقص, ص 114 ترقص, ص 130 للرقص, ص 133 الرقص, ص 145 رقصاتك, ص 145 رقصات, 145 رقصة, 145 رقصة, 148 سيرقص, ص 148 الرقص, ص 148 يرقصون.

تحمل من فوق الطاولة رواية نسائية تقول لهم:

انتبهوا معي إلى أن تيمة الرقص, ليست مقتصرة على هذه الرواية فقط بل إنها تتكرر كذلك في قلب الجنس الروائي النسائي منذ بداية القرن العشرين. مثلا رواية بديعة وفؤاد, صفحة 39 الرقص, صفحة 40 الرقص, صفحة 262 رقصا,… رقصي , يرد في هذا البيت الشعري و تقول صاحبة الرواية عفيفة كرم:

لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا فالحمام يرقص مذبوحا من الألم.

في المتن الشعري يتكرر لفظ الرقص, في ديوان الفروسية مثلا: ص 27 يرقصون, ص 33 الرقص, ص 63 أرقص, ص 98 ترقص, ص 101 الرقص, ص 106 يرقص.

وفي بعض الكتب السوسيولوجيا يتناص اللفظ. مثلا : كتاب ‘ السلطانات المنسيات ‘: ص 308 رقص, ص 309 يرقص, 311 الرقص….

أخيرا يجب البحث عن مقال كتبه إدوارد سعيد واهتم فيه بالراقصتين بديعة المصابني وتحية كريوكا. ستستفيدون من المقال كثيرا. أجد أنه كان واضح الرؤية, كتب بأناقة وغواية ماهرة عن تيمة الرقص, وقربنا من الهوامش الثقافية الفنية الأنثوية. كان الغرض عنده هو أن ينتشل النص الحقيقي من براثن الجهل وغياهب النسيان, وأعلن عن تفتحه الجنسي وهو في سن السادسة عشرة. يعتبر إدوارد في هذا المقال مناصرا لحركة المرأة في اهتزازاتها. إن النصوص التي كتبها عن الراقصة ‘ تحية كريوكا’ كان يهدف منها هز العالم العربي ليتفتح ويتفجر ويخرج من العماء عندما يشاهد أجمل امرأة ترقص. العالم العربي يحتاج إلى اهتزازات تحية كريوكا.

الرقص من التيمات الأساسية في المنظومة السوسيو ثقافية عند البشر, منذ أزمنة توغل في القدم. سأل زعيم هندي يدعى هاتوي رعيته:

هل تعلمون لماذا يريد الإسبانيون أن يقتلوننا؟ لأننا نملك الذهب.

كان بين يدي الزعيم الهندي سلة مملوءة بالذهب, فابتسم وقال لهم:

هذا ربهم! هيا نرقص له و نوصيه فلعله إذا سمع دعاءنا يأمرهم بأن لا يذبحونا.

ثم رقص الهنود الحمر حتى الإعياء. وبعدها قال هاتوي:

اسمعوني جيدا, سوف أرمي بهذا الذهب في النهر لأنهم سوف يقتلوننا بسببه.

وكذلك فعل ولما علم الإسبانيون بقصته شنقوه وقتلوا شعبه.

تنقر بسبابتها فوق خشب الطاولة وتذكر:

بسم الله الرحمن الرحيم.

تقلب صفحات بعض المراجع, مشتهية البحث عن تيمة الرقص. في صمت تقرأ بعض العناوين. الطلبة يوشوشون, تنقر مرة أخرى بسبابتها على الطاولة, فيعود الصمت, وتفتح كتابا, تقرأ:

ص 18 رقصهم, ص 180 يرقصون, ص… هذين الكلمتين من كتاب ‘رحلة ابن بطوطة’, دار التراث العربي, بيروت, طبعة 1968. يقول ابن بطوطة “…وطلب مني كبيرهم أن آتيه بالحطب ليوقدوه عند رقصهم, وأخذوا في السماع ومن ثم دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون.” ص 104 يرقص , ص 104.

تقرأ عنوانا آخر:

‘التنبيه المعرب’ السفر الأول, تأليف الحسن بن الطيب اليماني الخزرجى المكناسي ثم المراكشي, تقديم وتصحيح محمد لمنوني, الرباط, مطبعة المعارف الجديدة, ط 1, 1994, الباب الرابع, في أخبار الجزائر. السبب في وصولنا لها ما فيها من البهجة والرونق وكل ما تشتهي: “… ورقص يكون للرجال مع النساء, فكل رجل يرقص مع امرأة”. ص 92 الرقص, ص 92 رقصهم.

“تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة في الأعناق, وبعض الآداب اللائقة بالمكرمين بصحبة أهل حضرة الإطلاق بفضل الكريم الخلاق….. ويجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم ينكر عليهم وكان رقصهم بالوثبات والوجد … “. فتح الله ابن الشيخ سيدي أبي بكر البناني, مصر ( بشارع محمد علي ) , مطبعة التقدم بدون تاريخ.

أذكركم مرة أخرى بأن الشيء المهم والذي له قيمة عندنا في هذه المحاضرة هو الرقص. المرجع الأساسي هو كتاب ‘ مذكرات حكمت فهمي’ لأنها تكشف فيه عن أسرار العلاقة بين السادات والمخابرات الألمانية, إعداد حسين عبده, ط 1, 1990, كتاب الحرية 25, ص 5: “كانت الراقصة حكمت تتربع على عرش الرقص الشرقي جميلة فاتنة, وهي صورة للجمال العربي الأصيل . ذات جسد رائع, حركاتها متجانسة, ورقصها ممتاز’.

الكاتبة غادة السمان نشرت أخيرا كتابا يحمل عنوان ‘رقصة البوم’.

الأستاذة تؤكد على جميع الطلبة أن يتتبعوا كل الأخبار المتعلقة بالرقص. تقرأ عليهم خبرا نشر اليوم بصحيفة القدس 8 – 10 – 96, ‘الذعر يسود أوساط الراقصات المصريات بسبب حكم قضائي يمنع حضانتهن لأطفالهن…’

تقترب من الطاولة, تمسك ديوان ‘رقص مشتبه به’ وتدسه في المحفظة. تتأهب للخروج و تتساءل في صمت رهيب: جنت الطالبة ف- ب؟. الجنون غواية يشبه الرقص. تمسك بخشب جنب الطاولة و تقول متلعثمة:

يجب البحث عن الهامش الأنتروبولوجي في الثقافة العربية. يجب أن نفترض معنى داخل النص المغيب. يجب مساءلة هذا المعنى على أساس أنه حقيقة. مثلا تيمة الرقص في المتن الحكائي؟ الرقص في كل مكان؟ الرقص في الشقة المغلقة بالرباط؟ الرقص في باحة عرس تقليدي بدرب الحرة بمدينة فاس؟ الرقص في مسلسل الراقصة والطبال والحوار بين رجل سياسة وراقصة, عندما تقول نبيلة عبيد لرجل السياسة أنت ترقص بلسانك وأنا أرقص بكفلي؟.

يجب أن نسقط علامات الاستفهام ونكاشف الحروف في غليانها حتى نصاب بالدهشة ونصرخ. إياكم أن تخلطوا بين نبيلة عبيد الممثلة ونبيلة إبراهيم الناقدة .

تقول مازحة:

ربما شتمكم زوجها عز الدين إسماعيل.

يلذ لها الحوار مع الطلبة, لا تبرح مكانها وتقول لهم:

الرقص مهم وتقام له المهرجانات… ‘ رقصة المضلة’ بلندن ‘ بوبي أي’. الراقصة الأمريكية ‘سارة جيسيكا باركر’ أصبحت تؤدي تمريناتها على موسيقى الروك أندرول المسجلة من شعر جلال الدين الرومي.

يالتبس على الأستاذة الأمر وترغب بأن تعطي ملخصا للمحاضرة قبل أن تنصرف إلى قاعة الأساتذة. تتأخر في خروجها من قاعة المحاضرة, تذكرهم بأن الطالبة ‘ ف . ب ‘ المقيمة في باريس هي المحور الأساسي لهذه المحاضرة, وهي بداية الحركة النسائية الرائدة بالمغرب والمقيمة بفرنسا, ونعتمد فيها على الرقص. مرتبكة تقول:

انظروا معي ص 56 “سنة 1946 – أو 1947 لم يكن عمر الهادي قد تجاوز الثامنة, ذات صباح مشرق, ربما بداية الصيف امتلأت الأزقة والأسبله

استوقفتها كلمة أسبله, خفت صوتها وسجلت اللفظ على السبورة. التفتت قائلة:

الأسبله جمع, هل تعني السبل؟. إذا كان يعني المؤلف بالأسبله الأزقة فالجمع هو السبل, ومفردها السبيل. ومها جاء ” جنان سبيل ” , وإذا كان يعني السقاية حسب اللفظ بالدارجة المغربية وهي التي نسقي منها الماء فالجمع هو السبالات ومفردها السباله. إذا عدنا إلى كتب التاريخ نجد أن السلطان قايتباي أحد سلاطين المماليك في مصر قام ببناء السبيل عام 1498 ميلادية في مدينة القاهرة الفاطمية. يقدم السبيل الماء البارد للعابرين وأبناء المنطقة المحيطة بشارع الصليبية قرب شارع المعز, ويضم قسم من السبيل مكانا لتربية مجموعة من اليتامى الذين يقيمون فيه. يتكون السبيل من بئر ترفع مياهه إلى صهاريج بواسطة ناعورة, ويتم تبريد المياه عبر إغلاقها من علو مرتفع على رخامة تحمل منتصف غرفة السبيل فيندلع رذاذها عاليا في الهواء, فيتم تبريده ويجمع في حوض للشرب. يعتبر سبيل قايتباي أكبر سبيل في القاهرة , ويليها سبيل عبد الرحمن في شارع المعز, ثم سبيل محمد علي باشا… أسبة غير عربية. سبيل جمع سبل.

تتابع قراءة النص الروائي المقرر

“… اصطف الرجال والنساء والأطفال… في انتظار موكب المخازنية الذين يطوفون ‘الضب’ عبر مسالك المدينة كلها, تأديبا له على ما اقترفه في حق فتاة من عائلة معروفة كانت ضمن الفتيات الرائدات في الالتحاق بالمدرسة واللاتي خرجن سافرات…’

تقول لهم:

من المحتمل أن تكون فوزية هي زميلة البطلة ‘ ف . ب ‘ التي تعرضت إلى الاغتصاب عند انصرافهما من المدرسة. قادها عنوة إلى روض قريب حيث عذبها قبل افتض

اضه إياها بوحشية وفظاظة…. لقد كانت المرأة زمن الحماية يدافع عنها بغيرة من الحركة الوطنية, الآن أي حركة وطنية و أي علماء يقفون مع المدونة الجديدة.

يجب أن نؤرخ لبداية الحركة النسائية بالمغرب مع ‘ ف . ب ‘ سنة 1965 عندما حصلت على الباكلوريا وغادرت البيضاء إلى باريس. وننتبه إلى أن أختها أكبر منها اسمها مها رحلت قبلها, غادرت البيضاء إلى باريس 1958. المهم عندنا هو بداية إقامة الطالبة المغربية في البلد الآخر.

أبو أسد يريد أن يؤِرخ معها لهذه البداية يصر على أن ‘ ف . ب ‘ بداية للحركة النسائية خارج الوطن. يحدثها عن زميلته في السور بون ‘ ف . ب ‘:

صادفتها في باحة جامعة محمد الخامس بكلية الآداب, الرباط شتاء 1970. بعد أن درست شهرين… عزمت على العودة إلى باريس… قالت لي: سأعود إلى باريس وأنا مدركة أنها تغيرت عما كانت عليه سنة 1965 عندما وصلتها أول مرة, واعية بما أحدثته إقامتي من تبديلات لدي. أخيرا تجن, تفقد مدركاتها العبقرية وتعود إلى المغرب لتحتمي وسط عائلتها بالبيضاء.

كان الطالب المجد في باريس كلما شعر بالبرد القارص يجتاح جسده يكتب رسالة إلى منى بالقرية الجميلة. الطالب المجد في أروقة السور بون يحكي عن ‘ ف . ب ‘:

كنت أشعر أنها أكبر مني سنا, ربما لأنها أكثر مني إشعاعا, ومع إشعاعها الفكري الثاقب والسابق لأوانه, انسحبت من زمالتها. لا أعرف لماذا, ربما أوعزت ذلك لكبر سنها المحتمل, ربما لأنها تدخن أكثر مني, ربما لأن وجهها شاحب ومخيف, ربما لان يديها باردتان ترتجفان, ربما لأن جسمها نحيف دون شحم دافئ, لا يغري بالليل, ربما لأنها تقرأ ألف كتاب وكتاب في كل ليلة, وربما لأنني عندما أقترب منها وألمس خدها برفق أشعر بالبرد يجتاح جسدي. بسرعة البرق ابتعدت عنها, دخلت مورقة و اشتريت أوراقا ورسائل لأكتب رسالة حب.

“من باريس إلى اتزر

فاثنتي …”

تلح الأستاذة على تذكير الطلبة بأن التيمة الأساسية هي الرقص والحركة النسائية و التغيير. أحد الطلبة يرفع أصبعه و يقول للأستاذة:

لماذا لم يتزوج المهدي ب ” ف_ب ” ؟ رقصا معا أيام الجمر لكن كانت وحدها ترقص على الجمر لم يحصل التغيير جنت بعبقريتها . ما أجمل أن يطلب رجل امرأة للزواج وهي ترقص على الجمر فتشغل بالأولاد, وتعجن لهم الخبز, وتعصر لهم البرتقال و… و لا تنتظر الكوطا. كان على المهدي أن يكرهها على الزواج…

ترد ‘ ف . ب ‘:

“أشياء كثيرة كانت مهيأة في أعماقي لأصير المرأة العانس المغامرة الظمآنة المتحدية للحدود و المواضعات…

يقول الهادي:

” امرأة لا تعترف بغير ما يستجيب للرغبة. تتكلم بصوت مرتفع لتفهم ذاتها, وتنفذ إلى ذوات الآخرين, تناقض رموز التسلط, والوصاية في مجتمعنا وفي كل المجتمعات, تحلم بأن تجسد نموذجا آخر مغايرا لنموذج المرأة – الدمية “

تقول ‘ ف . ب ‘:

” لغيري أن تراجع نفسها وأن تميل إلى نصائح الأهل, فترتد إلى طريق الصواب وتنجب البنين والبنات, أما أنا فلا مناص لي من متابعة التجربة مهما كان المآل.”

الأستاذة يرعبها ما آلت إليه صاحبة هذه الأفكار الجريئة, وتحمد الله وتشكره أن جدتها لم تكن تحفزها على الدراسة. جدتها زهور كانت صائبة ومحقة, تتهجى الحروف دون أن تفقه معنى للكتب الفلسفية ودون أن تغرق في التجريد والتحليل. كانت تبحث عن الصور عندما تمسك بكتاب و تقرأ الحروف تاء, حاء, راء, ياء, راء. ما هي بقارئة للكتب, لكن تقرأ الحروف. أخوها عبد العزيز حمل معه في حجته الأولى مع والده, عندما عرج على القاهرة, كتاب تحرير المرأة, ليهيج به زملاءه بالقرويين, وكل زملائه يترجون استنساخه على عجل. الأم للا فضول يقلقها اللفظ الذي أصبح يتكرر بين زملاء ولدها عبد العزيز و تقول له:

كفى من المرقة لقد تميصت .

كانت لا تفقه شيئا من مساجلات زملاء ولدها بالقرويين, تخلط بين المرقة والمرأة. سيد العباس هو الآخر بأحد أركان الغرفة يلعن صحبة ولده إلى الديار المقدسة, ويلعن مروره على القاهرة. يحدثه صديقه ويقول له:

هل قرأت يا سيد العباس حديث الشفا بنت عبد الله.

يجيب سيد العباس على الفوز غاضبا:

هذا حديث يدل على الجواز.

يرد بصوت خافت:

لا تعلمهن حروفا ولا تسكنهن غروفا. الكتابة خاصة بحفصة رضي الله عنها.

في عجلة يقول:

هذا قول فاسد لوجوه منها: أن الأصل عدم الخصوصية, فلا بد لمن يدعي مثل هذا القول من دليل, وأين الدليل هنا؟.

للا فضول لا تقرأ حروفا. ‘ ف . ب ‘ غاوية قراءة وتنتظر من يهديها ألف كتاب وكتاب. الطالب المجد في باريس يزور زميلته رفقة صديقه, الشاعر الأسمر ذي اليدين الصغيرتين المكتنزتين الجميلتين, في شقتها بباريس. تمدهما بقطع من الحلوى التي أحضرتها معها من المعمل الذي تشتغل فيه, لا تتحرج في ذكر ذلك. تصف المعمل, تلعن تعب الأشغال اليدوية والحركة المستمرة, و تذكرهم أنها شبيهة بجدتها صانعة الحلويات المعلمة بنيسة. كعب الغزال عندما تعجنه لا يجف زبده. تبدأ مساجلاتها الفلسفية والأدبية والغاوية, مزهوة تبرز قوية منتصبة على عرش المعرفة, يخنقهما تميزها المنفرد و إشراقة فكرها المتوقد واتساع معرفتها. يحرجهما توقدها, يتقزمان, يغتاظان ويتبرمان من المساجلات. الشاعر يرجو رضاها يقترب منها يقرأ قصيدة و يذكرها بما صنع الطلبة أمس بالفيلسوف. كانت ضمن الطالبات المشاركات في ثورة مايو ‍1968 المنتفضات في وجه السلطة الثقافية. الطالب المجد يحكي عن أستاذ كان عميدا بكلية الآداب بنا نطر, وكان حجة في مسائل التأويل والفلسفة, هجم عليه الطلاب ودسوا رأسه في سطل. في لحظة ضحكت ‘ ف . ب ‘ ضحكة طويلة وقبلتهما معا قبلة حارة دون وجل.

التقت بالطالب المجد أول مرة قرب شارع سان جيرمان. اعتادت مجالسته كانت تحكي له كل أمورها حتى العاطفية, لا تتحرج. سألته ذات مرة عن أستاذ بالجامعة بالمغرب فقال لها:

إنه أستاذ وسيم وأديب ممتاز. نشرت له بعض النصوص في مجلة الآداب البيروتية فأصبح منذ ذلك الوقت أديبا مرموقا.

الأستاذة تقول للطلبة:

قد يأخذكم الظن إلى أن ‘ ف . ب ‘ شخصية وهمية من صناعة السارد وكذبة من الخلق المتعارف عليه في سجل التاريخ, لكن ‘ ف . ب ‘ غير ذلك. إنها تؤرخ لبداية الحركة النسائية للطالبات المغربيات خارج الوطن والمقيمات بفرنسا, إنها ليست من بلاد الشام مثل مي التي جنت وعلى إثر جنونها رحل والدها إلى أرض نائية بجبال الأطلس المتوسط مازالت تحمل اسم بوميه. ‘ ف . ب ‘, قبل أن تجن, تعرف عليها الطالب المجد الذي كان يعبر معها أروقة السور بون. تعرف عليها, دخل معها المطاعم الطلابية و رافقها بإرادتها اختيارا. يحكي عنها حكايات تفوق الهادي الذي حدثتكم عنه سابقا يقول:

نوع آخر من النساء يخرق كل المجالات الفلسفية والأدبية. ألحق إليها لأقرأ كتابا تحمله بيدها, فأزداد انبهارا. كانت تبدو عليها مظاهر النعمة, تعلم من حركاتها ولباسها أنها بنت عائلة كبيرة. تعرفت عليها خلال إقامتها في باريس ما بين سنة 1967 – 1970, وكانت ترغب في مجالستي. أنا كنت أشعر أنها تقتنص حداثة سني وقلة تجربتي مع النساء. عيناها عسل متعب, وجهها شاحب مكتظ, وفكرها حاد مخيف. كل شيء فيها غريب. أشعر بالبرد واكتب رسالة إلى القرية القريبة من بوميه, فأشعر بالدفء والحب يسري في عروقي, أطمئن.

منى تعلم بخبر معهد باستور بالدار البيضاء وشغب الدكتورة حنان. علمت من صاحبها أنها كانت صديقة ‘ ف . ب ‘ وأنهما شاركا معا في ثورة مايو 1968. منى معجبة بحنان لأنها تقف وتواجه الوزير, فلم يعد الوزير كوزير شهريار.

الطالب المجد يعرض عن مجالستها مرة أخرى. هي معجبة به, تراوده فيبتعد أكثر. يشعر بالبرد, البرد قارص , فيعبر جبال الأطلس المكسوة ثلجا, ينتعش ويكتب رسالة حب. يحلم, يكتب من باريس إلى قرية قريبة من قرية بوميه 10 – 3 – 1968

فاثنتي …

منى بخلاف ‘ ف . ب ‘ لا قدرة لها علي ارتياد الحلقات النسائية بجامعة فنسين. تقلقها لغة ‘هيلين سيكسو’, لا تفهم شيئا. صديقتها إيرين تجهد نفسها لتفسر لها ما معنى الأنثوية, تقول لها يجب التمييز بين أنثى أنوثة أنثوية. لا تفهم شيئا, لا شيء يفهم من كلام سيكسو. تحضر مرة أخرى صحبة صديقتها الفرنسية حلقات علم النفس النسائي, لا تفهم. تطلب منها أن تصطحبها إلى كوليج دوفراس لمشاهدة رولان بارث, لا تمانع. صباحا يوم الأربعاء الساعة العاشرة, ودعت صغارها أسد و آية بالمدرسة ثم التحقتا على عجل, كانت القاعة غاصة بالحضور قبل دخول الأستاذ رولان بارث وكان الصحفيون والطلبة يتزاحمون على قاعة المحاضرة. قالت لها صديقتها إيرين:

باقي القاعات غير مزدحمة و توجد بداخلها أجهزة الميكروفون لمن يريد سماع المحاضرة في هدوء.

أجابتها منى على الفور :

لا, أجلس أرضا وأستمع وأشاهد رولان بارث. أنا لا أريد المحاضرة, أريد مشاهدة رولان بارث.

كان رجلا نحيفا شاحبا, لكن المهم عند منى أنها تراه حقيقة ولا تقرا كتبه. لا ترغب في فهم ما عصي فك حروفه, فصديقتها إرين كانت تستجيب لرغباتها. كانت تحكي لها عن المساجلات الفكرية التي كانت تقام في شقة عم أبو أسد حتى منتصف الليل ببورت إيطالي, و أنها كانت تسمعهم يرددون عناوين لكتب في نظرهم مهمة لرولان بارث, وبعضهم يحملها متباهيا مفتخرا. كانت منى رفقة أسد وآية تحضر المساجلات الفكرية ثم تعود آية نائمة على كتفيها و أسد يجره والده شبه نائم. في مرات كثيرة لا تصاحبه وتظل تنتظر عودته متأخرا. كان يجالسهم في مسامرتهم طالب نحيل الجسم وطويل القامة, لم يعد يختفي مرة واحدة لأنه يدرس في باريس آمنا مطمئنا. هدأ روعه في الغربة, وبدأ ينتقل بين أرجاء دار المغرب, يتكلم في السياسة ولا يعتقل.

منى داخل القاعة تسمع رولان بارث ولا تفهم شيئا مما يقوله. تنظر إلى جسمه النحيل المخيف, هو بخلاف الجسم الذي شاهدته رفقة صديقتها الإيرانية. الرجل العجوز كان أكبر سنا من بارث لكنه كان يبدو قوي البنية. انتظروا خروجه, كانت منى رفقة أسد وآية وصاحبها, صلوا صلاة الظهر, وشربوا الشاي مصحوبا بأكلة إيرانية خفيفة, ثم عاد الشيخ إلى سكنه , فصرخ النساء وبكين, ترجين لقاءه وهن يرددن:

– درخواست ديدار .. الله أكبر .. الله أكبر

فهمت منى من كلامهن أنهن يطلبن مقابلته. وافق على ذلك, فنزعن الأحذية, وضعوها جنبا, و وتدفقن في شغف يقبلن يده بكل حب وإكبار. انفتحت أسارير وجهها وهي تنظر إليه حقيقة. كان يجلس على سجاد إيراني من الحرير اللامع, المصحف والأدوية بجانبه. بدأ بعض النسوة يطرحن عليه أسئلة باللغة الفارسية. ظل العجوز يجيب وقد وهنت قواه والأسئلة تنصب عليه دون توقف إلى أن حضرت سيدة, يبدو عليها أنها زوج ابنه, فطلبت منهن أن يعجلن بالخروج. وقفت عند الباب وكان يبدو عليها عدم الانشراح لهذه المقابلة.

بعد انتهاء رولان بارت من محاضرته حكت منى لصديقتها إيرين عن أمر زيارتها لآية الله الخميني . كانت بيدها صحيفة لومند الفرنسية وبدأت تقرأ عليها:

للغرب أن يخاف صعود نجم أية الله الخميني؟.

يعودان إلى البيت, فتدخل منى إلى المطبخ وتعد شايا أخضر. أبو أسد بالبيت يحدث صديقتها إيرين, يقول لها:

إن العرب لم يقدموا بعد للغربيين كشف الحساب لكي يفهموهم بالأرقام وبشكل عقلاني تماما أن الحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن مدينة للعرب لا على الصعيد المالي فقط, ولكن على الصعيد العقائدي أيضا. العرب لا الإسرائيليين أو الأتراك أو الفرس هم الحاجز الحقيقي ضد تقدم الشيوعية. العرب هم الذين يمنحون الأمان والطمأنينة للبحر الأبيض المتوسط, لأنهم يسيطرون على شاطئه الجنوبي وشاطئه الشرقي والبحر الأحمر, لأنهم يملكونه بأكمله, إنهم ما يزالون أكبر المستهلكين وأقدرهم على الدفع…

عندما كان يتحدث أبو أسد مع إرين كانت منى تتذكر حديث الأمس رفقة سيدة ألمانية كانت جالسة على مقعد بحديقة ‘ اللكسبمبورغ ‘, وكان بالقرب منها أسد وآية يلعبان. السيدة الألمانية تقربها سنا, فصل ربيع, السائحة في عطلة, تنتعش تدفئها شمس باريس وتقول لها:

Ah. so ein some!

لم تفهم لغتها لكن علمت من قولها أن الربيع في باريس رائع ومنعش, والشمس دافئة. هي لا تعلم أن شمس المغرب أجمل. تحدثا طويلا عن الشمس و أغرتها منى بالزيارة إلى المغرب. علمت أنها غير متزوجة ولا مثقفة ولا تعنيها الأمور الفلسفية والأدبية ولا الدينية فقد تحدثا طويلا. كانت بسيطة بلا عبقرية ولا جنون. منى في المطبخ تبتسم وتتذكر. تبادلا العناوين وواعدتها بزيارة إلى المغرب الصيف المقبل. كانت تحمل بيدها حقيبة خضراء, تنظر إلى الشمس طويلا, تدهشها الشمس الدافئة, تنتعش, وتغرق في صمت شبيه بصمت للا فضول. علمت عنها أشياء كثيرة دون أن تفقه لغتها الألمانية, لأن القاسم المشترك الكوني بينهما أعظم من اللغة.

في عجلة تجمع الأستاذة أوراقها المبعثرة من الطاولة وتدسها في محفظتها المختلطة. تعلن عن نهاية المحاضرة وتقول لبعض الطلبة المحلقين حولها:

الحصة القادمة نقرأ الماء في الرواية العربية.

منى تستمع إلى محاضرة أستاذة مغربية تدرس بالجامعة الفرنسية, الموضوع ‘منطق الرياضيات’ 13 – 10 – 96 مساءا. كانت سيدة بجوارها تخط بقلم أحمر على أوراق غير منتظمة, تلتفت منى إليها وتسألها:

أنت فوزية.

تجيبها ضاحكة كالمجنونة:

لا, أنا درية شفيق. درست في السور بون ونلت شهادة الدكتوراه ثم عدت إلى القاهرة واقتحمت البرلمان. كما أصدرت بيانا لوكالة الأنباء الأجنبية هذا نصه: ‘ أمام الظروف القاسية التي تتعرض لها مصر قررت بحزم أكيد أن أقوم بالإضراب عن الطعام حتى الموت وذلك ابتداء من الأربعاء فبراير سنة 1957 بالسفارة الهندية بالقاهرة, من أجل استخلاص حريتي الخارجية والداخلية. بصفتي عربية مصرية, طلبت من السلطات الدولية العمل على انسحاب القوات الإسرائيلية فورا من الأراضي المصرية, والوصول إلى حل عادل ونهائي لمشكلة اللاجئين العرب. كما طلبت من السلطات المصرية رد الحرية التامة للمصريين جميعا رجالا ونساء, بانتهاء الحكم الدكتاتوري الذي يسير ببلادنا إلى الإفلاس والفوضى. إني إذ أقدم على التضحية بحياتي بتحرير بلادي أتحمل وحدي مسؤولية هذا العمل, وقد تركت زوجي الدكتور نور الدين رجائي وطفلتنا, فإذا مسهم سوء فإني أحمل الضمير العالمي مسؤولية ما قد يصيبهم’

وقعته باسمي درية شفيق.

تتكلم درية (ف. ب.) بعصبية مسرعة وتقول:

هل قرأت تعليق جريدة ‘ ديفلت ‘ الألمانية التي أعلنت عن قضيتي. جاء في هذه الصحيفة: ‘ رفعت امرأة من وادي النيل لواء المقاومة, إنها درية شفيق و هي في السابعة والثلاثين من عمرها وزعيمة المنظمة النسائية بنت النيل. ‘

جحظت عينا الشابة المجنونة وقالت مؤكدة:

أنا درية شفيق. أنا رغم كل شيء أحب جمال عبد الناصر. عبد الناصر رفع رؤوس المصريين بعد انكسار طويل.

انتهت المحاضرة من إلقاء محاضرتها, صفق لها الحضور ولم تفهم منى شيئا. انصرفت المحاضرة رفقة أختها ‘ ف . ب ‘ وهي شبه مجنونة, وانصرفت منى رفقة أختها فدوى. كانت الأمطار تسقط بغزارة وهي تفكر في الرقص.

.

الفصل التاسع

السياسة فيها الفلوس

حمدة رجل من أهل فاس, مشبع بالثقافة الفاسية, وكل حديثه عن فاس وأحيائها وشيوخها. مرة يتحدث عن مولاي أحمد الكتاني, ومرة عن فلان وفلان من علماء الدين أو المتصوفة. كان هؤلاء ترد أسماؤهم على لسانه بمناسبة حكاية أو حادثة , ومن ذلك حديثه عن الفقيه ابن هشومة. كان هذا الفقيه من علماء القرويين, وكان هيابا للموت لا يريد أن يذكر أمامه, وإذا ذكر ينتفض الفقيه ويحل فيه شخص آخر أرعن متفرعن, ينتفض على الذاكر, ويخنقه ويلطمه و يدوسه و يركله حتى ينال منه ما يشفي غليله. ذلك ما أصابه من حمدة, إذ علم قصته فتعرض له في بعض الأزقة , وكان شابا والفقيه كهلا, فلما ذكر له الموت,انقلب الفقيه إلى وحش ثائر وطارد حمدة في أزقة مدينة فاس ولم يفلت منه إلا بالجهد الجهيد.

كان حمدة يحمل في شيخوخته آثار جمال رجالي بارز, وكان يحكي للكبار من أحفاده قصصا تمثل درجة التسامح التي كان يتحلى بها. كان ينزل إلى رتبتهم, فيكشف لهم دخائل نفسه في شبابه, وحوادث مما وفر في ذهنه عن أخلاق العهد القديم. لم يكن يمتنع عن حكاية قصصه الشخصية العاطفية, كقصته مع الشابة التي حجزته في أسطوان بيتها, وعرضت عليه أن يتقدم لوالدها طالبا الزواج منها , بمال قدمته له, فوعدها خيرا, وفر هاربا. كان يجاوز ذلك إلى حكاية ما تحول الحواجز الأخلاقية السائدة دون ذكره, وكان لا يرى بأسا في حكيه لتنوير أحفاده. لم يكن لذلك يمتنع عن ذم العهد القديم بمقارنته بالعهد الجديد. قال يوما لأحفاده:

كان الشذوذ منتشرا في الزمن القديم لكن الأبواب كانت مغلقة. لا تلوموا أنفسكم أنتم خير حالا من القدماء.

ثم يمضي في تفصيل القول عن حالات عرفها, يستوي فيها رفيع الشأن بوضيعه في ارتكاب الذنب. كان حمدة منفحا وكانت مطوية التنفيحة الفضية لا تفارقه, وكذلك المنديل الأحمر الذي يصاحب كل المنفحين. حكى يوما كيف انتقل من النشوة, التي كانت منتشرة في المغرب بين الناس جميعا شبانا وشيوخا, إلى التنفيحة. كان معظم المنتشين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, الحقبة التي شهدت شباب حمدة, ينتشون بالعفيون. كان حمدة كحال أقرانه يحمل في جيبه قطعة عفيون, كانت قطعة سوداء, وكانت العادة أن المنتشين يقضمون بعضا منها. حكى حمدة أن أمه كانت كلمتها لا تنزل, حلفت عليه أن يترك العفيون, وخيرته بين سخطها ورضاها فاختار رضاها وترك العفيون إلى التنفيحة. كان حمدة إذن لا يفارق المطوي الفضي العامر بالتنفيحة, وكان لا يفارق أيضا عمامته البيضاء. رغم زواج ابنته بالفقيه الشريف ذي العمامة المزركشة بالأصفر, فإنه لم يتبعه في ذلك, وإن كانت ثقافته الفاسية الدينية الشعبية العميقة تفرض عليه تنزيله من نفسه منزلة سامية. احتفظ بعمامته البيضاء ولم يتأثر في كثير ولا قليل بصهره بل ظل مخلصا بما تلقفه من المتصوفة الدرقاويين, ومن علماء القرويين الذين كان يغشى مجالسهم في المسجد . طبعه المتسامح لا يعترف إلا بالقليل من المحرمات الكلامية فكان لا يرى حرجا في أن يحكي لأحفاده قصصا عن الجسد وأفعاله وأحواله. من ذلك قصته عن ليلة الدخول وما ينبغي أن يراعيه الرجل في الملامسة, وما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن لا يفعله بجسد المرأة. وقصته عن الرجل الذي دخل بامرأته ثم فر هاربا, فلما سألته أمه تبين لها الأمر, فجاءته بالعسل وأمرته أن يمرر فيه سبابته ففعل, فلما رأى العسل يعود كما كان تبين له أن المرأة كذلك, فعاد إلى زوجته فرحا مبتهجا.

كان حمدة غلاما عند وفاة السلطان مولاي الحسن بن محمد بن عبد الرحمن. كان يذكر تلك الوفاة ليؤرخ بها ميلاده, فقد سمع الناس يتناقلون الخبر في أزقة فاس, فهرع إلى أمه في الحمام وأخبرها, واستدل من دخوله إليها في الحمام أنه لم يكن بلغ الحلم.

لم يكن حمدة كثير الكلام عن أحد غير أمه التي كان بها اثر كبير عليه. لم يكن يأتي على ذكر أبيه إلا لماما وبصورة أساسية, وربما كان السبب أن أباه لم يعمر ومات شابا وتركه لأمه.

لم تتحسن حاله المالية بعد السرقة التي تعرضت لها تجارته في الجديدة, ولم تسؤ كذلك حاله النفسية, والسر في ذلك ذكره الدائم لله, واعتقاده الخير فيه, ورضاه بالقضاء والقدر خيره وشره. حين زوج بناته الثلاث, تنازل لهن عن داره واكتفى ببيت واحد في أعالي داره. لم يكن حزينا لذلك, وكان يخفف من حزنه أن فاس في ذلك الوقت كانت تضم أشتاتا من الناس ذوي المصائر المشابهة لمصيره. كان يرى في أزقتها كثيرا من الكهول والشيوخ بجلابيبهم وسبحتهم, وكان يرى عليهم أمارات الكآبة والحزن الشديد لا يفهم معنى لها إلا بتقدم العمر وما يحمله إلى الناظر من تفاسير. كانوا جميعا فرائس أزمات, بين مسروق كحمدة وبين ذي تجارة خاسرة أو مال مضاع أو متورط في بيعة.

فلة, ابنة حمدة, صبية جميلة,عيناها بلون السماء, صافية بصفاء بحر الأبيض المتوسط. لا تتوانى في مد نسبها من جدها لأمها إلى أهل تلمسان الذين حطوا بفاس فارين من الاستعمار الفرنسي, ولا تفتأ تفاخر بأن أهلها أكثر أناقة وتحضرا من أهل فاس. تستيقظ فجر كل يوم مشرق جميل, تصعد إلى السطح تسقي غرس الحبق , يتطاول إليها نظر شاب فقيه عالم, يرمقها بغمزة حب و يقول لها:

– للا زينت الحبق وترشو, لله عدلي شحال من ورقة في طرفه.

ترد عليه:

سيد لفقي يا عالم, يا قاري كتاب الله, اشحال من نجمة في السما, واشحال من حوتة في الما, واشحال من مرة اقرتي كتاب الله؟.

يتحابان ولا يتزوجان, تتزوج عالما حقيقيا ومناضلا وجيها في حركة استقلال المغرب, يترك لها البنين والبنات ويزج في الزنزانة. الجد حمدة يلعن السياسة وما جاء منها, لأن صهره الطاهر غيب من أجل الوطن في السجون. تجن فلة, وينتهي الحب. لم تعد تسقي الحبق. اختل عقلها لأنها كانت تنتظر الجواب عن سؤالها:

اشحال من نجمة في السما واشحال من حوتة في الما واشحال من مرة اقرتي كتاب الله؟

الفقيه, العالم الحقيقي صاحب فلة, لا تجرأ أن تسأله كم مرة قرأ كتاب الله؟. كان يزهو بقوة منكبيه وشموخ جسده, وتبجيل سكان فاس لغيرته على وطنه, وفصاحة بيانه وقصائده التي تهز همم الرجال للدفاع عن الوطن. لم يكن له من الوقت ما يجعله يختلي بصاحبته, ويجلس الساعات الطوال يسأل عن همومها النفسية. هم الوطن يستولي عليه بالليل والنهار.

منى تتساءل هل الزواج المبكر اغتصاب؟. وهل زواج الصبية الجميلة برجل ابنه الأكبر في مثل سنها جريمة؟. بكت فلة يوم زواجها وذبلت أوراق الحبق.

يطيب لمنى أن تقرأ مذكرات حميها, تدهشها بعض الأخبار التاريخية. صاحبها يحدثها عن بعض منها, عندما يراها تقرأ ها يقول لها:

اعتقلوه, اعتقله الفرنسيون فرموا به في جب عميق وكانت سنه تتجاوز الثلاثين, السبب أنهم اتهموه بتحريض قبائل الأطلس على رفض قوانين ‘إزرف’. لما ألقي في الجب, صار يقرأ القرآن العظيم, إذ كان يحفظه عن ظهر قلب, فسمع المراقب الفرنسي صوته وهو يقرأ القرآن في الليل, واستدعى كبير حراسه وسأله:

ألم أقل لكم أن تنزعوا منه أوراقه وكتبه وكل شيء, ما عدا ما يستر به جسمه؟. فقال الحارس:

إن هذا الرجل عندنا يمثل صنفا من الناس يدعون بالعلماء, وإنه لا كتاب بيده ولا أوراق في جيبه, يحفظ القرآن داخل قلبه.

كتب المعتقل في مذكراته أنه حين خرج من الجب, بعد ستة أشهر, خرج بأظافر اكبر من براثن الأسد, وبلحية وشارب لم يعهد لهما مثيل. ذكر أنهم كانوا يقذفون إليه في الجب بخبز يابس, وكان لا يعرف ليله من نهاره, ربما عرف المساء. كان المراقب يأمر بتدويش الجب حتى يزداد بردا ويلقى حتفه ويموت, لكنه كان قوي البنية شديد المراس. خرج من السجن, وطردوه من مدينة خنيفرة, فالتحق بقرية الحاجب, واستدعاه مراقبها المدني وقال:

لا يقيم في بلدنا من طرده جيراننا.

عاد إلى أمه بمدينة مكناس, فكان فيما حكاه يمر بالشارع والزقاق, ويرى في أقصى الطريق بعض أصحابه ومعارفه فيلوون وجوههم, وينقلبون إلى طريق آخر خوفا من أن يراهم الفرنسيون معه لأنه وطني. وقد كسب من هذا العمل الوطني مرض الروماتيزم. قال له أحد أبنائه يوما:

لماذا لم تعتزل السياسة وتهتم بشؤونك الخاصة كحال جدي؟.

طرده من الدار وقال له:

أتظن أني فعلت ذلك من أجل الخبز والشواء, فعلت ذلك لأني أومن بالسياسة .

منى لا تعرف الجد الذي ضرب به الصبي المثل, إنه حمدة. عاصر ما قبل الحضور الفرنسي في المغرب, وعاصر الحضور نفسه, وعاصر ما بعد الحضور. كانت هذه الحوادث التي تهم السياسيين والوطنيين لا تعنيه في قليل أو كثير, بل إنه أبى أن يزوج ابنته للطاهر, لا لكبر سنه, ولكن لأن فضوله السياسي لم يعجبه في غالب الظن. انقلب بعد ذلك حمدة إلى موقر كبير له, فكان يقبل يديه, وحين سأله حفيده يوما:

لم تقبل يديه ؟

قال:

أقبل يديه لا لأنه وطني ومناضل, أقبلها لقربه من النبي صلى الله عليه وسلم.

في مثل قوله هذا يتضح لنا أن حمدة كان بعيدا كل البعد عن السياسة, بل يكره ويلاتها وما خلفته من تعب لبنته فلة التي كان يتركها الطاهر على حين غرة ويزج به في السجن. حمدة يكره السياسة والفتن وكل ما له علاقة بالنضال والوطنية. مرة فاجأ أحفاده, والمعتقل الطاهر في السجن, فقال لهم:

أسرعوا إلى البندقيات. ‍‍‍

فقالوا له:

أي بندقيات؟.

فقال:

لقد رأيت والدكم قبل اعتقاله بقليل يدفن بندقيتين. جاء يحملهما فحفرنا في وسط الممر الأسطواني مكانا لهما ودفناهما فيه.

أبو أسد يحكي لصاحبته :

حصل المغرب على استقلاله وانطلق قوم في فاس يطاردون أتباع طريقة دينية سموها طريقة الزيتوني. كان أتباع هذا الرجل ملتحين جميعا, وكان من سوء حظ حمدة أنه كان ذا لحية بيضاء, على أساس ما كان يظن أنه سنة نبوية, فلما علم بذلك أحفاده صاروا يخوفونه ويزعمون أنهم سيرشدون المطاردين إليه. صار في حيرة من أمره, أيحلق لحيته التي صاحبته سنينا أم يتركها ويتعرض لاعتداء المعتدين؟. وفي نهاية الأمر تركها وسلم أمره لله.

كان حمدة ورعا تقيا مواظبا على الصلاة. في شبابه كان من أتباع الطريقة الدرقاوية, وكان يتبرك بمساعدة شيخه الجليل على المضي في الطالعة الصغرى بفاس من عين علو إلى باب بوجلود. هذا الشيخ الجليل كان يحتاج إلى استراحات متتابعة في الطالعة الصغرى, ولهذا نصحه بعض العلماء الثقاة بالزواج. تزوج شابة حسناء, فصار لا يحتاج إلى مساعدة حمدة, وأصبح قادرا على مجابهة صعوبات الطريق المشهور في مدينة فاس.

أبو أسد اعتاد أن يحكي لصاحبته بعضا من زمن طفولته ويقول لها ضاحكا:

حدث يوما لحمدة وهو شيخ هرم, ما يصح أن يوضع في حظه التعس من المصائب في الدنيا, ذلك أنه كان يستعد في صبيحة كل يوم للصلاة, وكانت امرأته قد اعتادت أن تضع المرجل على التنور ليلا, حتى تقيم الشاي صباحا. استيقظت باكرا وضعت المرجل على الأرض ودخلت إلى المطبخ لتضيف قطع الفحم في التنور, و بينما كان حمدة في طريقه إلى بيت الماء ليتوضأ حمل المرجل, وذلك لأنه كان شغوفا بالاغتسال وحب الطهارة بأصولها, فقد أراد أن يطهر أعضاءه الخاصة وهو مقرفص, فلما صب الماء على عضوه الأوسط, قفز صارخا وهو شيخ كبير, فانطلق يغوت, فكنت لو سمعته تحسبه صراخ طفل قوي الصوت أوذي في أعز ما يملك. استيقظت بناته الثلاث المتزوجات, ضحكن بعد أن مر ألمه بسلام واطمأنن على سلامته, وفي استحياء أصبحن يحكين قصته تفكها.

للا فضول شيخة تجلس بباحة المولى إدريس, تحكي لها أم فلة عن صاحبها حمدة وفضيحته أمام بناته, يضحكان معا. للا فضول أشد تيقظا وانتباها, هي أيضا مبتلية بالطهارة لكنها حذرة, لا تصب الماء إلا بعد أن تتيقن من حرارته. تحترس تصب الماء قليلا على كف ظهر يدها اليسرى ثم تصب الماء بكثرة, فيغمر الماء كل جسدها. السيدة فضول تبالغ في طهارتها, وتغار النسوة منها. الفوطة المكررة أطرافها بالحرير الناصع, تأخذها من فوق كرسي خشبي, تلفها على جسدها, تنتعل قباقب الخشب, وترتدي ملابسها على مهل, تمشي على أطراف بنانها, تلامس الأرض حذرة, تخاف أن يستيقظ سيد العباس ويشتت رزمتها وتضيع حبات عقد القفطان. هادئة مطمئنة تقضي أغراضها في خفاء وصمت. أجمل لحظاتها مع بزوغ فجر يوم جديد, صاحبها يستسلم لنوم دافئ قرب دادا الياقوت ويحلم بعوالم ألف ليلة وليلة, هي تذكر و يسمع لها صوت ناعم:

انعم صباحك يا ضوء الله

يا الشارق في بيت الله

قل لحبيبي رسول الله

يقف على خروج روحي لله.

للا فضول تتوضأ للصلاة, قطرات الماء تتساقط من أطرافها, لا تنشف الماء بمنشفة, تعرف أنه سنة. تفقهت على يد والدها, تحب الماء أن يغمر جسدها.

يقول أبو أسد لصاحبته:

روى لي جدي أن أول إنسان حط في أمريكا من المغرب يدعى ‘الزموري’. روى له الخبر أحد أصدقائه من التجار, وذلك عندما كان يتاجر في الجديدة. علم عنه أنه في زمن بعيد جدا, يعود إلى موجات العبيد التي كانت تؤخذ بالقوة من السواحل الإفريقية إلى أمريكا, وصل جد جده الزموري مع العبيد عام 1528 إلى أمريكا.

منى لا تتعجب لمثل هذه الأخبار التي يحكيها لها صاحبها, لأنها تعرف أن التواصل البشري عرف بين القارات مند زمن بعيد. سبق أن أخبرها والدها متفكها بأن الرسام بيكسو من جبال الأطلس المتوسط واسمه الأصلي بوقسو. لحق بالاسم تغيير من جراء نقله من الأمازيغية إلى الإسبانية , جد جد بيكسو أمازيغي قدم مع طارق بن زياد فاتحا جزيرة الأندلس.

منى تحكي لصاحبها باستمرار عن الظلم الذي تعرضت له البشرية, تقول له أن الله سبحانه وتعالى يسلط على كل ظالم ظالما أقوى منه مثل ما فعل بصدام. تخبره أن صديقتها الكندية الجزائرية قالت لها:

ولاة العثمانيين الطغاة ارتكبوا ما حرم الله في بلدي الجزائر. فقد امتد طغيانهم إلى رضيع امرأة ألقي في طنجرة ماء يغلي حتى تحلل لحمه, فاشتكى أبو الطفل أمام قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة, فرأى الأب النبي ص في المنام وهو يقرر استيلاء الكفار على أرض الظلم, فكان من ثم الاحتلال الفرنسي للجزائر. الاستعمار الفرنسي هو نتيجة منطقية للاستبداد وطغيان ولاة العثمانيين .

يحكي لها صاحبها عن طفولته وتردده على حي الرميلة لزيارة جده الملتحي, الذي لا يفقه في علم السياسة. منى تتابع على قناة الجزيرة ما حصل للعراقيين في الرميلة, تجد نفس الحي يوجد في فاس و مراكش, وبغداد. تتعجب و تتساءل عن المشترك اللفظي؟. تسمع عن المذبحة التي أثبتها تحقيق الصحفي الأمريكي ‘سيمون هيرش’, والتي ذكر فيها أن وحدة عسكرية أمريكية فتحت النار على فلاحين عراقيين رفعوا الراية البيضاء, وتم قتل عشرين شخصا من بينهم. ورد في تحقيق أن أحد الجنود الأمريكيين ذكر أن الفلاحين قد استسلموا, ولكن القيادة الأمريكية أمرت بقتلهم. بالرغم من التناقض والتعتيم الذي ورد في التحقيق بهذه القضية, فقد جاء في التحقيقات أن الجنرال ‘ماكافري’ أمر بقتل الأسرى والمستسلمين العراقيين في الرميلة, واستشهدت التحقيقات بما حصل من قتل في قاعدة جالبية الجوية. الجنرال ‘ماكافري’ شن انتقادات عنيفة على الوثائق التي فضحت أفعاله التدميرية للإنسان في العراق, والتي قد تكون عن رغبة شخصية أو عن إخلاص لتنفيذ أوامر الإدارة الأمريكية. لقد حصل الجنرال ‘ماكافري’ على وسام رفيع لبطولته في تلك المذبحة قبل أن يصبح مؤهلا لموقع المستشار للرئيس الأمريكي كلينتون الذي خلف الرئيس جورج بوش المدبر الرئيسي لمحرقة حرب الخليج.

أبو أسد لا يفتأ يلعن دراسته التي درسها بالصدفة لا بمحض إرادته, فقد كان يحلم أن يكون خبيرا من خبراء علم التعذيب والحرب ليكاشف حقيقة البشرية. ازداد الحلم كبرا فعندما كان الطاهر يغيب في السجون كان ولده يحلم بالمغرب . إدوارد سعيد كذلك كان يحلم, فقد كان والده جنديا في الجيش الأمريكي يقاتل من أجل الولايات المتحدة الأمريكية وكان هو يحلم بفلسطين. ما أجمل أن يحلم الأطفال رغم التناقض القائم بين آبائهم ؟. ما أجمل أن يحلمون بركوب عربة مذهبة من خشب الأرز و يقطعون بالقوارب بوغاز جبل طارق.

منى لا تحلم بعربة ولا بقارب لأنها لا تفقه في علم السياسة , تدخل غرفة صاحبها و تقرأ مسوداته 7- 3- 1993 “… يتكلمون عن الخصوصيات بعد تأسيس الأوطان. ما كان يطوف ببالهم شيء عن الخصوصيات الوطنية التي يتحدث عنها فلاسفة ومجانين السياسة, يقول دوكول والفرنسيون عامة: إن فرنسا خالدة قديمة كانت مع كون الكون. يتكلمون كما لو لم يؤسسها أحد, وكما لو أن الفرنسية صفة ملتصقة بأرض ثابتة لا تتغير حدودها منذ أن كانت لها حدود, الحدود وهمية كاذبة”.

منى تحلم بوطن بلا حدود. يعود صاحبها إلى البيت متأخرا, تدخل إلى المطبخ, يلحق بها ويحكي لها عن أحداث طفولته, يرغمها على السمع, هي منشغلة بإعداد أكل شهي ‘القدر الحمام باللوز’, يلتصق بها ويقول:

… سنة 1958 كنت صغيرا يافعا وحدث أن سكن والدي بمدينة وجدة, فانتقلنا إليها وأقمنا في بيت أرضي بالمدينة الجديدة. في الشارع الخلفي كان يوجد منزل لأسرة لا تبدو عليها صفات خاصة, فكانوا كالمغاربة شكلا وحالا. تعرفت على أحد أبنائهم, وكلمني وكلمته بالعربية الدارجة, فوقع في ذهني أنه مسلم مثلي. كان لا يختلف عني في اللون والشكل, كان قصير القامة ودودا, وكان ينظر إلي كما كنت أنظر إليه, فلم يكن يبدو عليه أنه يعدني من جنس أو قوم آخرين. كنا نتجول في البقع الأرضية الخالية من الجهات المحاذية لمنازلنا, وكنت فرحا بمصاحبته, ولاسيما أني كنت على ألم لمفارقة خلاني بمدينة مراكش التي أقمنا فيها قبل انتقالنا إلى وجدة. وذات يوم قال لي:

هيا معي لنشتري الخمر.

فقلت له مندهشا:

ماذا؟ نشتري الخمر؟ الخمر حرام.

قال لي:

لا, ليس حراما, نشربه في منزلنا.

لم أصاحبه إلى ما أراد, وعدت إلى دارنا متسائلا قلقا. يشربون الخمر في بيوتهم ما هذا؟ أليسوا مثلنا يحرمون هذا الشراب الذي يدعى خمرا في بلدنا؟. علمت فيما بعد أن ما يسمى خمرا يختلف من بلد إلى بلد, ومن طائفة إلى أخرى. علمت أيضا من خليلي الوجدي أنه ينتمي إلى طائفة غير إسلامية, وعلمت أنه كان يظنني من طائفته, وكنت أنا أيضا أظن أنه من طائفة المسلمين. في علاقة الصداقة التي ربطتني معه قبل افتراقنا, كان المسيطر اعترافنا معا بانتمائنا إلى الطائفة البشرية.

انتقلتا إلى دار أخرى, ثم انتقل والدي ونحن معه إلى تازة و ثم إلى فاس. بقيت قصة هذا الصديق الصغير, الذي لم تجمعني معه إلا الصفة الإنسانية.

صاحبها يلذ له أن يحكي عن طفولته. منى ترغب أن يجيبها عن بعض تساؤلاتها, تقول له:

لماذا فضلت أم جندب شعر رجل آخر على شعر صاحبها. هل هي ناقدة؟. لماذا طلقها؟.

يجيب متبرما:

هذا كلام يحتاج إلى قراءة طويلة لمكاشفته ….

تسأله مستفسرة:

هل تقبل الموت؟.

يجيبها:

هذا سؤال جاهلة, ألا تعلمي أن الله خلقني قابلا للموت؟.

كنت لا أعلم.

إذن فاعلمي ذلك الآن ولا تطرحي أسئلة الجهال.

منى يعجبها أن تطرح الأسئلة العصية على صاحبها. غالبا يلوي ظهره وينصرف. لا يجيب إلا عن الأسئلة التي يرغب في أن تدمغ في ذاكرتها والتي يستحسنها. تعرف أنه يحيط الشعر العربي القديم بهالة من القداسة ويحفظ غالبه. يبدو منتشيا عندما يردد بعض الأبيات بقافية منغمة جميلة.

منى معجبة بصاحبها و تداوم على قراءة مسوداته, لأن بعض هذه المسودات تفصح لها عن الكتابات الرجولية غير المدونة. يشتد إعجابها عندما تقرأ نصا يكاشف الحقيقة. تقرأ المسودات وتتذكر أحاديث خالتها, فهي الأخرى كانت معجبة بصاحبها رغم شدة بخله عليها واستهزائه برحلاتها المستمرة إلى مستحم ‘مولاى يعقوب’. تفخر في حفل النساء ببنتها من الرضاعة عايدة التي تحبها أكثر من بناتها, و تحكي عن نضال أخ بنتها من الرضاعة فتاح, منوهة بشجاعته:

اعتقلوا فتاح.

كان شابا وسيما, دخل السجن بالقنيطرة, وهرب راجلا إلى حدود تطوان, ثم عاد إلى الرباط متخفيا بزي نسائي. مرة عرج على باب سكن والده فوجد بالباب أخته عايدة, لم تعرفه, أعطاها ريالا وانصرف. ظلت عايدة تذكر دائما الريال والمرأة الملثمة بلثام أسٍود. عندما كبرت زارته يوما بمنفاه في باريس وقال لها:

تذكرين امرأة أعطتك ريالا وأنت واقفة بباب الدار, إنه أنا أخوك فتاح.

عايدة يعز عليها فراق أخيها, تزوره صيف كل سنة, غربته قاسية, وتنتظر عودته إلى وطنه. منى تتذكر أحاديث خالتها التي كانت تزور مدينة الرباط بكثرة. أبناء أختها كانوا ينتظرون عودتها إلى مكناس لتحكي لهم بإعجاب عن ابنتها من الرضاعة وجمالها الفاتن:

كنت عند ابنتي عايدة, إنها قطرة عسل في قلبي. منذ اليوم الذي وضعتها أمها في حجري, عندما كنت جالسة على حافة صهريج مولاي يعقوب, وأنا أزداد يوما بعد يوم حبا لها. أحن دوما إلى زيارتها. إنها نجمة تتللا وتفتن جمالا, سواد شعرها واتساع عينيها يعجبني, إنها شبهي. أذكر أول يوم أمسكت فيه حلمة ثدي بسهولة و فرحت, لقد كانت جائعة. أمها غاصت داخل الصهريج منتشية مبتهجة, تزغرد و تصلي على النبي, أرضعتها وكان بجواري ولدي رضا يمسك بيدها.

خالة منى مسكونة بماء مولاي يعقوب وتعتقد فيه البركة و الشفاء, بخلاف أم عايدة التي تعتقد بكرامات سيدي احمد بن إدريس, وتقسم أنه يبعد الشر والعين ويطيل العشرة بين الزوجين. خالة منى لا تعرف شيئا عن كرامات سيدي أحمد بن إدريس, أم عايدة تحكي لكن لا تغريها الحكايات بالزيارة, إنها تحب الماء أن يكون مصحوبا بالعري داخل صهريج مولاي يعقوب. الماء عندها يشفي عندما تستحم المرأة و تغوص في عمقه. للا زهور تعنف ابنتها لكثرة ترددها على صهريج مولاي يعقوب وتقول لها:

أنت تشبهين عمتك البتول, هي كذلك شديدة الاعتقاد بكرامات مولاي يعقوب. تعتقد فيه الشفاء و تغرف الماء وتصبه عليها .

يلتقيان في الصهريج. العمة تحدث ابنة أخيها في ود وحنان, تقول لها:

كيف حالك مع زوجك؟.

أللا عمتي يقتلني بخله, عشرة ريال آخذها بالسيف لأذهب إلى الحمام, أما مولاي يعقوب فيقع عليه الطلاق والفراق. يردد دائما أنني أتلف ماله وأضيع له رزقه وهو رجل لا ثروة له.

أللا بنتي أبوكم الذي رباكم في الخير كان لا يعرف الاقتصاد, أنشأكن في بسط ورغد من العيش. اسمعي يا بنتي هذه الحكاية التي كنت أحكيها لأخي خوفا عليكن من عسر الزمن, خصوصا عندما كنت أرى إسرافه عليكن وما تتمتعن فيه من رزق وفير. إن قنطرة بن طاطو بفاس بناها رجل من هذه المدينة اسمه بن طاطو وجعل عجينها من تراب وبيض, ولم يدخل في بنائها ماء ليبرهن على كرمه وغناه.

ولما سألتها عن السبب أجابت:

أولا أسرة بن طاطو كانت قبل انقراض نسلها من أغنى أسر مدينة فاس. ابن طاطو هذا حصل أن دخل يوما على بنته فوجدها قد أشعلت قضيبا من الوقود, وكانت العادة أن يجزأ القضيب في ذلك العهد فيشعل أجزاؤه واحدا بعد آخر عند الحاجة إليها, ولم يكن الوقود كحاله اليوم قضبانا رقيقة. غايته أن ابن طاطو انزعج حين رأى من ابنته أنها لا تبالي بالاقتصاد في استهلاك الوقود فنهرها وأدبها بالضرب وثار لذلك ثورة عمياء. انتقل الحدث من فم إلى أذن حتى وصل إلى علم وجهاء البلد, وكانوا أصدقاء له, وكانوا يعزون المرأة فعابوا عليه أن يضرب ابنته ضربا مبرحا. كانت العادة أن أهل فاس يبالغون في الإحسان إلى المرأة, واعتبر عمله منكرا واتهموه بالبخل والتقتير. كان رد بن طاطو أنه ما اشتد عقابه لابنته بخلا ولكن تربية واحتراسا من الزمن, فقد كان يخاف على بناته أن يتجه بهم القدر إلى عصمة رجل فقير فيكن وبالا عليه بما اعتدنه من تبذير. قد أراد بن طاطو أن يعلمها الاقتصاد, فضربها, وأقسم فيما بعد أن يبني قنطرة يكون عجينها من بيض الدجاج, تظل مثلا يضرب عن شدة الكرم والسخاء وحتى لا ينعت بالبخل من طرف أصحابه. وكان في ظاهر المدينة ممر ماء ليس عليه جسر فأمر البنائين فبنوه كما شاء له. الرجال يا بنتي قد يقل مالهم وقد يغيبون في السجون ويتركون صغارهم في حاجة إلى الأكل.

اعتقل الطاهر في السجون, وظل حمدة في شظف من العيش لا يستطيع أن يعول بنته وأولادها. يلعن حمدة العجوز السياسة التي لا ناقة له فيها ولا جمل. يشتد عسره ويزور صهره الطاهر بالسجن متذمرا. يقبل يديه لا لأنه وطني لكن تبركا منه لأنه ولد النبي.

منى تسأل صاحبها:

عجبا, حمدة متذمر من الطاهر المهووس بالسياسة والسجون. كيف يكره السياسة؟ السياسة فيها لفلوس.

الفصل الثامن

إحسان

شقت الباخرة عباب البحر الأبيض المتوسط, وانطلق وفود الحجاج من جبل طارق. السيدة رقوشة تحكي لحفيدتها إحسان:

– أحرمنا من القدس …

أي لثغة حلوة رقيقة عندما تنطق السيدة رقوشة باللكنة التطوانية, القاف ناعمة والدال خافتة تكاد تختفي مع السين , تؤكد أن الإحرام كان من القدس.داخل الباخرة كانت السيدة رقوشة تظهر بزي أنيق شبيه بلباس الإسبانيات. ترتدي الفلدة التي اشتراها لها صاحبها من غرناطة, وتخفي جوانبها بالحائك الذي يسترها من الرأس إلى القدمين. تتغلف كالمومياء, وتضع تحت عينيها قطعة قماش بيضاء صغيرة مطرزة تستر الجزء الأسفل من وجهها. في بعض الخرجات المهمة تلبس سروالا ينتهي بثنايا تصل إلى الأعقاب, تلك الثنايا تسمى ‘الطوازن’ وهي من قماش أبيض. دادا امباركة ساهرة على الاعتناء بلباسها أثناء الرحلة. رقوشة مشغولة بالرضيع حفيظة التي سفرتها معها وهي في الأربعين يوما من ميلادها.

الحاج التطواني يتحدث مع صديقه سيد العباس:

الآن بعد أن ودعنا الحج نستطيع أن نتمتع بالسياحة في مصر.

يقترب من زوجته وهي تحضن صبيتها, ويمسك بيدها برفق لتنزل من الباخرة, أما دادا امباركة فإنها تحمل بعض الأغراض الخفيفة تنزل متثاقلة . عبروا من بر الجزيرة إلى مصر, بعد أن رحلوا من القدس إلى المدينة ثم إلى مكة و جدة. هاهم يحطون الرحال بالقاهرة, بعد سفرة قصيرة من مدينة السويس. لم تكن وسائل الاتصال قد انتشرت لتنقل إلى جهات العالم ما يجري في القاهرة من أحداث, وما يتطور فيها من فن وثقافة وغناء ورقص, لكن كانت هناك وسائل أخرى, كالكتب والصحافة المصرية التي نشأت قبل العشرينات بكثير. كانت الأخبار وإن قلت تصل إلى مدينة تطوان وسائر مدن المغرب. الحاج التطواني كان يحلو له وهو يشتري بعض الكتب في القاهرة أن يحمل لصاحبته مجلة لملئ فراغها . هو يعلم أنها لا تحسن القراءة ولا الكتابة, ورغم ذلك حمل لها إلى الفندق مجلة ‘فتاة الشرق’.

صاحبة الحاج التطواني آثرت أن تلبس البلوزة دون الحائك, على شاكلة نساء القاهرة. عزم الحاج على مصاحبتها إلى المسرح لمشاهدة إحدى المغنيات. سبق أن شاهد في حجه السابق منيرة المهدية وسعاد محاسن, والآن يسمع عن مغنية اسمها أم كلثوم. يدخل إلى كازينو برفقة سيد العباس و صاحبته التي كانت تجلس على كرسي ذهبي الإطار, وتمسك بيده خوفا وانبهارا. تشاهد شابة أنيقة, جالسة تنقر على آلة موسيقية ‘العود’, ترتدي البانطون والكوفية وتضع العقال فوق رأسها , تظهر بمظهر الفتيان. إنها المطربة أم كلثوم . الحاج التطواني عندما حج مرة أخرى منفردا دون صاحبته شاهد أم كلثوم وقد استبدلت ‘العود’ بمنديل, ونزعت البانطون والكوفية والعقال, ولبست زيا جديدا ‘غوب’ مذيلة لونها وردي, عارية الأطراف والظهر, المطربة صدرها بارز, واقفة تمسك بمنديل يبعد خجلها ويسعفها على الغناء. رقوشة بكازينو البوسفور, وأم كثوم تصدح بصوتها العذب. سيد العباس منتشيا, يردد بصوت خافت :

مالي فتنت بلحظك الفتان…

سيد العباس يلتفت إلى السيدة رقوشة منبهرا بجمالها وأناقتها, فترتعش وتزداد تمسحا بجوانب صاحبها. سيد العباس يحدق فيها شبقا, وصديقه الحاج التطواني مشدوه إلى أم كلثوم, يصفق بحرارة. يطارده شبح السيدة فضول. يذكر أنه باغتها وهي في ‘البرطال’ تنقر على’العود’ الذي ورثته عن جدة جدتها من غرناطة. كانت تحافظ عليه, تعتز بقدمه وتحمله برفق وحنان. سيد العباس لا يعرف كيف تعلمت النقر على العود. بمجرد أن يباغتها تنقر على’العود’, تهرول إلى المطبخ حافية القدمين, يلاحقها صوته الأجش, ترتبك وتحرك التنور بقضيب الفضة, تزيح الرماد وتحتفظ بالجمرات, ثم تدس الرماد في قعر التنور, وتضيف الفحم, فتشتعل النار بسرعة البرق. تضع قضبان الكباب فوق التنور لتستوي على النار جيدا, وتمد سيد العباس بقضبان الفضة المليئة بلحم الكباب. سيد العباس يحنو على العود, يخاف أن تمتد يده إليه. العود فوق السجاد, مرة مرة يحاول أن يلمسه, يرغب أن ينقر نقرات خفيفة عليه لكنه يخاف أن ينقص العود من شموخه , يخاف أن ترمقه للا فضول بغتة فتخجله نظراتها ويضيع كبره.

سيد العباس لا يوجد ببقعة البرطال, سيد العباس ببقعة كازينو البوسفور و للا فضول في البرطال تنقر على العود بهدوء وطمأنينة. صاحبها يؤدي مناسك الحج, وهي تتألم ويخفق قلبها عندما تتذكر أن سيد العباس كان مختليا في المصرية يسمع خرافات دادا الياقوت, إنها مسنة عفنة لا قدرة لها على أن تبرح مكانها, لكنه يحبها يحن إليها وهي في سنيها الأخيرة. تحكي له حكايات ألف ليلة وليلة, وتسمع للا فضول ضحكاته الحلوة الرائقة, فتغتاظ وتتألم, وتكتوي بشحم الكباب وهي بقرب التنور الذي يتوهج ببريق الجمر الملتهب. تضع قضبان الكباب في الصحن, تخاف عليهم من الاحتراق, وبين لحظة وأخرى ترش التنور بقطرات من الماء, فيخمد اللهب. سيد العباس يحب شي الكباب على درجة من الحرارة مضبوطة , للا فضول أصبحت ماهرة ومقتدرة في الشواء . اللهب يتصاعد من فوهات التنور, فتمسك بيدها قضيب الفضة مخلوعا, وتدفع من قعر التنور الرماد, لتغطي الجمرات كي لا يحترق الكباب, وتعود إلى البرطال تحمل صحن الكباب فيقول لها:

-أحضري الزبد الطري وضعيه فوق الكباب. بادري كوني ذكية, وافطني إلى رغباتي بسرعة البرق. أنت غبية وحركاتك بطيئة.

سيد العباس يشاهد أم كلثوم و يطارده شبح للا فضول. ترتبك, تتعثر خطواتها بين البرطال والمطبخ, وتخاف. العود فوق السجاد, ترغب في أن تحمله لتنقر نقرات شاعرية مليئة بالحب. سيد العباس يشتد وقاحة وغلظة وقسوة, يحذرها. تبادر وتخفيه في ركن بعيد. بصدق سيد العباس لا يقدر على أن يصيب آلة العود بمكروه, يعلم أنه أعز ما تملك للا فضول في عالمها الحزين. يقسو عليها, لكن يخاف أن تموت غما وكمدا. يحبها بعمق البحر.

صديق سيد العباس التطواني استغرب صمته, فلكزه بمرفقه حتى كاد يقع من مقعده وقال له:

أين أنت ساه يا سيد العباس, إياك أن تكون وصلت إلى مدينة فاس. للا فضول بخير.

يجيب بهدوء, وعلى غير عادته الشرسة:

أشعر بألم في رأسي.

رقوشة تسر في أذن صاحبها:

اسمع صوت ابنتي حفيظة تصرخ, أخاف عليها. دادا امباركة منشغلة بأغراضها الخاصة. أريد العودة سريعا إلى الفندق.

رقوشة عجوز مسنة جالسة في الشرفة تطل على البحر. تدخل منى سكن جارتها إحسان بمصطاف مرسى المضيق, فتجد السيدة رقوشة تحكي وعيناها تلمعان ذكاء, تتذكر شبابها وهي دون العشرين سنة. منى يعجبها أن تصغي إليها وهي وتمد النظر إلى البحر فتشاهد أضواء الجزيرة الخضراء متلألئة. عندما يكون البحر هادئا, تبدو لها شواطئ إسبانيا بأضوائها الخافتة كأحلامها اللامتناهية. تحلم أن تتمكن يوما من وضع نوع من المجامع العامة لموسوعات نسائية , تحفظ فيها جميع خصوصيات المرأة, منذ عهد فلاسفة الإغريق إلى يومنا هذا. تحلم بأن يتيسر لهذه المجامع النسائية النشر قريبا. تحلم أن تجمع أصناف التعذيب الذي تعرضت له البشرية منذ حقب موغلة في القدم إلى كوانتانامو. تحلم برحلة منظمة من مونتريال إلى كوبا رفقة ابنتها رهام. تحلم بتدوين أشياء كثير ة لم تكتب, مثل الأصوات التي تظل مبهمة, بكاء صوت رضيع صاحبة امرئ القيس, الذي لم يتيسر له يوما ناقدا مكاشفا يصل إلى حقيقة النص الشعري عنده , ودلك لأنه لا يقدر على سماع صوت الرضيع. ” لما بكى انصرفت له بشق…. ” البكاء صوت لا نرغب في سماعه . هل نسمع نحن الآن صوت بكاء آت من كوانتانامو؟. سميح القاسم يسمع أصوات المعتقلين بكوانتانامو.

منى يستوي نظرها على امتداد البحر, بصوت خافت تردد:

يجب أن نتستر على امرئ القيس, لا حق لنا في فضح الأموات. الشعراء لا رقيب عندهم. يكتبون قصيدة فاجرة ولا يقدمون للمحاكمة.

رقوشة بالكازنو لا تسمع صوت أم كلثوم, بل تسمع صوت الرضيع حفيظة, لا تعرف أحلام يقظة؟. رقوشة تسمع صوت الرضيع, وتتأهب للعودة إلى الفندق. لا تحب سهرات الكازينو بالقاهرة, ولا سهرات الفلامنكو بغرناطة, هذه الأشياء لا ترغب فيها . يقترب الحاج التطواني من سيد العباس وقد غرق في أحلام اليقظة, يقول له:

الله … الله لو شاهدت أسيد العباس رقصات الفلامنكو بغرناطة لطار عقلك وانصرفت عن خرافات دادا الياقوت.

رقوشة تشرف على البحر, أضواء شواطئ إسبانيا تلمع نورا وتوهجا, والبحر هادئ تنطلق بداخله قوارب الصيد. جدة إحسان تحكي:

أحرمنا من القدس, وضعنا حوائجنا في زاوية المغاربة, تعرفنا على بعض المغاربة المقيمين في القدس وصلينا صلاة الجمعة. مسجد القدس رفيع البناء, مسقف كله, فيه مكان معلوم صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب, في ركنه الشرقي مزار يقال له مهد عيسى عليه السلام, وله طاقات واسعة يشرف منها الناظر على الوادي الذي يسمى وادي جهنم. تحت المسجد الأقصى مسجد آخر واسع جدا بني على أساطين من حجارة منحوتة . طورزيتا الواقع بين المسجد والوادي الكبير جهنم … ويشرف طورزيتا على القدس كله وما حوله . جبل الزيتون, الواقع بين المسجد والوادي الكبير واد جهنم, يشرف على القدس كله وعلى ما حوله. في أعلاه مزار يقال أن منه وقع رفع سيدنا عيسى عليه السلام, ويوجد قبر رابعة العذرية في مغارة تحت الأرض, و قبر السيدة مريم يوجد بكنيسة. صلينا صلاة العصر بالمسجد الأقصى. أحرمنا من القدس .

منى لا تصدق كل ما تحكي رقوشة. تجد في كلامها ضربا من كلام اليهود الذين يزعمون بهيكل سليمان, ويزعمون كذبا أن سليمان منهم وما هو منهم. تتساءل عن كلمة طورزيتا؟. تجد أنها ليست عربية. تعلم أن رقوشة لا تحترس عندما تحكي عن التاريخ. تجد في حكيها خلط .

منى تتساءل عم تحكي رقوشة جدة صديقتها إحسان. هل تحكي بنظام لغوي؟, وهل هذا النظام ترجمة أم تأويل؟. هل تحكي بصدق عم شاهدته بغرناطة وبالقاهرة وبالقدس؟ أم أنها تصنع التاريخ مثلما يصنعه الحكام والطغاة و الزعماء؟. تذكر حديث صاحبها لها قبل مجيئها إلى شقة صديقتها إحسان “… إن النظام اللغوي هو طائفة من القوانين المتصلة القائمة بواسطة ظواهر ظاهرة وخفية , وإن اختلاف النظام من وقت إلى آخر يؤدي إلى تغير في التشكيلات… “

جدة إحسان تحكي متفاخرة ومتعاظمة:

تعلمين أن جدة جدتي هي الست الحرة التي حكمت تطوان . في السنوات التي حكمت تأسست الخصائص الكبرى التي هيمنت على مجمل تاريخ تطوان وجعلت منها كيانا مجتمعيا بقيت خصوصيته ثابتة لحد الآن. هذه الخصائص تحمل تناقضا غريبا حيث هي مزيج من العداء والحنين إزاء أوروبا القريبة التي لا يفصلها عنا إلا هذا البوغاز الذي تشاهدينه…

تحكي على مهل وفي وهن شبيهة بالموت.

تطوان مدينة أندلسية حقيقية تختلف عن فاس وسلا رغم الشبه الحاصل . تعرفين حي البلاد؟ هذا الحي له دلالته الرمزية وشحنته العاطفية, إنه تطور للأحياء المورسكية, سكن فيه جدي. جدي شارك في ثورات المعارضة التي عرفتها هذه المدينة المتمردة, حيث حوصرت برا وبحرا مدة ثمانية عشر شهرا. مما أزم وضعها الاقتصادي , وتعرضت المدينة لمرض الطاعون خلال ربع قرن, ومن بعدها ساءت الأوضاع بتطوان, وهذا ما ساعد على احتلالها من طرف إسبانيا سنة 1860. انظري منى إلى شواطئ إسبانيا إنها تتوهج نورا. يطيب لي أن أزور غرناطة وإن كنت عجوزا . يحلو لي أن أقضي شهورا برفقة ولدي بسكنه البحري بمربيا, أسمع رقصات الفلامنكو و يخفق قلبي فرحا .

تحكي وقد بدا عليها الوهن الشديد, لكن عينيها مفعمة بالحب والسياسة. تحكي في تألق مدهش وكأن عمرها أربعون سنة:

أحرمنا من القدس, لكن عندما دخلنا القدس لم نجد فيها أشجار النخيل.

منى تتساءل عن الرطب الذي تساقط. أين اختفت أشجار النخيل؟. قال تعالى*وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا*.

منى تغرق في صمتها المعتاد, تتساءل في دهشة وجنون عن تحاليل صاحبها. هل هو الذي أوحى للسيدة رقوشة بمثل هذه التفاسير؟ أو لعلها أقوى منه على البحث في غور التاريخ ؟. يجب البحث عن النخيل, لنقوم بمقابلة التعارض القائم بين لذة الرطب وألم الولادة.

يحكي صاحبها في تأويل بسيط عن قضايا الكون والعدم. منى عند قراءتها يزيغ منها النص المقروء. تحاول تفكيكه, فتجده يتكرر في مناورات مدهشة. تكشف غباءها لأن النص الحقيقي يتكرر بشكل مشوه. منى غير قادرة على التأويل. رقوشة تذكرها بمكاشفة صاحبها لبعض الأقوال. تسمع آذان العشاء, تقف وتصلي “الله أكبر”. تقرأ *وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا*.

الجدة تنبه حفيدتها إحسان إلى أنها تشم رائحة قدرها يحترق. تتساءل في دهشة:

كل بنات هذا الزمان يحرقن القدور, لماذا؟

كانت منى قد نصبت قدر الحمام باللوز لصديقتها إحسان, قبل ولوج الشرفة التي تجلس فيها السيدة رقوشة, وكانت إحسان تمسك بورقة وقلم, تكتب البهارات المستعملة وطريقة نصب القدر. إحسان لا تعلم أن رهام عندما دخلت إلى المطبخ باحثة عن أمها أمسكت بالورقة ورمتها في الزبالة. رهام كانت مشغولة بالنظافة, كلما رأت ورقة تظن أنها مسودة يجب أن تلقى في الزبالة.

الجدة تبدو متمردة تواصل حياتها عبر حكاية تاريخ منسي. تكاشف ذاتها المتشردة ما بين رقع متباينة حطت فيها, فتركت عندها جروحا ما بين القدس و غرناطة. عندما تتذكر تشعر أنها تقاوم الموت وتعيش الحياة , لا تعرف الحب ولا تعرف السياسة. تحفز كل نساء العالم على المكاشفة والدخول إلى القدس وغرناطة.

رقوشة تردد بصوت خافت دافئ:

القدس… غرناطة

منى تردد القدس بلثغة الجدة رقوشة, تسمعها صديقتها إحسان فتبتسم. تغرق النظر على امتداد البحر, فتشاهد أضواء طريفة. إحسان بالمطبخ, تغسل القدر وتحكه. ترغب في أن تكون الطن جرة تبرق وتلمع مثل ضوء القمر .

منى مازالت غارقة, في دهش تردد تساؤلات أبو أسد عندما يكتب نصا معطوبا :

لماذا كرهت السيدة مريم عند بلوغها الزواج؟. لعلها كرهت أن تنجب صبيا, لقد كره لها زكريا الولادة. كرهت السيدة مريم أن تلد هروبا من أن يلقى أولادها اليتم الذي عاشته عندما كفلها زكريا ولم ينشئها أبواها, فلعلهما توفيا وهي صبية. لكن أظن أنه بقي في نفسها شيء من مرارة اليتم إذ كرهت الزواج والإنجاب. فارقت أهلها واعتزلتهم, واتخذت من دونهم حجابا. كان الله تعالى ينظر إلى حالها وقصتها, فأراد أن يكذب ظنونها, وأرسل إليها الملك بغلام خلقه خلقا من تراب, وجعله في رحمها. حملته, و جاءها المخاض إلى جذع النخلة فولدت ونطق وهو صبي.

جدة صديقة منى, إحسان, تمد نظرها إلى شواطئ مرسى المضيق. القوارب الصغيرة بضوئها الخافت تخرق البحر الأبيض المتوسط. تعلم أنها خرقت هذا البحر لتحرم من القدس. تحكي والوهن باد على جسدها , لكن ذاكرتها قوية تسعفها على حكاية بعض من التاريخ , تقول:

وصنا القاهرة . سمعت أم كلثوم تغني:

مالي فتنت بلحظك الفتان وسلوت كل مليحة إياك .

فتاح لا يعرف سيد العباس , كان هو الآخر يتردد على سماع أم كلثوم مثل سيد العباس وصديقه التطواني. فتاح لم يلج كازينو الزقازيق ولا البوسفور, جاء إلى القاهرة متأخرا . لا نعرف أين كان يسمعها تغني في القاهرة, وأين استقر عندما كان منفيا؟ كان يشرب خمرا كثيرا, وكان مهموما بالقضايا السياسية. هرب من وطنه إلى القاهرة خوفا. كان ينتظر الاستقلال, حصل المغرب على الاستقلال, وعاد مرة أخرى لاجئا سياسيا ليس في القاهرة ولكن في باريس.

جدة إحسان لا تعرف السياسة, لكنها تحكي التاريخ . يقولون لها السياسة فيها الفلوس. منى تتساءل والدهشة تعتور أطراف جسدها, السياسة فيها الفلوس؟. هي الأخرى كانت في باريس, لكن لم تخض غمار السياسة, لم تكن تظن أنها تدر أموالا وافرة. في هذا الزمن الوزير الأول يحتفظ براتبه الشهري المرتفع وإن لم يعد وزيرا, السياسة فيها الفلوس, منى تجهل هذه الامتيازات. عندما دخلت مع زميلاتها الطالبات كالنعاج في الفركونيت من الحي الجامعي بظهر المهراز لم يخطر في بالها أن السياسة فيها لفلوس. لم تخض غمار السياسة, خاضت غمار الطن جرة بداخلها حمام القدر باللوز. كان همها أن تقدم أطباقا شهية لصاحبها وزملائه, وأن تنعم بشغب أسد وآية ورهام. وتقول لصاحبها “اغضب كما تشاء, إنك كالأطفال نحبهم مهما لنا أساؤوا … اغضب …. وابق معي إن سألتك الرحيل…”

فتاح في أحد كابرييات باريس يستمع إلى المطربة وردة تغني في منتصف الخمسينات في كابري والدها. يغني في نفس الكابري الذي تغني فيه وردة حسين السلاوي و محمد افويتح. هذا الخبر لا تعرفه منى, سمعته عندما كانت تتجسس على السجال الأدبي بين صاحبها وزملائه. زميله اللغوي المشهور بنظرياته الوظيفية يعجبه أن يلتقط الأخبار الفنية ويخزنها في ذاكرته ليفاجئهم بتفوقه عليهم في فن الغناء . التقطت الخبر يوما ضمن السجال اللغوي عندما كان يحكي وهي تمد صاحبها بأطباق شهية قرب باب غرفة الضيوف كان يقول :

… إن انطلاقة وردة السينمائية لم يكتب لها فيها النجاح مبكرا. لكن شهرتها بدأت مع منافستها لفايزة أحمد وليلى مراد وهدى سلطان ونجاح سلام وغيرهن. وبعد زواجها من الملحن بليغ حمدي تألق نجمها وأصبحت منافسة لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم.

كانت منى عندما تسمع هذه الأخبار الفنية تتساءل: “كيف لا يعرف المغنية بريكة, ولا يعرف للا فضول؟ ولا يعرف المغنية سليمة مراد بالعراق ولا يعرف أن أغاني أم كلثوم تدرس في إسرائيل. أخباره الفنية ناقصة.”

الشقة الصغيرة بمصطاف مرسى مضيق يعبقها دخان حريق قدر الحمام باللوز. صديقتها إحسان متألمة على ضياع الورقة التي سجلت عليها وصفة طبخ قدر الحمام باللوز. تحك الطنجرة تريدها لامعة مثل القمر . منى تسمع السيدة الرقوشة تحكي:

أحرمنا من القدس.

تدخل المطبخ والدة إحسان السيدة حفيظة وتفتح النوافذ فيخرج دخان الحريق. تدخل رهام تغني:

سنرجع يوما إلى حينا…

الفصل السابع

كنزة

سيدي امحمد شغوف بترتيل القرآن الكريم بالغدو والآصال, و يداوم على أن تستظهر عليه صاحبته الأدعية. هي مشغولة بكل الأعباء داخل البيت وخارجه فالزوج العجوز يوكل إليها التصرف في كل مهام الأسرة ويطيب له أن يحدثها عن الكرامات. يقول لها:

للا كنزة, سمعت بولي صالح ينتشر في الناس خبر كراماته فيفدون عليه. يخترق الجدار. يصلي العصر في مكة وهو يقيم في فاس. يزرع حبة فتغدو حقلا من الشجر المثمر والمظلل.

يموت الولي الصالح ذو الكرامات, والذي كانت حياته جملة من الأفعال الدالة على قدرته المتحدية لقوانين الطبيعة. ينسى أتباعه أنه لم يستطع أن يتحدى قوانين الموت. يموت فيغدو قبره قبة مباركة.

كنزة تنط على دابتها في اتجاهها إلى الزعيم الوطني المنفي. تقول في نفسها:

سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين, وإنا إلى ربنا لمنقلبون. الحمد لله, الحمد لله, الحمد لله. الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر. سبحانك, إني ظلمت نفسي, فاغفر لي, إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

تعود بعد زيارتها للزعيم المنفي, تسمع آذان المغرب و تردد بصوت خافت:

اللهم هذا إقبال ليلك, و إدبار نهارك, وأصوات دعائك, وحضور صلواتك, أسألك أن تغفر لي…. اغفر لي…

تنظر إلى الهلال وقد أهل شهر شعبان المبارك, تقول في نفسها:

اللهم أهله علينا باليمن والإيمان, والسلامة والسلام.

تصوب نظرها صوب الهلال, بجوارح مكلمة متضرعة, تردد في نفسها:

اللهم بارك, بارك, وأفئ عليهما من خيرك, إنهما أعز ما أملك.

للا كنزة تخفي في نحرها صك قسيمة كتبت بخط مغربي جميل وبحروف واضحة.

رقم 88676

الحمد لله وحده.

نحن الشقيقين الموقعين أسفله عبده ومحمد, نشهد أنه قد انعقدت الشركة بحول الله وقوته بيننا. دفع الأول وهو محمد أربعة ملايين, والثاني وهو عبده مثلها. وحاز الجميع عبده, واتفقا أن يتجرا في الخشب, بالمال المذكور, بغابة تافاغات والخشب اليابس بغابة تعريشت. فوض محمد لشقيقه عبده في البيع والشراء والأخذ والعطاء, وعلى محمد العمل. وما يفئ الله عليهما في ذلك من الربح يكون أثلاثا بينهما, لعبده الثلثان ولمحمد الثلث. وعليهما في ذلك بتقوى الله العظيم من لا تخفى عليه خافية في السر والعلانية. انعقد صحيحا في شهر شعبان سنة 1371 , موافق مايو 1952.

الإمضاء عبده , محمد.”

اعتاد شقيقها محمد أن يخبئ عندها بعض العقود والوثائق المهمة. تبارك الشركة, وهي في طريقها إلى الزعيم المنفي الذي اعتادت أن تحمل له الغذاء الشهي بعد الظهر. السيدة كنزة صعبة المراس, عظامها قوية, عضلاتها مفتولة وصلبة, خفيفة الحركة, هيفاء, تنط على البغل في لمح البصر, لا تعرف الكسل ولا التهاون. العمل عندها عبادة متواصلة, من شروق الشمس إلى غروبها. بعد زيارة المنفي, تعرج على معمل منشار شجر الأرز لتطمئن على أخيها. تحكي له بعض هموم أبناء زوجها وتتوسل له أن يشغل أحد أبنائه المنحرفين فيستجيب لها. تجهد جسدها لتوفر محصولا زراعيا وفيرا كل سنة, فالزوج المسن المقعد بيتا لا يبرح غرفته وهي بجواره نعم المرأة الصالحة, تؤنس وحدته وتحفظ أدعيته. كذلك هي نعم الأم, تحنو على صغارها, وتحكي لهم حكايات الحب والسياسة.

تقترب من قدر الرائب, حليب البقر الطبيعي, بعد أن تركته يوما أو بعض يوم يروب, ولا تأخذ منه زبده. أسعد لحظاتها عندما تحمل قنينة الرائب إلى المنفي , مع خبز بداخله قطع مختارة من لحم الغنم مشوية على نار خافتة تترك اللحم ينزف دما, تعرف أنه يلذ له استواؤه على الطريقة الفرنسية, لا تضيف له عطورا. اعتاد المنفي أن تزوره كنزة. زوجها المسن لا يمانع في خروجها لأنها تغمره ودا وحنانا ولطفا, تلبي طلباته بسرعة البرق و ترافقه بمهمازه وهو يعبر أركان الغرف متفقدا سكنه , تخبره أن أخاها سيشغل ابنه الطائش في المنشار فيستبشر خيرا. تطلب منه أن يرسل ابنهما الصغير إلى باريس لاستكمال دراسته. تحنو عليه بعطف شديد وتتودد له . تقول والأمل يشع في عينيها:

أ ريد أن يدرس ولدي البوليتيك في باريس.

يرد غاضبا:

هذا حرام و خزي. ولدي سأبعثه إلى فاس ليدرس في القرويين.

يشتد غيظها وتغرق في حزن عميق. تستحضر كل أحاديث الزعيم المنفي عن دراسته في باريس, ورحلاته السياسية بين جنيف ومدريد. تتذكر بإعجاب وانبهار أحاديثه :

سنة 1931 غادرت فاس إلى باريس. سنة 1932 ألقيت محاضرة بباريس عن السلطان الحسن الأول والنهضة المغربية, وفي نفس السنة سافرت إلى جنيف حيث تعاونت مع الأمير شكيب. اضطررت إلى مغادرة سويسرا بسبب نشاطي السياسي فتوجهت إلى مدريد حيث شاركت في تأسيس الجمعية العربية الإسلامية.

يحكي والعظمة لا تسعه عن زمن دراسته وتفوقه. السيدة كنزة ترغب أن يدرس ولدها البوليتيك مثل الزعيم.

سيدي امحمد يجهد جسده في العبادة وقراءة القرآن قبل الفجر. عندما يصلي يصيب الوهن جسده المترهل, فيستسلم إلى النوم. تستيقظ كنزة في الصباح مبتهجة فرحة لشروق شمس جديدة. يحل الظهر والعصر لا شيء يتغير, تستعد للخروج فيتغير كل شيء. تجد حريتها وحقوقها وذاتها في خروجها من البيت. إنها امرأة قوية, ليست موضوعا لمتعة أي رجل, ولا جسدا ساقطا لنظرات بعض الرجال السفلة. تغض البصر, تستحي و تنط على فرسها بفخر واعتزاز. لا تضع نقابا يجرح عينيها, تعلم أن النقاب يلقي على مناطق في الجسد الأنثوي أقل مشاركة من العين. العين خلقها الله سبحانه وتعالى للرؤية. وجه كنزة عار. لا يشك زوجها في خروجها عندما تتزين تزينا بسيطا لا يلفت النظر, تعتمد فيه على الماء.

القرية كلها تعلم بتردد كنزة على سكن المقاوم السياسي ويعتبرون زيارتها مقاومة من أجل خروج فرنسا. عند قدوم زوجة المقاوم من فاس لزيارته رفقة أولادها, لا تصيبها الغيرة من كنزة. كنزة سيدة محصنة عفيفة , مثل للأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة, وكل أهل القرية يشهرون ذلك. الزعيم نسي منفاه وكأنه يقيم في قرية جميلة للاستجمام والراحة. عندما تزوره , يخلد إلى الصمت, وعندما يتحدث إليها بصوته الرخيم الرقيق تبدو سعيدة و تبتسم.

الزعيم المنفي يخاف عليها, عندما تزوره, من حر الظهيرة و رمضاء ها . تلمس في عينيه وهي تودعه ودا وحنانا جارفا. لا شيء أجمل في هذه القرية من السيدة كنزة. إنها نار مشتعلة, لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. تعطي بسخاء الغذاء النقي والطبيعي واللذيذ, لا تستعمل البهارات. ما بقي لها من زمن ما بعد الظهيرة تنشد فيه الخلوة إلى ذاتها, وكأنها ليست زوجا ولا أما ولا طباخة ولا فلاحة. إنها بحق فنانة تنسج من صوف الغنم نسيجا, و في فوضى النسج تخلق قطعة تهديها إلى الزعيم المنفي, ليخيطه بفاس جلبابا أمازيغيا يحميه من زمهرير برد القرية القارص لشتاء المقبل. تجلس القرفصاء, تنسج وكأنها للا فضول تنقر على العود. اختارت لون شعر الجمل, وشكلت بداخله رسوما مربعة بلون البرتقال. تسرع في النسج لتحمل الهدية. تشتغل حتى منتصف الليل, فتيل الزيت مضيء داخل قنينة الزجاج يسعفها على النسيج. تبدأ الشغل مع أول إشراق الصباح, وتنتهي قبل غروب الشمس. يتعجب الزعيم المنفي, الفرحة تغمره وهي تمده بقطعة نسيج الصوف. لم ينبس بكلمة, ظل صامتا كعادته يرمقها بخوف وحرج, ويغض بصره إكبارا وإجللا. يصمت, يضع قطعة الصوف على كتفيه منتعشا, يظل يتمسح بأذيالها لحظات ثم يقول لها:

سأبعث بهذه القطعة من الصوف الجميل لصاحبتي, لتخيطها بفاس جلبابا رائعا. ما أجمل هذه القطعة المنسوجة بيدك سيدتي للا كنزة …

يعبث الزعيم بنتف قطعة النسيج و يقول لها مازحا:

فحمل مغازل للنسوان أولى لهن من اليراع مقلمات

لا تفقه قوله, ولو فقهت قوله لقالت “حسبي الله ونعم الوكيل” لعن الله أنانية هذا الشاعر, يريد أن ينفرد باليراع ويتمتع بدفء قطعة المنسوج ؟. نرجسية الشعراء عمى وظلال. تصمت .

تخرج متعثرة في مشيتها, تمتطي فرسها, يكسوها الخجل وتحمر وجنتاها. الآن لم تعد تبحث عن ظل في طريقها إلى البيت, إنه فصل الشتاء والبرد قارص, لكن دفئ الزيارة يشعل جسدها لهبا, وينير طريقها أملا وإشراقا وتوهجا, تحلم لحظة . تلمس برفق قسيمة صك الوثيقة التي أعطاها لها أخوها محمد. هي لا تعرف القراءة, لكن تعرف أن الوثيقة مهمة. ما هي بقارئة, لكنها فنانة تنسج قطع خيوط الصوف, لتشكل قطعة منسوج لجلباب فاخر. كنزة تعرف الحب, وتعرف السياسة وتكره الحرب. تعبر الطريق إلى بيتها, و زمهرير من البرد يعصف بقلبها. تعقد العزم على أن تنسج قطعة صوف للزعيم المنفي الشتاء المقبل.

الزعيم الوطني المنفي يتجول في سوق القرية, يسمح له بذلك يوم الاثنين. إنه شاب يتجاوز الثلاثين بقليل, نفي من مدينة فاس إلى هذه القرية, وأمضى بعض الشهور في جهات من جنوب المغرب منفيا عن أهله. يتكلم الفرنسية بطلاقة كما يجيد العربية. كان من أوائل المغاربة الذين اتجهوا إلى باريس قصد التحصيل والمعرفة. درس فيها بعد إعلان الحماية العلوم السياسية, ولاحظ مبكرا تناقضا بين سلوك فرنسا في المستعمرات وبين ما يدرسه في معاهدها, وخصوصا أفكار الثورة الفرنسية. عاد إلى المغرب وشارك في ما يدعى بالحركة الوطنية. نسي في تحليلاته شيئا واحدا هو أن الاستقلال لا يعني بالضرورة سيادة الأفكار الاجتماعية والسياسية النظيفة التي درسها في معاهد فرنسا, كما نسي أمرا آخر هو أن الحكم الوطني ليس بالضرورة نقيض الظلم والقهر. كان يعتقد أن هذه المعاني السوداء لا يمثلها إلا الاستعمار الفرنسي. كان الزعيم الوطني المنفي مرة مرة يكتب بعض الملاحظات من خلال قراءاته, وهو يستجم في القرية الجميلة, من بين ما كتب : “… المصيبة في هذه القصة التي يرويها فكثور هيكو هو مقاومة الجمهوريين الانقلاب الإمبراطوري, وخيانة لويس نابليون بونابرت…”

وسط حلقة مكتظة في السوق, كان يلتف أهل القرية حول الزعيم الوطني المنفي. صبية وشبانا وعجزة يحدثهم بلطف وغرور:

… قال أبو الحسن: كان نافع بن علقمة واليا على مكة والمدينة, وكان شاهرا سيفه لا يغمده. بلغه أن فتى من بني سهم يذكره بكل قبح, فلما حضر أمر بضرب عنقه, قال الفتى: لا تعجل علي ودعني أتكلم. قال : أو بك كلام؟. قال: نعم, وأزيد يا نافع, وليت الحرمين, تحكم في دمائنا وأموالنا, وعندك أربع عقائل من العرب, وبنيت ياقوتة بين الصفا والمروة, وأنت نافع ابن علقمة أحسن الناس وجها, وأكرمهم حسبا, وليس لنا من ذلك إلا التراب, لم نحسدك على شيء منه, ولم ننفسه عليك, فنفست علينا أن نتكلم. قال: فتكلم حتى ينفك فكاك.

يزداد أهل القرية التفافا حول الزعيم, وهو يحدثهم عن ‘البوليتيك’ الذي درسه في باريس. الزعيم يخاطبهم بالعربية مختلطة بالفرنسية. يحكي عن حركاته في مدن المغرب.

سنة 1942 سبتمبر, أكتوبر ونوفمبر في مدينة تطوان اتصلت بالوطنيين المغاربة, ونسقت معهم برنامج العمل. كان من بين رجال تطوان رجل ذو مال وفير, لا يهتم بالسياسة, لكنه يغدق علينا من أمواله ما يسع نفقاتنا.

سنة 1943 غشت أصدرت في فاس جريدة باللغة الفرنسية.

سنة 1947 سبتمبر ساندت الحركة الوطنية بمكناس على إثر حوادث وادي بوفكران, وكانت لي اتصالات مع الوطني الغيور الطاهر. لقد كان من زمرة المهتمين بالقضية, وقد أقام زمنا بمناطق الأطلس, وخاض مغامرات وطنية قبل مجيئه إلى مكناس. كتب قصيدة مشهورة عن ولعه بالوطن يقول فيها:

لله في أرض المغرب جنة سحرت قبيلا أنفس الشعراء

المقاوم السياسي بالقرية يدفع عن طريقه حمارا أسودا مختلط لونه ببياض, وراء الحمار يقف عبد وأخوه محمد. إنهما من شرفاء سكان القرية نسبا , يقدمان المساعدة للفقراء والمحتاجين. يتشاوران في تأسيس حزب شعاره ‘الحمار’ لأنه يمثل الطبقة الكادحة والمتوسطة العاملة, التي تجهد نفسها في الشغل المتواصل وتؤازر الحركة النسائية وكل من يعاني شظف العيش. يبادرهما الزعيم بالكلام :

ماذا تفعلان؟

يجيب عبده على الفور:

إننا ننتظرك. كنا خائفين أن يضيق عليك ‘القبطان’.

يرد متغطرسا:

من أين جاءكما هذا الإحساس؟ وهل أخبركما أحد؟.

لا لم يخبرنا أحد, لكن نخاف أن يعلم اتصالاتك بأهل القرية, فيقرر التضييق عليك.

يخبرهما أن التضييق لا يخيفه, وأنه جرب النفي والتضييق وخنق الحرية في السنوات الماضية بالجنوب الغربي من البلاد. الشقيقان عبده ومحمد يباركن شجاعته. يسألانه عن تطور الحركة الوطنية بفاس والرباط والدار البيضاء, تلك البقاع البعيدة التي تشهد نشأة الوعي بالذات أمام القوة الأجنبية المسيطرة. كانا يتظاهران بالموافقة على كل ما يلقى إليهما من مطالب وآمال, لكنهما ما كانا يجاوزان الموافقة الظاهرة إلى الانضمام إليه في حركته المنظمة. كان أحدهما أكبر من الآخر, وكان الأصغر منهما لا يقدم ولا يؤخر رجلا إلا بإذن الأكبر. قبل وصول زعيم المستقبل إلى مكانهما من السوق كانا الأكبر يقول لأخيه محمد:

إن ما يقوله هذا الوطني المنفي جميل. إنه شاب لم يبلغ الثلاثين, إنه في مثل سني أو يكبرني بقليل, و لكنه طافح بالخيال والهمة والغطرسة.

كان لا يفصح عن هذه الانتقادات إلا نادرا, أو صحبة أخيه في خلوتهما الصادقة. كان يرى أن فرنسا لن يخرجها من البلاد إلا تطور يحدث في الظروف الدولية, وأنها لا يمكن أن تخرج بضغط من شعب أعزل, ولا من حركة منظمة أو غير منظمة, سلاحها القلم واللسان. كان يعلم أن زعيم المستقبل لا ترضيه هذه الحقيقة, لذلك كان يتظاهر له بالموافقة على قوله بأثر النضال السياسي على المستعمر.

منى طفلة اشتد عودها, وبدأت تسافر إلى القرية الجميلة لتزور عمتها كنزة. تعبر سطوح القرية المتوالية والتي لا تعلم لها حدودا ولا نهاية. كان من عادة أهل القرية أن لا تخرج البنت من باب الدار إلا برفقة محرم لقضاء حوائجها الضرورية, وإذا أرادت أن تزور أهلها فيتم العبور إليهم عبر السطوح المتلاحمة والمتشابكة. كانت تتردد على سطوح القرية و تقطعها من أعلى إلى أسفل.

للا الشريفة زوجة عمها تنام عند الظهيرة, فيفقد البيت الكبير المتباعد الأطراف الرقابة والصرامة المفروضة, ويغرق الخادمات في حاجاتهن الشخصية من نظافة وغسيل وترتيب ملابسهن. يروج بينهن خبر الخادمة فاطنة وعلاقتها بالسائق, واستحواذها على تلابيب عقله وشغاف قلبه. حصل ذلك عندما كان يوصل إلى البيت سلة اللحم والخضر . السائق كان على خلق كبير وطلب الزواج من للا الشريفة ربة البيت. وافقت على خطبتها, وأعلنت أن الشهر القادم ستزف عروسا له.

منى تتسلل إلى باب السطح في حذر وعجلة بخفة البرق. من سطح إلى سطح, تصل إلى سطح عمتها, وتصرخ بصوت عال:

عمتي كنزة.

تمد لها سلم من خشب الأرز, فتنزل بسرعة, وتزرع في حضنها وتقبلها قبلات صادقة. تحضنها أكثر من ساعة, تشعر أن حضنها يختلف عن حضن جدتها زهور. تدخل يدها بسرعة, تلمس صدرها فلا تجد العقد بقميصها. تصاحبها عمتها كنزة إلى غرفة مظلمة, وتصب لها, من القدر الطيني, الرائب طريا طبيعيا باردا. تمسك بملعقة الخشب و تحرص بنباهة على أن لا يتفتت ولا يتكسر الرائب, ترغب فيه قطعة واحدة متماسكة. تتحايل عليه لتجمعه قطعة مجمدة بالملعقة, تلقيه في حلقها, وتحمد الله على أنه لم يتكسر قبل البلع. يلذ لها احتواء الزبد المتجمد على واجهة القدر الطيني. تأكل بنهم, ويسري الرائب في جسدها مغذيا منعشا لذيذا.

تجلس على هيدورة صوف الغنم, بالقرب من عمتها, ترقبها تشكل لوحات فنية رائعة. تسند رأسها على صدرها, تنسل يدها بداخل قميصها بسهولة, لا توجد ‘العقد’, القميص مفتوح. عمتها تسلك رتق أصابعها داخل شعرها القصير, وتقول لها:

لا, لا تتركي أمك تقص شعرك هذا حرام؟ ‍‍

ترد على الفور:

أمي يتعبها تصفيف شعري الطويل في الحمام, تقول الشعر الطويل ليس موضة. عمتي هل تعلمين أن بنات خالي كلهن قصصن شعرهن؟

تزداد التصاقا بعمتها, تشد النظر إليها بحب وإعجاب وهي تنسج خيوطا. تتوقف كنزة لحظات عن النسج, تغني وتتأمل ثم تنسج بسرعة البرق. تنسج قطعة صوف لأخيها محمد, تخاف عليه من برد القرية. منى الطفلة الصغيرة تشعر بالخوف العارم يكتسح جسدها, تخاف أن تستيقظ من النوم زوجة عمها للا الشريفة و تعلم بخبر زيارتها لعمتها عبر السطوح. للا الشريفة تحذرها من الصعود إلى السطح, تخاف عليها أن يصيبها مكروه. كنزة لا تخاف وتخرج, كان ذلك قبل أن يستقل المغرب. منى لا علم لها بذلك, ليت عمتها تسر لها ببعض الزيارات التي تعتبر مشاركة في النضال الوطني وخروج فرنسا من البلاد.

منى تجد في هذا العبور العلوي شبه بالنفق المفضي إلى الأسواق التجارية بكيبك العاصمة. تعبر النفق من أسفل لتصعد إلى أعلى ثم تدخل مجمعا تجاريا, وتتجه إلى جناح الأغذية لتبحث عن الرائب نوع ‘ ليبغط يوكورت ناتير’.

منى تريد أن تتخلص من الماضي من التاريخ. التاريخ الذي قرأته كذب, تبحث عن التاريخ في المكان. منى توجد الآن بداخل غرفة ب ‘بافيو بارو’ رقم 8517 بجامعة لافال كيبك, في زيارة لولدها أسد بكندا. تداوم على المشي تبحث عن الحب والسياسة. تعبر راجلة الساعات الطوال, تستبد بها هموم الإنسان في كل المكان, حيث يكثر الدم والدمع ويقل الماء. تحب كندا لأن ماء كثير, تغمرها مياه شللات نياكارا. تتوقف عن المشي لتشاهد العشب الأخضر المحاذي لجامعة لافال. منى متعبة, تحمل هموم الماضي والحاضر والمستقبل. تتشابك عندها الأزمنة في تداخل مخيف و يختفي المكان. تشعر أن لا مكان لها حقيقة على كوكب الأرض إلا هذه القطعة التي تقف عليها الآن, العشب أخضر. تتجول بمدينة كيبك القديمة, تجد أن أزقتها فيها دفئ كثير مثل أزقة غرناطة. المكان يتوزع عندها في بقع عديدة من العالم, تبتعد عنها وتقترب منها. تتذكر قول صاحبها حين طلبت منه أن يشتري لها مرطبا للجسد ‘كلاغانس’ من مدينة مسقط ربيع هذه السنة. قالها:

أنا أصرف مالا كثيرا على عقلي ليروق ويشفى, أنت تصرفين مالا أكثر مني على جسدك لينتعش ويتغذى. لقد بحثت عن ‘كلاغانس’ لكن لم أعثر عليه. السلع الفرنسية نادرة بسلطنة عمان.

منى بخلاف صاحبها تمنح جسدها عناية كبيرة, تعرف أن بالجسد يروق الفكر. لا تشغل فكرها إلا في حالات جمال جسدها وأناقته وانشراحه . تجلس على حافة كرسي داخل حديقة قرب مراكز التسوق بكيبك وتقرأ قسيمة كتب عيها: ‘Clarins vous écoute et vous conseille . تدخل القسيمة وسط غلافها, تضعها في حقيبتها, ثم تخرج من الحقيبة ديوان شعر, وتقرأ العنوان: ‘يلف خصر الأرض’ طبع بواشنطن سنة 1992. تفتح الديوان وتقرأ قصيدة:

طعم الغربة كطعم التردد.

يحضرها بيت شعري آخر لغادة السمان:

… فيها الغربة ليال طوال للحوار مع الجدار.

تردد شعرا حفظته لشاعرة مغربية تقيم بنيويورك:

I want water, water.. Not the riverbed

And wind, not the course of wind, but wind.

منى تريد الماء, تبحث عنه في كل رقع العالم. لا تشعر بالغربة, يروق لها أن تعبر البقع الخضراء وأن تشاهد الماء يتدفق من النفورات. الماء مرتبط عندها بالطفولة, وبمياه الأطلس, وبحيرة أكلمان سيدي علي, وعمتها كنزة. منى تشم رائحة الرائب الذي تحمله عمتها إلى الزعيم, الرائب ينساب. كشفت عن ساقيها بلمح البصر, شدت القنينة وأعادتها لتخفيها داخل صدرها. تتمهل في رحلها إلى الزعيم, الفرس هو الآخر يعلم أنها لا تريد الإسراع لأنها تخاف أن يتدفق الرائب, تريد أن يصل إليه كاملا. في لحظة سهو تسرب الرائب وكشفت عن ساقيها. أي أحلام يقظة كانت تراودها وهي في طريقها إلى الزعيم منفي؟. انفلتت من بين صدرها قنينة الرائب أدركتها بيديها, أعادت القنينة إلى صدرها, وأخذت تدهن ما انساب من الرائب على باقي أطرافها العارية. الرائب مرطب, تسقي جسدها لبنا طريا, وتصاب بسنة شبيهة بالحب والسياسة.

سقي الجسد عند السيدة كنزة ليس الغرض منه الحفاظ على الشباب الدائم, بل الغرض عندها أن تغذي جسدها وتجعله لامعا و مشتعلا. هي لا يوجد عندها ‘ كلاغانس’.

منى تشم رائحة الرائب. تعبر ممرات المراكز التجارية الضخمة, تتوقف عندما تشاهد مكتبة كبيرة, تدخل, تبحث عن صحف عربية, تقترب من رفوف الصحف, تمسك بيدها صحيفة الحياة, تقلب أخرى مكتوبة بحروف عربية لكن لا تستطيع قراءتها, تعرف أنها ليست لغة عربية. تعود تشد صحيفة عربية و تقرأ:

صحيفة الحياة 19- 8- 1997

قنابل وجرا فات

إدوارد سعيد

أستاذ الإنجليزية والأدب المقارن بجامعة كولومبيا

لا مكان للسلام ما لم تتخذ إسرائيل وحلفاؤها الأقوياء خطوة مخلصة نحو ضحاياهم, خطوة يقدمون عليها بروح التواصل والتصالح …’

تعود تدخل غرفة ولدها أسد رقم 8517, تخط على ورقة أفكارا راودتها بسرعة على عجل:’ … جماليات التفكك وتشظي والتضاد, إنها شعرية علاقات التجاور والتشابه والتقارب’. تنحني بسرعة تمسك بكأس رائب, تجده شبيها برائب عمتها. تنشد الوحدة الكونية في خضم تفكك هذا العالم الرهيب, تتساءل: لماذا الرائب في كبيك رائحته ومذاقه مثل رائب عمتي؟. ما معنى هذه الوحدة الكونية؟. الوحدة موجودة في المكان. لا نكتشف شيئا. يجب أن نبحث عن أشياء كثيرة توحدنا. الوحدة التي نطلبها موجودة وصارخة في كل مكان, الماء بالقرية الجميلة, الماء بكبيك , الرائب بأسواق كبيك, الرائب بسكن عمتي.

ما أجمل أن تلتقي الطفولة بالشباب, وأن تعرف منى أن الرائب المرطب تستعمله عمتها والكلاغانس المرطب في أسواق كيبك اشترته اليوم. كأس رائب ينفلت من بين يدها تكشف عن ساقيها وتسقيهما بالرائب مثل عمتها.

منى لا تملك ذاتها, هويتها متشردة متفككة متشظية. تسعى إلى امتلاك ذاتها وهويتها رغم التشرد و التشظي. تسافر إلى بلد بعيد, تقيم ما بين الرستاق و كيبك, تشعر بالحب وتكتب في السياسة. الوطن مشروع كتابة. منى تشد بكتاب حملته معها إلى كيبك, تقرأ صفحة 132:’…لا تنتمي إلى هذه القارة الضخمة. أين الوطن؟ إذن ما الوطن, حيث تحظى بالحرية والأمن, حيث تحترم وتصان, أين تحظى بذلك؟. يظل الوطن حلما. يظل الوطن جرحا ينزف…’ منى تخط ملاحظات على ورقة:’الوطن هو مشروع كتابة مجنونة. كشفت عن ساقيها وبدأت تمسح الرائب عليهما. تضطرب في مكانها. لا يجب أن تخفي عريها. صاحبها يوصي بذلك. منى تصر أمامه أنها مكسوة وسط العالم لن يصيبها أي مكروه تخصف الأوراق تكسو جسدها يتعطر. تطمئن .’

منى لا تعرف الحب لا تعرف السياسة, ولا تسكنها أحلام يقظة مثل إيما بطلة مدام بوفاري. إنها مترعة بخصب الإنسانية في كل بقع الدنيا تكتب, لا وطن لها. تتشتت عوالمها , تسمع صوتا :

إوا شدي الأرض.

تشد الأرض. تصمت, تعلم أن صوت جدتها تبخر منذ رفعت أم منى قميصها المذيل وأمسكته في حزام خصرها لتدخل إلى المطبخ. كشفت عن ساقيها وبدا سروال كولف منحصرا عند الركيتين.

السيدة كنزة تنسج قطعة صوف منتعشة هادئة. يشتغلن النساء في صمت. يبحثن عن الحب, والسياسة.

منى يعجبها أن تعبر كل بقاع العالم لتتأكد من أنه قرية صغيرة. تعبر ما بين لهيب الرستاق وزمهرير موريال. يسكنها الفناء والموت المحتوم, موت السيدة فضول, موت زهور, موت كنزة. موت والدتها أشد من زمهرير كيبك ولهيب الرستاق. تعبر الطريق المفضي ما بين فلج الشراة إلى كلية التربية مرورا بالمستشفى, تشتد عليها الحرارة و تضع واقية الشمس فوق الحجاب, تعبر العراء, الأرض قاحلة, حجر, لكن هنا في كيبك الأرض مخضرة, عشب. يدخل أسد يقول لها:

ماما ماما الجو رائق منعش في هذه الشهور فقط, الشمس دافئة. ماما باقي شهور السنة نعبر النفق, ونظل في الغرف أكثر من شهر لا نخرج. نعبر النفق لنصل إلى جامعة لافال, ونتسوق من المراكز التجارية. ماما مرة خرج زميلي حاتم بعد أن ضاق بعبور الممرات الأرضية, وعاد بعد لحظات يحمل أذنيه من شدة الصقيع. حملناه على عجل إلى المستشفى ليخيطها, فوجدنا آخرين يحملون آذانهم.

منى تبتسم.

أسد:

ماما هذه حقيقة الطبيعة الجغرافية لبلد كندا, البرد صعب والماء كثير.

الشاب المنفي, الذي سمي بعد الاستقلال بالزعيم كغيره من الزعماء , تعلم بعد الاستقلال أن العدوان والتجويع والإلغاء, صفات لا تخص الفرنسيين المستعمرين وحدهم, لكنه لم يستطع أن يجهر بذلك. صار كالذي مضى في طريق مسبعه فلم يرد أن يعود إلى الصواب, وأصر على المغامرة وإدعاء صواب الاختيار. يحكي عن الضباط الفرنسيين الذين استقبلوه في منفاه بجنوب المغرب, فتبرز في حكايته بقايا الإنسانية والعطف في سلوك الضباط تجاهه.

يلاحظ أن هذا الوطني المعروف لقي في منفاه من الاعتناء ما شجعه على الإصرار على مواقفه وتحمل الاغتراب في تلك الأصقاع الجنوبية قبل مجيئه إلى القرية الجميلة, لكن يمكن للبعض أن يقول أنه ليس اعتناء وأنه قهر وسجن وإسطبل ينام فيه , واحتقار واعتداء على الحرية. لكن بالمقارنة تقاس الأوضاع, فلو سقط في أيدي آخرين, ممن يستوردون خبراء في علم التعذيب, لاستحب أن يتراجع عن موقفه حماية لشرفه وكرامته وروحه, لكنه لم يعان من التعذيب إلا النزر القليل, ولو حصل له ذلك لاختفى مرة واحدة كما يختفي العديد من الطلبة ممن لا يحملون لقب زعيم.

الشاب المنفي كان يتجول في سوق القرية, دون خوف صباح يوم الاثنين. يتعرف على من يلقاهم من شرفاء أهلها الدين عرفوا انتفاضات سرية ضد المستعمر. كان بعض أهل هذه القرية يحترمون الفرنسيين المقيمين فيها لما كانوا يتمتعون فيه من جوانب إنسانية تجعل بعض سكانها يختلط عليهم الأمر, هل هؤلاء هم المستعمرون؟.

الزعيم يتجول مع صاحبه في أزقة فاس.

فرنسا تستولي على عقول المغاربة, فالشيوخ راضون بالحال, لا يثيرهم الوجود الفرنسي المنتشر. لعلهم يئسوا من كل تحرير. إنهم يقارنون حالهم الآن بما كانت عليه حالهم قبل الاستعمار. ألا تذكر أحاديثهم على السيبة وقطع الرؤوس؟.

يؤكد الزعيم لصاحبه أن الخوف كان منتشرا قبل الحماية. يبتعدان عن المسجد الذي صليا فيه, يمران على الخرازين. حمدة يتعثر في مشيته, يمر بجوارهما, لا يعرفه, الأحياء قد تفرق بينهما, حمدة بحي الرميلة والزعيم بحي صالاج. يصلان إلى باب قصبة النوار القريبة من باب بوجلود وباب الطالعة الكبيرة. ينظر زعيم المستقبل إلى جماعة من المشاهدين المحلقين على رجل في يده أفعى يتلاعب بظهرها. يصيح في وجه صاحبه الذي ذهب فكره بعيدا في تأملات غامضة. يقول :

لو انضم إلينا كل هؤلاء لصارت حركاتنا قوية, تقض مضاجع المستعمرين.

يتراجع إلى الوراء قليلا, يقول لصاحبه:

لكن حركاتنا قوية, أو ليست العبرة بالكيف لا بالكم.

يعبران نفس الطريق, يلتقيان مرة أخرى بحمدة. مر الزعيم أمامه وكأنه كم مهمل. حمدة لا يهتم بالحب والسياسة , كان الزعيم متطاوسا, لا يسعه هندامه الأوربي زهوا. كان سمينا, حركته أقرب إلى الخيلاء منها إلى حركة الثخانة.

لم يكن مضى على الاستقلال زمن طويل, لكنه لم يكن طائرا قادرا على اقتطاف الثمار في أعالي الأشجار. كان أشبه ما يكون بالطيور الدجنة التي لا تطير, وإن طارت لم ترتفع بعيدا عن الأرض, لتعود إليها في لحظات مسرعة. الزعيم كان يعلل خسارته بالنظافة والطهارة الوطنية, ولذلك كان يرى فيها مبعث زهو وافتخار سري تجري أنهاره بينه وبين نفسه, وهذا هو السبب الذي جعل الناس يلاحظون أنه ازداد عظمة في الظاهر عن حاله قبل الاستقلال. لقد أضاف زعيمنا إلى كناش خياله اعتقاده أنه هو الذي طرد فرنسا من بلاده, وأنه مترفع على الولوغ في الأوساخ التي انجر إليها غيره بعد الاستقلال. ذلك الاعتقاد كان وراء اصطباغ زهوه بغشاء رقيق من الزهد ونكران الذات, لكنه زهو سرعان ما ينبثق من بين مسام الغشاء, حين كان يخرج إلى طريق من طرق فاس القديمة ليتجول بين الناس. كان زهوه يبدو في عجرفة خفية كالطلاء المستولي على عينيه ورقبته, في زيه الأوربي عندما يلتفت يمينا وشمالا ليحيي بعض أتباعه, أما بقية المارة لا يلتفت إليهم وربما حياهم على مضض.

كان حمدة هو أيضا يعبر نفس الأزقة, من طريق النخالين, لكن لم يكن له في الوطنية لا ناقة ولا جمل ولا حمار. شاهد المغرب قبل دخول فرنسا, وعبر زمن الحضور الفرنسي, ثم شاهد عهد الاستقلال. كان ذلك كله في نظره مراحل متتابعة, لم يكن متحيزا لأحد, أقصى ما كان يطلبه من الحياة أن لا يظلم هو ولا أحد من أهله, فإذا ضمن ذلك فلا فرق عنده بين الأشقر والأسمر, وبين المغربي والفرنسي. ذلك لأنه لم يكن قد شاهد قبل دخول فرنسا عدلا وغنى, بل كان يرى الظلم والفقر. كان يرى أهل فاس كالقاصرين الذين لا يطلب رأيهم, ولا حق لهم في شأن من شؤونهم العامة, ولا في الكلام الحر المجرد عن الخوف وسوء العاقبة. فلما حلت فرنسا في البلد أبى أن يرى فيها شرا أعظم من الشر الذي عرفه من قبل. لم يكن عارفا بسير الزعماء, ولا بأخبار الحركة الوطنية. لم يكن مؤيدا لفرنسا ولا للزعماء, ولذلك لم تعلق بذاكرته صور للزعماء. مر الزعيم بجنبه ككم مهمل, لا علم له بشكله, لذلك فخطواته قاطعت خطوات الزعيم المتطاول في طريق النخالين كحالته مع كل ماض وآت. لم يحرك فيه ساكنا, لم يمثل له فخرا ولا عظمة, ولم ير فيه سوى جسم ضخم امتلأ شحما.

يكتب لنا الزعيم بعد سنوات, فنقرأ و نسر و نفرح. لا علم لنا بتاريخ مزور يكتبه الغلبة؟. هم مقاولي الحركة الوطنية؟ ما أجمل أن نعرف الزعماء ونحن صغار في المدرسة. نحفظ التاريخ, فتدمغ في ذاكرتنا أسماء بعينها و تنمحي شخوص بشرية اختفت مرة واحدة. يكتب الزعيم عن حركته ويصورها كما لو كانت تملأ أسماع الناس. الجماهير الشعبية تردد كلمات في كتابه, تقر السياسة وتنفي الحب, بينما الحب والسياسة متكاملان متجاوران. يكتبون التاريخ فخرا لزعماء صنعوا أنفسهم ولم يصنعهم الجماهير.

الكلمات تتردد في مذكراته كأن المغاربة كانوا فيما بينهم سمنا على عسل. يختفي العملاء, يختفي حمدة الذي لا ناقة له ولا جمل ولا حمار, وكأن كل أهل فاس وأهل القرية عارفون بحركاته, منذ رحيله إلى باريس لدراسة البوليتيك, حيث أصبح متضلعا في علم السياسة وعمره لا يناهز الثلاثين, إلى أن عاد زعيما في لحظة. سأله مؤرخ بارز في علم السياسة والحب:

هذا أمر مشكوك فيه؟.

فظهر على وجهه آيات الاستكبار وقال:

كنا شبانا ولكن حركتنا كانت تنتشر كالنار في الهشيم…

أحس المؤرخ بأن الزعيم يرى أنه ولد زعيما مثلما يولد الملوك والرؤساء. تصيبه الدهشة, كيف أمكنه في الثلث الثالث من القرن المنصرم أن يستولي على أدمغة المغاربة المساكين؟. كيف استطاع أن يلغي الكهول والشيوخ والأعيان والشرفاء الذين سكنوا فاس أول القرن ؟. ما كان من المؤرخ إلا أن كتب كتابه مناقضا لما زعم الزعيم من تربعه على عرش الزعامة, فدحض زعامته. كتب المؤرخ في بداية هذا القرن قال:

إن الزعيم ينظر إلى الماضي في الثلث الأول من القرن المنصرم, ينظر إليه من موقعه الجديد. لقد أصبح زعيما من وجهة نظره, وأصبح نصف زعيم عند العامة وملغى عند آخرين مثل حمدة. كثير من الخيال والغطرسة والتفوق يستولي على قلم الزعيم عندما يكتب مذكراته. الأحداث غالبها كذب, صنعها من الخيال. مثلا يوهم القارئ في حكايته أن اجتماع فلان وفلان في عدد لا يجاوز سبعة أفراد ببيته حدث مهم وتاريخي, وأن له أثرا بليغا في مجريات الأحداث بعد ذلك, وأن كل الأحداث المعاصرة له كانت منضوية تحت لوائه, و…. هل يظن أن مثل هذه الحوادث الشخصية تغير التاريخ؟. ألا يرى أن المحايد, من بعض الرجال المعاصرين له, لا يعير مثل هذه الأحداث اهتماما, ولا يدعون زعامة مثل حمدة.

ينتفض الزعيم من قبره وينهر المؤرخ ملوحا بعصاه, يقول له:

أنا زعيم على رغم أنف أمك وأبيك. الجرائد والأخبار تعترف لي بذلك, بل إن المؤرخين أنفسهم يعترفون بزعامتي, أما قرأت ما كتبه المؤرخ كذبان؟.

يرد المؤرخ في عجلة:

إن هذا المؤرخ ليس مؤرخا على الحقيقة, إنما هو مستفيد منك يؤدي ثمن استفادته. إن من كتب عنك هو فريسة من فرائس كتاباتك الوهمية المتطاولة على الزعامة. إنك لا تستطيع أن تبرهن على الأهمية التاريخية للحوادث الشخصية التي تتعرض لها؟. قد نعترف بأن سجنك حدث تاريخي, لكن لا نستطيع أن نصدقك في تأويلاتك, كادعائك أنك كنت خطرا على الاستعمار, أو أن الناس ما تململوا إلا بأمرك, أو أن الصيرورة التاريخية كانت رهنا بدخولك و خروجك من مراكز الحزب أو من دارك.

منى تتدخل في غضب أنيق:

أين اختفت السيدة كنزة في كتاباتك؟

الزعيم لا يعير كلامها اهتماما. يدخل مكتبه, ينتهي من كتابة مذكراته ويفسر التاريخ من خلال ما بدا له نقيا. يكتب خوفا من أن يداهمه الموت, يكتب… تختفي كنزة.

منى لا تفقه علم السياسة, و لا تعرف الزعيم, لا تحب الزعماء. المضحك في كنانيش حوادث الوفيات هو أن الروح الخرافية تمتد من الجهة المستفيدة منها إلى قلم المؤرخ, فترد على قلمه حقائق مخترعة عن زعامات تاريخية. يجب أن نعلن عن تزوير التاريخ وأن نصرح بكراهيتنا للطغاة والكاذبين من الزعماء. كلنا زعماء. منى تكره السياسة.

مؤرخ آخر يكتب عن الجملوكية . الجملوكية ظهرت منذ نهاية القرن العشرين … ” منى لا تهمها الجملوكية, هذه مناصب يتسابق عليها الرجال ويستثمر فيها الجملوكي داء السلطة وجنون العظمة. أين اختفت كنزة؟ لم يذكرها التاريخ. هي حقيقة تنسج قطعة صوف, ترغب في حملها إلى الزعيم الذي نسي أن يذكر اسمها في مذكراته.

اللغوي يتطاول على التاريخ, يحاجج منى ويناقش المؤرخ كذبان. يدخل في حوار طويل معهما:

اللغويات والسياسة… بعض الجهات لا تميز بين لفظ الحركة الوطنية والأحزاب الأولى للحركة الوطنية, ولا تميز كذلك بين الأحزاب غير الوطنية والأحزاب الجديدة في الحركة الوطنية, والجمعيات النسائية.

منى هي الأخرى لا تميز بين الحركات والجمعيات, لم تزامن هذه الحقبة التاريخية . ليست فقيهة في علم السياسة. عندما أصبحت عضوا في جمعية نسائية يسارية كانت تلوذ للصمت, السياسة تخيفها. يقول لها صاحبها :

لا بد من الفصل بين تلك التركيبات والجمل إن شئنا إقامة صفاء لغوي في الحوار السياسي المغربي. هل يساوي معنويا لفظ الحركة الوطنية لفظ الأحزاب الأولى للحركة الوطنية؟ الجواب هو لا ونعم. يتساوى اللفظان إذا نظر إلى الحركة الوطنية باعتبارها كيانا ميتافيزيقيا جامدا, في هذه الحالة تكون الحركة الوطنية شيئا وهميا متصورا يتوارث, وتكون أحزاب الحركة الوطنية أحزابا ذات كيان أنطولوجي لا تاريخي.

يطرح على منى بعض الأسئلة وهو متأكد من جهلها التام بالسياسة وبالحركة الوطنية:

هل الحركة الوطنية كيان ميتافيزيقي؟. هل الأحزاب كائنات مكتملة في الزمن والمكان ومتنقلة بكيانها الثابتة بين العصور؟. إذا كان الجواب منساب دون تفقه في علم السياسة, فلا تعادل بين اللفظين ولاحق لأحد في استعمال الحركة الوطنية والأحزاب الأولى للحركة الوطنية بمعنى واحد. إذا كان ذلك صحيحا فلا معنى أيضا للخلط بين لفظ الأحزاب غير الوطنية الجديدة في الحركة الوطنية. نلاحظ أن الأحزاب الجديدة في الحركة الوطنية لا تغدو مصطنعة في إدراك الغافل عن هذه الفوارق إلا حين يؤمن بميتافيزيقية ولا تاريخية الحزب والحركة الوطنية. حين يؤمن بذلك ينقلب إلى نائب عامي طاردا أبناء الشعب ومن ضمنهم الطفلة التي تلفت في ساحة الهديم, وكنزة التي نسجت الصوف, و الطاهر الذي خرج من الزنزالة بمخالب تشبه مخالب الأسد. والطالبات العاريات في الفاركونيت من ظهر المهراز .

منى تجادله:

الدوشات في الحي الجامعي بظهر المهراز تؤرخ ثورة نسائية صامتة , الأبواب كسرت مازالت رقع الخشب شاهدة على الحدث .

يقول لها وهو بعيد عن تدكراتها لظهر المهراز :

المؤرخ يمارس الاعتداء على التاريخ, لأنه ملتزم بالموقف الميتافيزيقي الجامد. ينسى أن الحزب والحركة الوطنية من صنع بعض الناس, ويتلذذ باعتقاد العكس. تراه يعتقد أن الناس جميعا نتاج الحزب والحركة الميتافيزيقية وأن كل من يمارس تأسيسا جديدا لحزب جديد يتمثل فيه نهر من أنهر الحركة الوطنية التاريخية, إنه يرتكب جرما مشهورا. هل تستطيعين أن تضيفي إلى لائحة حقوق الإنسان صياغة صريحة تثبت حق الإنسان في تأسيس أحزاب جديدة, بل تأسيس حركات وطنية دون التعرض لإدانة أنصار المواقف الماهوية؟. حينما نقول سنة 1990 أن الحزب الفلاني هو الحزب المؤسس للحركة الوطنية, لا ندقق بذكر تاريخ إحداث هذه الحركة ولا بذكر تاريخ نطقنا بذلك الحكم, نفعل كما لو كان هذا الحزب شخصا مستمرا في الزمن وكما لو كانت الحركة الوطنية سلعة مؤسسة منتهية. ما سبب هذا الانحراف اللغوي؟. سببه أننا لا نفرق بين الألفاظ الدالة على القصص والألفاظ الدالة على الأشخاص. لاحظي معي أن الشخص نفسه هو قصة, لكن قصة مكينة ممثلة في الكائن الذي تشخص وتميز وأصبح في الأخير زعيما متغطرسا. إن الزعامة قصة يصنعها الزعيم ويشاركه الآخرون في صناعة زعامته, ولهذا لا يصح القول بوجود زعامة أو حركة وطنية إلا إذا كشفنا بعد مماته الجينات التي جعلت منه زعيما دون غيره.

بعد سنوات تغيرت الظروف, وخرجت فرنسا من البلاد وتطورت الصناعة.هذا ما كان يفكر فيه عبده, ويؤمن بحدوثه . ويردده في نفسه. كان يتعجب وهو يستمع إلى الأخبار التي كانت تصله عن زعيم المستقبل.

صار هذا الزعيم رجلا معروفا, وغدا صوتا مسموعا, وعرضت عليه – فيما زعموا – مناصب الوزارة احتفاء بزعامته. كانت تلك الأخبار إشادة بنضاله الذي أقض مضاجع المستعمرين واضطرهم إلى الرحيل, لكن ما تحكي كنزة ظل موروثا ثقافيا يتناسى مع نسيان الأموات وتبخر في الهواء. هي لا تعرف أن تدمغ حروفا على الأوراق, ولا يشهد لها المؤرخون بتسجيل اسمها في انطولوجيا أعلام الحركة الوطنية. تنسج الصوف لتدفئ الزعيم, تصمت, لا تتكلم.

كان عبده, في النصف الأول من القرن المنصرم, يرى بين التواريخ فوارق شاسعة, الخيال مشحون بالكذب. هو الآخر مثل النساء لا يعرف صناعة التاريخ. عبده كان يردد تأملاته في نفسه وهو متعب بثقل السنين. كان لا يتخلص من الضيق إلا بالرجوع إلى ذاكرته, متطلعا إلى مكان هو وأخوه محمد يستقبلان فيه الزعيم بين صراخ الباعة ونهيق الحمير في سوق القرية الجميلة صباح كل يوم الاثنين.

بعد الاستقلال يلتقيان في قبة البرلمان, لا يتحدثان, يعرض زعيمنا بظهره كبرا في أنفة وأناقة مبالغ فيها. صيف 1963 الزعيم أصبح شيخا متألقا, وعبده في أوج شبابه زاهيا, كل منهما يركن في كرسيه فخرا. ينام بعضهم وآخرون يرفعون أيديهم ويصوتون ب ‘نعم’. لا يفقهون في علم السياسة.

والد منى محمد يحكي لها عن التعليم في قريته:

التعليم الفرنسي خطط له منذ بداية سنة 1923 لينشئ جيلا مؤهلا لتسلم مناصب إدارية باللغة الفرنسية في ظل الأعراف التقليدية. استبعد من هذا التعليم تلقين العربية والدين الإسلامي, وركز فيه على اللغة الفرنسية والتوجهات السياسية. كتب عن هذا التعليم المقيم الفرنسي ‘اليوطي’ نفسه في نشرة وجهها إلى رؤساء النواحي الفرنسية. قال: “إن الهدف من إنشاء المدارس الفرنسية هو تطويع العنصر الأهلي الأمازيغي والاحتفاظ له بكيفية سرية … لكن مؤكدة بالفوارق اللغوية والدينية والمجتمعية التي توجد بين بلاد المخزن المتميزة بإسلامها وعروبتها, وبين الجبال الأطلسية التي لا تعرف العربية”.

يحكي والد منى عن حاله عندما كان صبيا بالقرية يترد على ليكول وفي نفس الوقت على المسجد. كانت أسرته الشريفة, الشديدة التدين, تمانع تعليمه الفرنسية في ليكول, ولحسن حظه أو لسوئه, أن أسرته ميسورة قادرة على دفع الجزية للمقيم الفرنسي بالقرية حتى لا يلتحق صبيها بليكول ويلتحق بالمسجد. لكن محمد كان يخرق الاتفاق ويصحب بقية الصبية الفقراء إلى ليكول. يعجبه الحديث باللغة الفرنسية, لكن يشعر بشيء في أعماقه يشله من بين زملائه ليحفظ القرآن الكريم ويخط حروفا عربية.

يقول لابنته منى:

كنت أصاب بقلق شديد لأنني أحببتهما معا. لم يكن لي ضرر في تعلم الحروف العربية والحروف اللاتينية, لكن كنت ألقى زجرا وتعنيفا عندما يصل خبر دخولي إلى ليكول لأسرتي. يختلط علي الأمر وأخاف.

عم منى يحدثها عن شرفاء القرية الجميلة, يقول لها يوما:

هذه القرية هي منفى أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم. نزحوا إليها ليحتموا بغاباتها وجبالها, وهم قوم قلة. دفنوا فيها, و قبورهم بطحاء يكسوها التراب, لا توجد لهم قبة ولا زاوية. جاء إلى هذه القرية أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم. فاطمة الزهراء قالت: “الأمازيغيون خير من يعطف على أبنائي ويكرم مثواهم.”

منى تذكر أحاديث عمها عبده :

لم يكن الخليفة الأموي يدعي أن ملكه يقوم على أساس الدين, ولا يعتبر نفسه حارسا للدين. كان الدين يتمتع باستقلال شبه تام عن الدولة. القضاة كانوا مستقلين في قضائهم, والعلماء بالكتاب والسنة يؤولون ما استعصى حله, إلا من كان منهم في خدمة الأمويين متحيزا لهم. كان كل إمام وكل قاض يجتهد ويفتي في اجتهاده, ولم يكن للخليفة أو عماله أي سلطة علمية, إلى أن قامت الدولة العباسية, وكلف أبو جعفر المنصور فيما يبدوا الكاتب المعروف ابن المقفع بوضع تقرير يقترح فيه ما يراه ضروريا لتوطيد أركان الدولة, فكتب رسالته الشهيرة ‘رسالة الصحابة’. هذه الرسالة كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة نصح فيه الخليفة بحسن اختيار معاونيه وحسن سياسة الرعية. كان في نصحه رقيقا غاية الرقة, وكان ينتظر من المنصور تقديرا أدبيا وماديا يليق بجهده, ولعله لم يتصور أن مجرد إسداء النصح للمنصور يعتبر جريمة يستحق عليها قطع أصابع يده وشيها على النار أمام عينيه, و إ طعامه إياها مجبرا…

منى تردد في نفسها :

– خي فيه.

لقد عرف أبن المقفع بكراهيته للمرأة واحتقاره للنساء, في قوله: “أنهن لا يتجاوزن الاعتناء بجمالهن. ولا تملك أي امرأة من الأمر ما يجاوز نفسها, فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها و أدوم لجمالها, وإنما المرأة ريحانة وليست قهرمانة…”

منى تردد في نفسها:

حقا لست قهرمانة ولا سلطانة ولكني إنسان.

منى تداوم على تذكر أحاديث عمها عن التاريخ, يقول لها:

كسرى انوشروان تولى الملك في ظروف كانت فيها الدولة الساسانية تعاني من الضعف والانحلال, و خصوصا بعد أن تحالف والده قباد, الذي تولى الملك سنة 488 ميلادية, مع أتباع المزدكية ضدا على الأرستقراطية الفارسية التي كان يشك في ولائها وإخلاصها. كان رجل دين من أتباع الزرادشتية وقد مال إلى جانب الفقراء والمستضعفين ضدا على ملاك الأراضي والنبلاء وطبقة خاصة من المترفين. وكان يرى أن أصل الداء في المجتمع وأصل الاستقلال والحروب, هو الجري وراء الثروة من جهة والتعصب للنسب والحسب من جهة أخرى. لذلك دعا إلى الشراكة في الماء والنساء, وذلك بجعلهما من الأمور المشاعة بين الناس.

يدخل أسد ويشل خيط استحضار تذكرها, يقول لها:

ماما, ماما الماء ملك مشاع. ماما ثلث الاحتياط العالمي من الماء يوجد بكندا. ماما, الماء لا تدفع له فاتورة, الماء مجانا, كندا مخضرة رائعة. ماما اعرف أن العشب الأخضر يعجبك, يذكرك بقريتك الجميلة, لكن هنا لا يوجد شجر الأرز. ماما تعلمين أن إليزابيث ليست ملكة على بريطانيا فحسب ولكن على كندا أيضا. تعلمين أن النساء في كندا يتمتعن بحقوق كثيرة ولا يشعرن بالخوف.

أسد يسترسل في الحديث عن كندا, منى تنجرف وراء هلوستها. لو كتبت ابنتها رهام, الشاعرة المغتربة, بكندا قصيدة للملكة مثل ما فعل الشدياق الذي مدح فيكتوريا بقصيدة وقدمها لضابط البلد,- و الضابط وكلها لزوجته لتهديها إلى بعض الخواتين القائمات بخدمتها, وترجمها أيضا إلى لغتهم- لو كتبت رهام قصيدة لرفع الحصار على بغداد وصديقتها العراقية المغتربة دنيا جات.

يشتد قلق منى, وتخرج لتعبر العشب الأخضر . عندما تزور كندا تعرف الحب والسياسة. يشتد قلقها, تعرف أن بلدها يعرف الجفاف. تدخل إلى سكن ولدها أسد بالحي الجامعي لافال, الألم يعصر جسدها, الجفاف ببلدها. تقترب من الموت.

عرفت منى الموت يوم انتزع منها والدها, تذكر كم حضنته بجوارها, وقبلت يديه, و دعكت ظهره ورجليه بلطف وحنان. كان يحكي لها وهو في نهاية شيخوخته الناضجة عن تفاهة الحياة. احترق قلبها لما علمت بخبر موته وهي بمصطاف المضيق. مرة أخرى يعود الموت, لم يحترق قلبها بل انتزع من مكانه, ماتت أمها . توفيت في غفلة, اختفت وهي في أشد قوتها وبهاء جمالها. كانت في بداية الشيخوخة أنيقة وجميلة, لم تخر قواها بعد. انتزع من منى قلبها وشعرت بلهيب بداخل صدرها. استمر اللهيب أكثر من شهر, فذهبت للطبيب صحبة ابنتها آية. فوجئت بعد الفحوص بالأشعة أن لا شيء يحترق بصدرها, النار وهم وخداع. منى تشعر بالنار تلتهم صدرها تحترق. يقول لها الطبيب:

يجب أن ترحلي إلى بلد بعيد.

منى اليوم عند ولدها بكندا. الماء, تعبر العشب الأخضر بكبيك العاصمة وتكتشف تفاهة الحياة, تكتشف أنها لا تستطيع قراءة التاريخ المزور. الحقيقة يفصح عنها ‘الدم’ المنساب على الأرض. كتابة التاريخ يجب أن لا تحدد بأسوار السلاطين ولا بأهرام الفراعنة. التاريخ شبيه بالرقص والموت والدم والحريق و الماء… وأشياء أخرى لا نعرفها مثل الرقص و كرة القدم, نرغب في مشاهدتهما. منى لم تشاهد الرقص ولا كرة القدم في تجلياتهما الكبرى, الذي شاهدته حقيقة هو الموت لأن حريقا شب في قلبها واستمر اللهيب أكثر من شهر. المكاشفة للموت هي أعلى درجات الحب والسياسة. منى معجبة بأمها لأنها كانت فاتنة أنيقة تغني أغاني اسمهان: ‘هل تيم ألبان فؤاد الحمام.’ ما أصعب أن يوارى الجسد التراب, فأمها قطعة منها. يغرق الجسد في التراب, فيشتد اللهيب بصدرها, لقد حصلت المكاشفة. مكاشفة الموت عندما انتزعت منها قطعة من جسدها, تختفي الأم, يختفي الماء, ويشتد الحريق. تدخل وسط التراب, وتدخل منى وسط الستائر رفقة أخيها و تشتد الغواية, غواية اللعب, تتم المكاشفة وتكتشف الموت في غور لظلام. الموت والحياة حقيقة. تلتقي في ود وحنان عارم وسط الستائر, يشد ها أخوها, لا تسقط الستائر الثلاث. تعرف الحب تعرف السياسة.

أي حكاية تحكي منى؟. علمها صاحبها نزع السحر عن العالم. كشف لها ذلك في ظلم وخير معاشرته, وعتم وإشراق حواره. علمها مواجهة الظلم والعتمة, وخرق المحرمات و… لكنه لم يعلمها نزع السحر عن الحب والسياسة؟.

منى خائفة, تحكي عن ركام الماضي المبعثر, تحكي عن بقايا تاريخ مزور, تحكي أن الأرض قطعة واحدة مركزها إفريقيا. القارات الخمس كذب, فالأرض قطعة واحدة حصل فيها تغيير منذ قدم التاريخ. تغيرت الأرض وأصبحت خمس قطع خلقت حدودا. خمس قطع محددة بالدم الذي تسرب على التراب الطاهر إثر حروب عجاف. الأحمر الذي تسرب على الأرض يحكي التاريخ. منى تحكي التاريخ الحقيقي الذي أصبح نسيا منسيا. ينسكب الدم قطرات من الشمعدان, تسمع قطرات الدم بنت السلطان, تتكلم؟. منى تتساءل: لماذا تكلمت بنت السلطان عندما سقط الدم؟.

توفيت كنزة, وتبخر التاريخ, لا تاريخ لها. توفيت صباح يوم الخميس في شهر شعبان بمدينة سلا. منى تشهد التهيؤ الأخير لمراسيم الرحيل. تنقل كنزة إلى القرية الجميلة للدفن , يتم تشييع جنازتها في الدار الكبيرة, وقد شيع قبلها أخوها عبده, نقل هو الآخر من فاس إلى القرية الجميلة, ليدفن بجوار رميم أحفاد سيدتنا فاطمة الزهراء. والد منى توفي بمدينة الرباط يوم الخميس في شهر شعبان. والد منى يمتلك العالم, يعرف أن الأرض قطعة واحدة, يوصي قبل مماته أن يدفن بأي بقعة أرض وجد فيها, لا فرق عنده بين مدينة وقرية, يعتبر التشبث ببقعة معينة خرافة ووهم. يملك كوكب الأرض, يحب الأرض, ويعرف يقينا أن لا حدود جغرافية تفصل بين البقع. دفن بجوار الشاعر الكبير الذي كتب له أبو أسد الشاهد على قبره. منى تداوم على قراءة شعره, ‘اختفى مرة واحدة’. رافقهما يوما إلى القرية الجميلة لحضور عرس أبناء عمها, ثم أسرعوا بالعودة عندما جاء منى المخاض وعادوا إلى فاس. عبروا الطريق الممنوع لكن ألسنة الحديد كانت تحول دون العبور. جاءها المخاض والوجع اشتد, تصرخ. يوقف عبورهم الشرطة, يلعن الشاعر الشرطة وتبيض عينا أبو أسد من الخوف.لا يقوى على مواجهة تحقير الشرطي للأستاذ. ألسنة الحديد تمنع العبور. منى جاءها المخاض, تشد بساعد صاحبها و تعضه من شدة الألم, الشرطي لا يرحم. الشاعر المعتد بتحزبه يحرض أبو أسد على العبور ويشتم الشرطة والحكومة. يصلان إلى باب مصحة الولادة, تسقط آية قبل الدخول إلى غرفة الولادة. منى ترغب في أن تسميها مي. يخبرها صاحبها أن صديقه اعتقل لتمرده على رجال الأمن. يدخل عمها عبد يخبره أبو أسد باعتقال زميله الشاعر, فيقول مازحا:

سأعرض الحدث في قبة البرلمان.

يخرج عبده وبيده ديوان شعر, يفكر في رواية الحدث للزعيم عندما يلتقي معه في قبة البرلمان, لكن الحدث أصبح نسيا منسيا. يعم البلد خوف رهيب فالكلام ممنوع في السياسة.

ينتشر خبر ولي صالح دون كرامات. لا يخترق الجدار ولكنه يخترق اليأس, يأس الجائعين والعاطلين والطلبة العزل. يخرجون للشوارع, ينتظرون برنامجا يحول الأرض إلى فردوس وتنتهي سنوات الجمر. آخرون يتبركون بالقبة, ويقبلون الحجر كأنهم يحرزون على شهادة البراءة من المخالفات النفسية والجسدية. شعورهم بالذنب ومخالفات قواعد الحشمة والحياء يجعلهم يتشبثون بالحجر. يبكون ويشهقون فيتسرب الدمع إلى روافد تصل إلى نهري دجلة والفرات. يشتد التضرع في القمم العربية ويخرجون للشوارع متضررين, يترجون تغيير الأحوال.